أنهِ مسودتك الأولى، كل شيء آخر يأتي بعد ذلك

يوسف الخطيب

سأعترف لكم بشيء مخجل، قضيت ثلاث سنوات كاملة من حياتي أعمل على الفصول الخمسة الأولى من روايتي، ثلاث سنوات، أعيد كتابة الفصل الأول مرة بعد مرة، أصقل الجُمل، أبدّل الكلمات، أعدّل الإيقاع، أحذف وأضيف وأغيّر، كنت مقتنعاً أنني أتقدم، أنني أصنع شيئاً عظيماً، لكن الحقيقة؟ كنت أدور في حلقة مفرغة، أهرب من الشيء الوحيد الذي كان يجب أن أفعله: أن أنهي.

ثم جاء اليوم الذي غيّر كل شيء، جلست مع كاتب أكبر مني سناً وخبرة، أريته ما كتبت، كنت فخوراً بنفسي، نظر إليّ وسألني سؤالاً واحداً: “كيف تنتهي الرواية؟” تلعثمت، لم أكن أعرف، لم أفكر في النهاية أبداً لأنني لم أصل إليها أبداً، ابتسم ابتسامة فيها شفقة وحكمة معاً، وقال: “أنهِ مسودتك الأولى، كل شيء آخر يأتي لاحقاً”.

تلك الجملة أنقذت حياتي ككاتب.

هناك فخ خطير يقع فيه معظم الكتّاب، خاصة المبتدئين منهم، وأنا كنت واحداً منهم، هذا الفخ اسمه “الكمالية المبكرة”، نبدأ بكتابة شيء ما، نكتب صفحة أو صفحتين أو فصلاً، ثم نتوقف، نعود إلى ما كتبناه، نقرأه، نجده ناقصاً، فنبدأ في التعديل، نعدّل ونعدّل ونعدّل، ولا ننتقل أبداً إلى الصفحة التالية.

المشكلة أنّ هذا يبدو منطقياً تماماً، لماذا أتقدم وأنا غير راضٍ عما كتبته؟ لماذا أبني الطابق الثاني والطابق الأول متصدع؟ يبدو حكيماً أن نصلح الأساس قبل أن نكمل البناء.

لكن الكتابة لا تعمل بهذه الطريقة، الكتابة أشبه بالنحت: أنت تبدأ بكتلة خشنة من الحجر، تشكّلها بشكل عام أولاً، ثم تعود لتنحَت التفاصيل، لا يمكنك أن تنحت العين بدقة متناهية قبل أن تعرف أين سيكون الرأس، لا يمكنك أن تصقل الفصل الأول قبل أن تعرف كيف ستنتهي الرواية.

المسودة الأولى ليست النص النهائي، هذه حقيقة يجب أن تستقر في وعي كل كاتب، المسودة الأولى هي المادة الخام التي ستصنع منها كتابك، هي الطين قبل أن يصبح تمثالاً، هي الخشب قبل أن يصبح كرسياً، هي الفكرة قبل أن تصبح فناً.

المسودة الأولى لها وظيفة واحدة فقط: أن تكون موجودة، أن تنتقل من رأسك إلى الورق، بأي شكل، بأي جودة، بأي صورة، الجودة تأتي لاحقاً، الصقل يأتي لاحقاً، الكمال، إن وُجد، يأتي في المسودة الخامسة أو العاشرة أو العشرين، لكن لا شيء من هذا ممكن إذا لم تكن هناك مسودة أولى مكتملة.

أعرف كتّاباً موهوبين جداً، أكثر موهبة مني بمراحل، لكنهم لم ينشروا كلمة واحدة في حياتهم، لماذا؟ لأنهم لم يُنهوا شيئاً قط، أدراجهم مليئة بفصول أولى رائعة، ببدايات مذهلة، بأفكار عبقرية، لكن لا رواية واحدة مكتملة، لا قصة واحدة لها نهاية، كل هذه الموهبة ضائعة لأنهم لم يتعلموا الدرس الأهم: أنهِ ما تبدأه.

وهناك أشياء لا يمكنك أن تتعلّمها إلا بإنهاء عمل كامل، عندما تُنهي مسودتك الأولى، تتعلّم كيف تتصرف القصة ككائن حي متكامل، كيف تتفاعل الشخصيات مع بعضها عبر الصفحات، كيف تتطوّر الحبكة وتتصاعد وتصل إلى ذروتها ثم تنحدر نحو النهاية.

لا يمكنك أن تتعلّم هذا من كتابة فصول متفرقة، لا يمكنك أن تفهم إيقاع الرواية إلا إذا كتبت رواية كاملة، لا يمكنك أن تعرف كيف تتنفس القصة إلا إذا تركتها تتنفس من أولها إلى آخرها.

عندما أنهيت مسودتي الأولى، مسودة كاملة من البداية إلى النهاية، اكتشفت أشياء لم أكن أتخيلها، اكتشفت أنّ الشخصية التي ظننتها ثانوية هي في الحقيقة قلب الرواية، اكتشفت أنّ الفصول الثلاثة الأولى التي قضيت سنوات في صقلها يجب أن تُحذف بالكامل، اكتشفت أنّ النهاية التي وصلت إليها تغيّر معنى البداية تماماً، هذه الاكتشافات مستحيلة لو لم أنهِ المسودة.


اقرأ أيضاً
45 اقتباساً مُلهماً تساعدك لأن تُصبح كاتباً أفضل
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
الكاتب الملعون: لماذا كان الأدب دائماً فعلاً متمرّداً؟


الآن، السؤال العملي: كيف تُنهي مسودتك الأولى؟ كيف تتغلب على إغراء العودة والتعديل والصقل قبل الأوان؟

أولاً: اقطع على نفسك طريق العودة

أنا أستخدم طريقة قد تبدو متطرفة، لكنها فعّالة، عندما أنهي كتابة أي مقطع في المسودة الأولى، أغلق الملف ولا أعود إليه، أكتب في ملف جديد كل يوم، ولا أقرأ ما كتبته في الأيام السابقة إلا بعد أن أنهي المسودة كاملة، هذا يمنعني من الوقوع في فخ التعديل المستمر.

بعض الكتّاب يستخدمون طريقة مختلفة: يكتبون بخط اليد، حيث التعديل أصعب، آخرون يستخدمون برامج تكتب ولا تسمح بالحذف، الطريقة لا تهم، المهم أن تجد وسيلة تمنعك من العودة قبل الأوان.

ثانياً: امنح نفسك إذناً بالفشل

المسودة الأولى لا يجب أن تكون جيدة، في الحقيقة، معظم المسودات الأولى سيئة، وهذا طبيعي تماماً، همنغواي قال جملته الشهيرة: “المسودة الأولى لأي شيء هي قمامة”، ولم يكن يبالغ.

امنح نفسك إذناً صريحاً بأن تكتب سيئاً، قل لنفسك: “سأكتب أسوأ رواية في التاريخ، لكنني سأنهيها”، هذا الإذن يحررك من قيود الكمالية، يسمح لك بالتقدم حتى عندما تشعر أنّ ما تكتبه لا يستحق، لأنه في هذه المرحلة، الإنهاء أهم من الجودة.

ثالثاً: ركّز على التقدم لا الكمال

ضع لنفسك هدفاً يومياً للكتابة، وركّز على تحقيقه بغض النظر عن الجودة، ألف كلمة في اليوم، خمسمئة كلمة، صفحة واحدة، أياً كان ما يناسبك، المهم أن يكون الهدف متعلقاً بالكمية لا الجودة.

عندما تركّز على التقدم، تجد نفسك تتحرك إلى الأمام، الصفحات تتراكم، الفصول تكتمل، والنهاية تقترب، هذا الشعور بالتقدم يغذي نفسه، يعطيك طاقة للاستمرار، يجعلك تصدق أنك فعلاً ستُنهي هذا العمل.

رابعاً: تذكّر أنّ التعديل حقك المحفوظ

بعض الكتّاب يخافون من الاستمرار لأنهم يظنون أنّ ما كتبوه سيبقى هكذا إلى الأبد، بالتأكيد لا، لن يبقى، ستعود إليه لاحقاً، ستغيّر كل ما تريد تغييره، ستحذف وتضيف وتعيد الهيكلة بالكامل إن لزم الأمر، لكن هذا كله يحدث بعد أن تُنهي المسودة.

فكّر في الأمر هكذا: أنت لا تبني بيتاً نهائياً، أنت تبني نموذجاً أولياً، هذا النموذج سيُهدم ويُعاد بناؤه عدة مرات قبل أن يصبح البيت الحقيقي، لكنك تحتاج النموذج الأول لتعرف ما الذي يعمل وما الذي لا يعمل.

لحظة الإنهاء لحظة سحرية، أتذكر عندما كتبت الكلمة الأخيرة في مسودتي الأولى، جلست أحدّق في الشاشة، غير مصدق، كتاب كامل، بداية ونهاية وكل ما بينهما، لم يكن جيداً، كنت أعرف ذلك، لكنه كان موجوداً، وهذا كان كل شيء.

بعد الإنهاء، تأتي مرحلة جديدة تماماً: مرحلة المراجعة، وهذه المرحلة مختلفة كلياً عن مرحلة الكتابة، في المراجعة، أنت تنظر إلى العمل ككل، ترى الصورة الكاملة، تفهم العلاقات بين الأجزاء المختلفة، في المراجعة، التعديل منطقي لأنك تعرف ما الذي تعدّله، ولماذا.

ستكتشف أنّ الفصول الأولى التي كنت فخوراً بها كانت الأضعف في الرواية، لماذا؟ لأنك كتبتها قبل أن تعرف شخصياتك، قبل أن تفهم القصة التي ترويها، الفصول الأخيرة كانت أفضل بكثير لأنك بحلول ذلك الوقت كنت قد عشت مع الشخصيات، فهمتها، عرفت كيف تتكلم وكيف تفكر.

هذا يعني أنّ كل الوقت الذي قضيته في صقل الفصول الأولى كان مضيعة، الصقل يجب أن يأتي بعد الإنهاء، عندما تكون الصورة الكاملة واضحة.

وأهم شيء تعلّمته من تجربتي هو أن الإنهاء عادة يجب أن تُبنى، مثل أي عادة، تحتاج إلى ممارسة متكررة حتى تصبح جزءاً منك، ابدأ بمشاريع صغيرة، قصة قصيرة، مقالة، نص من ألف كلمة، أنهِه، ثم ابدأ مشروعاً أكبر قليلاً، أنهِه أيضاً، مع كل إنهاء، تصبح عضلة الإنهاء أقوى، ويصبح إنهاء المشاريع الأكبر أسهل.

الكتّاب المحترفون ليسوا بالضرورة أكثر موهبة من غيرهم، لكنهم بالتأكيد أفضل في الإنهاء، يعرفون كيف يدفعون أنفسهم عبر الأجزاء الصعبة، كيف يتجاوزون لحظات الشك، كيف يصلون إلى النهاية حتى عندما يشعرون أنّ كل شيء يتداعى.

في النهاية، الرواية غير المكتملة، مهما كانت فصولها الأولى مصقولة، تبقى مجرد وعد لم يتحقق، بينما الرواية المكتملة، حتى لو كانت مسودتها الأولى سيئة، هي بداية حقيقية، بداية يمكن أن تتحول إلى شيء عظيم.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.