الجاهزية فخ: لماذا لا يبدأ معظم الكُتّاب؟

محمد الصغير

قلتُ له: لماذا لا تكتب؟
أخبرني بأنه غير جاهز للكتابة.
أجبته مبتسماً: رائع… وما فائدة ورشة الكتابة إذاً؟

كنا في ورشة “الكتابة الإبداعية: من الصفر وحتى القصة القصيرة”، حضرها عشرة متدربين، يختلفون في الحماس والجرأة، بعضهم يكتب بنهم، كأنه يطارد حلمه، الذي يُعشش في رأسه منذ زمن بعيد، وآخرون يدوّنون رؤوس أقلام ببرود، وهادئون حدّ الضجر، وفريق ثالث، لا يدوّن أي ملاحظة، مكتفياً بكراسة الورشة، كأنّ الكتابة شأنٌ سيؤجَّل إلى وقتٍ آخر.

في نهاية الورشة اقترب مني أحد هؤلاء من الصنف الأخير، دار بيننا الحديث نفسه: لماذا لا تكتب؟ كما ذكرت سابقاً، أخبرني أنه غير مستعد للكتابة، لم أتعجب، كثيراً ما أصادف هذا النوع من الأشخاص.
لا يمكن تسميته كاتباً بعد، ليس حكماً عليه، بل توصيف لحظة لم يبدأ فيها الكتابة بعد، يشاهدون محاولات زملائهم، ولا يثيرهم بذل جهد بسيط تجاه الكتابة، صدقاً، لا ألومهم، فوظيفتي كمدرّب أن أرشدهم إلى الطريق، وبعدها لهم حرية الاختيار:
إمّا أن يتركوا الخمول جانباً، ويطردوا الأفكار التي لا تجدي، وينطلقوا إلى مضمار الكتابة كفرسان، وإمّا، وهذا ما لا أتمناه، أن يبقوا معلقين في الهواء، ليستيقظوا متأخرين على إدراك مؤلم: أنهم كانوا قادرين على البدء منذ زمن طويل، لكنهم لم يفعلوا.

حسناً، قلت له، ومتى تكون جاهزاً؟

لا أدري، أجاب، وكأنه دخل عالمه المريب الذي يتخفى خلفه.

إن كنت لا تدري، فلماذا لا تسأل؟ هذا يعني أنك بحاجة إلى مساعدة، وأظن أنه يجب عليك أن تتواضع قليلاً، وتسأل لتتعلّم، وهذا لا يُعيبك أبداً.


اقرأ أيضاً
أفضل النصائح للكتابة: 10 نصائح يجب على كل كاتب معرفتها
رحلة الكاتب مع الكتابة اليومية
كيف تبني عقلية الكاتب؟
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
أنهِ مسودتك الأولى، كل شيء آخر يأتي بعد ذلك


فكرة أن تكتب عندما تكون جاهزاً فخّ، ولا أنصح بالاستجابة لها، عندما تأتيك هذه الفكرة، ابتعد قدر ما تستطيع، اهرب بعيداً، لا لأنّ هذه الأفكار ستذوب في الفضاء وتفنى، بل لأنّ هروبك منها إعلان تمرّدٍ: أنك لن ترضخ لها، ولن تستسلم.
وأنك أصبحت مدركاً بما يكفي أنّ الطريق لتصبح الكاتب الذي تحلم أن تكونه يوماً ما قريب جداً، وفي متناول يديك، فقط عليك أن تهرب من الأسلاك الشائكة التي تعيق حركتك، وتنطلق.

لم أسمع في حياتي عن كاتب كان جاهزاً للكتابة عندما بدأ، جميعهم، حتى الكبار منهم، ولجوا بحر الكتابة بتهوّر، نعم، كتبوا نصوصاً ساذجة، وأخرى مرتبكة، وربما فاشلة، لكنهم كتبوا.
ومع أول خيط ضوء، أدركوا الحقيقة: أنّ ما فعلوه كان عين الصواب، وأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا عبر هذا الطريق، ففكرة أن تكون جاهزاً فخّ، وكثيرون ممّن يسقطون في براثنه.

الكتابة لا تنتظر أن تكون جاهزاً، بل تنتظر أن تكون شجاعاً لتبدأ.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.