ما الذي تخشاه حقاً عندما تقول: سأبدأ الكتابة هذا العام؟

أيمن زيدان

“المشكلة ليست في الوقت، ليست في الانشغال، ليست في غياب الإلهام، المشكلة أعمق بكثير، المشكلة هي الخوف.”

في كل عام جديد، يقول الملايين لأنفسهم: “هذه السنة سأبدأ الكتابة”، يكتبون هذا الهدف في دفاترهم، يشترون أقلاماً جديدة ودفاتر أنيقة، يحمّلون تطبيقات الكتابة على هواتفهم، ثم يمر يناير، ويمر فبراير، ويمر العام كله، ولا شيء يحدث.

أعرف هذا الشعور جيداً، لسنوات، كنت واحداً من هؤلاء الملايين، كنت أقول “سأكتب” كما يقول المرء “سأبدأ الرياضة” أو “سأتعلم لغة جديدة”، وعداً جميلاً نعرف في أعماقنا أننا لن نفي به.

لكن مع الوقت، بدأت أفهم شيئاً مهماً: المشكلة ليست في الوقت، ليست في الانشغال، ليست في غياب الإلهام، المشكلة أعمق بكثير، المشكلة هي الخوف.

والسؤال الحقيقي ليس “لماذا لا أكتب؟” بل “ما الذي أخشاه حقاً؟”.

ماذا لو اكتشفت أنني لست موهوباً؟

هذا هو الخوف الأكبر، الوحش الذي يسكن في أعماق كل من يحلم بالكتابة دون أن يكتب.

طالما أنك لم تكتب، تظل الإمكانية مفتوحة، تقول لنفسك: “ربما أكون كاتباً عظيماً، لكنني لم أجرب بعد”، هذا الـ”ربما” مريح، دافئ، آمن، لكن لحظة أن تجلس وتكتب، تواجه الحقيقة، والحقيقة قد تكون مؤلمة.

أتذكر أول نص كتبته بجدية، كنت متحمساً، واثقاً، أشعر بأنّ الكلمات ستتدفق كالنهر، ثم قرأت ما كتبته، كان سيئاً، ومحرجاً، الجُمل متكلفة، الأفكار مبعثرة، الأسلوب وكأنه محاولة تقليد كتّاب آخرين.

في تلك اللحظة، كان أمامي خياران: أن أستسلم وأقول “الكتابة ليست لي”، أو أن أقبل أن البدايات دائماً صعبة، وأنّ الموهبة ليست شيئاً تملكه أو لا تملكه، بل شيء تبنيه بالتدريب والصبر.

اخترت الخيار الثاني، لكنني أفهم تماماً من يختار الأول، فمواجهة ضعفك أصعب بكثير من الاحتفاظ بوهم قوتك.

ماذا لو لم يكن لدي ما أقوله؟

هذا خوف يزورني حتى الآن، بعد سنوات من الكتابة.

تجلس أمام الصفحة الفارغة وتسأل نفسك: ما الذي أملكه أنا لأقوله؟ ما الذي يجعل تجربتي تستحق أن تُروى؟ ملايين الكتب كُتبت قبلي، ملايين القصص رُويت، كل الأفكار قيلت، ما الذي يمكنني إضافته؟

هذا الخوف يبدو منطقياً، لكنه يقوم على مغالطة، المغالطة هي الاعتقاد بأنّ الكتابة تتطلب أفكاراً جديدة تماماً، لم يسبق لأحد أن فكر فيها، والحقيقة مختلفة، الكتابة ليست أن تقول ما لم يقُله أحد، لكن، أن تقوله بصوتك الخاص، لا أحد عاش حياتك، رأى العالم من زاويتك، شعر بمشاعرك بالطريقة التي شعرت بها أنت، هذا وحده يجعل صوتك فريداً.

الكتّاب العظماء لم يخترعوا موضوعات جديدة، الحب، الموت، الخوف، الأمل، الوحدة، الانتماء، كلها موضوعات قديمة قدم الإنسانية، لكن كل كاتب يرى من جانب مختلف، ويروي من زاوية لم يتم اكشافها.

لديك ما تقوله، المشكلة أنك لا تصدق ذلك بعد.

ماذا لو حكم الآخرون علي؟

عندما تكتب، تكشف عن أفكارك، مشاعرك، مخاوفك، رغباتك، تضع جزءاً من روحك على الورقة وتقدمه للعالم، هذا مخيف، ماذا لو قرأ أحدهم ما كتبته وسخر منه؟ ماذا لو اكتشف الناس أنني لست بالعمق الذي يظنونه؟ ماذا لو كشفت الكتابة عن جوانب مني أفضّل إخفاءها؟

هذا الخوف من الحكم يشُل الكثيرين، يجعلهم يكتبون ثم يتراجعون، يبدأون ثم يتوقفون، يحلمون لكن لا يفعلون، أتذكر أول مرة نشرت فيها نصاً، قضيت أياماً أراجعه، أعدّله، أحاول أن أجعله “مثالياً”، ثم نشرته وانتظرت، كل تعليق سلبي كان يؤلمني كطعنة، كل نقد كان يؤكد مخاوفي: لست جيداً بما يكفي.

لكنني تعلّمت شيئاً مهماً مع الوقت: النقد جزء من اللعبة، لا يوجد كاتب في التاريخ أحبه الجميع، حتى أعظم الكتّاب، كما أنّ النقد، حين يكون بنّاءً، هو هدية تساعدك على التطور، الخوف من حكم الآخرين لن يختفي تماماً، لكن، مع ذلك، يمكنك أن تتعلّم كيف تكتب، كيف تنشر، كيف تستمر.

ماذا لو فشلت؟

الفشل كلمة ثقيلة، نربطها بالعار، بالخيبة، بنهاية الطريق، لكن ما معنى الفشل في الكتابة؟ هل هو أن تكتب ولا يُنشر لك؟ أن لا يقرأ أحد أعمالك؟ أن لا يعجب القراء ما تكتب؟

كل هذه “الإخفاقات” حدثت لكتّاب عظماء، رُفضت روايات أصبحت لاحقاً كلاسيكيات، كتّاب ماتوا مغمورين ثم اكتُشفوا بعد عقود، النجاح في الكتابة ليس خطاً مستقيماً، بل طريق متعرج مليء بالمنعطفات.

والحقيقة الأعمق هي أنّ الفشل الوحيد الحقيقي هو ألا تحاول، كل كلمة تكتبها، حتى لو لم تُنشر، هي نجاح، كل محاولة، حتى لو لم تكتمل، هي خطوة، الفشل ليس عكس النجاح، بل جزء من الطريق.

ماذا لو نجحت؟

هذا خوف لا يتحدث عنه كثيرون، لكنه حقيقي وعميق، ماذا لو كتبت ونجحت؟ ماذا لو أحب الناس ما أكتب؟ ماذا لو تغيرت حياتي؟

النجاح يعني المسؤولية، يعني أنّ عليك الاستمرار، أن تكتب المزيد، أن تحافظ على المستوى، يعني أن تصبح شخصاً عاماً، معرضاً للأضواء والانتقادات، يعني أن تتغير علاقتك بالكتابة من فعل حميمي خاص إلى فعل عام له توقعات وضغوط.

الكثيرون يخشون النجاح دون أن يدركوا ذلك، يخربون محاولاتهم بأنفسهم، يتوقفون قبل الوصول، يجدون أعذاراً للانسحاب، لأنّ البقاء في الظل أكثر أماناً من مواجهة الضوء.

ماذا لو تغيرت؟

الكتابة تغيّرك، لا يمكنك أن تكتب بصدق وتبقى كما أنت، عندما تكتب، تُجبَر على مواجهة أفكارك، فحصها، تحديها، تكتشف تناقضات في داخلك، معتقدات لم تفحصها، مشاعر دفنتها، الكتابة حفر في الذات، والحفر قد يكشف عن أشياء لم تكن مستعداً لرؤيتها.

أعرف كتّاباً تغيرت حياتهم بسبب الكتابة، تغيرت علاقاتهم، قناعاتهم، حتى هوياتهم، الكتابة أجبرتهم على الصدق، والصدق له ثمن، هذا التغيير قد يكون مخيفاً، نحن نتمسك بما نعرفه، التغيير يعني المجهول، والمجهول يعني الخوف.

ماذا لو كان الوقت قد فات؟

كلما تأخرت في البدء، كلما أصبح هذا الخوف أكبر، تنظر إلى عمرك وتقول: “كان يجب أن أبدأ قبل عشر سنوات”، تقرأ عن كتّاب نشروا روايتهم الأولى في العشرينات وتشعر بأنّ الفرصة ضاعت، تقارن نفسك بالآخرين وتجد نفسك متأخراً دائماً.

لكن الحقيقة هي أنّ الوقت المناسب للبدء هو الآن، دائماً الآن.

هناك كتّاب بدأوا في الأربعينات والخمسينات والستينات، هناك من نشر روايته الأولى بعد التقاعد، العمر ليس عائقاً، بل قد يكون ميزة، كلما عشت أكثر، كلما امتلكت خبرات أكثر، قصصاً أكثر، فهماً أعمق للحياة، الكتابة تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة لا علاقة لها بالعمر.


اقرأ أيضاً
من الشك إلى الإبداع: كيف تتجاوز عقبات الكتابة وتنطلق بحرية؟
9 نصائح سيئة لا يُدرك الكتّاب الجُدد خطأها
كيف غيّرت الكتابة اليومية حياتي في شهر؟
9 نصائح لتطوير عادة الكتابة اليومية
لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب


كيف نواجه هذه المخاوف؟

لا توجد وصفة سحرية للتغلب على الخوف، لكن هناك بعض الحقائق التي ساعدتني:

المخاوف لا تختفي، حتى بعد سنوات من الكتابة، الفرق أنني تعلّمت كيف أكتب رغماً عنها، لا في غيابها، والشجاعة ليست في غياب الخوف، بل في أن تكتب، كما أنّ البداية لا تحتاج إلى استعداد، لأنك لن تشعر يوماً بأنك “جاهز” للكتابة، الجاهزية وَهْم، ابدأ وأنت غير جاهز، وستصبح جاهزاً بالممارسة.

الكتابة السيئة أفضل من عدم الكتابة، كل كاتب بدأ بنصوص سيئة، لكن الفرق بين من يصبح كاتباً ومن يظل يحلم بالكتابة هو أنّ الأول استمر رغم سوء بداياته، اكتب لأنك تحب الكتابة، لأنها تجعلك تشعر بالحياة، لأنها طريقتك في فهم العالم.

هناك خوف أخير لا نتحدث عنه كثيراً: الخوف من أن نموت دون أن نحاول.

تخيل نفسك بعد عشرين سنة، تنظر إلى الوراء، هل ستندم على النصوص السيئة التي كتبتها، أم على النصوص التي لم تكتبها أبداً؟ هل ستندم على المحاولات الفاشلة، أم على عدم المحاولة؟

أعرف إجابتي، وأظن أنك تعرف إجابتك أيضاً.

لذا، عندما تقول “سأبدأ الكتابة هذا العام”، كن صادقاً مع نفسك، اعترف بمخاوفك، سمّها، واجهها، ثم اجلس واكتب، ليس لأنك تغلّبت على الخوف، بل لأنك قررت ألا تدعه يوقفك.

الكلمة الأولى، مهما كانت متواضعة، هي انتصار، ولهذا ابدأ الآن، وليس غداً، ليس العام القادم… الآن، لا تبقى واقفاً على الشاطئ، تراقب الآخرين يسبحون، بينما أنت لم تبلل قدميك قط.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.