مشروع كاتب: حين لا يكفي الحلم

محمد الصغير

كثيراً ما نعلّق آمالنا على بداية عام جديد، كأنّ الزمن وحده قادر على إنقاذنا، نستعد نفسياً، نشتري نوتة جديدة، نكتب اقتباسات ونلصقها على الجدران، ونُقنع أنفسنا أنّ هذا التغيير المرئي سيُحرّك شيئاً في الداخل، نلتفت فجأة إلى سلوكيات سلبية تسللت إلى حياتنا دون وعي، وجعلتنا نتحرّك كدُمى بلا إدراك، مع كل عام جديد، هناك أشياء كثيرة يمكننا التخلّي عنها، وأهمها وَهْم البداية، فالمطلوب ليس عاماً جديداً، بل وعي جديد يُحرّك المياه الراكدة في عقولنا، قبل أن يصيبها الصدأ ويشلّ حركتها.

أعرفه منذ سنوات طويلة، كان يطمح لأن يصبح كاتباً، كان كثير الكلام عن أحلامه، يريد كتابة رواية، أو كتاب سيرة، يروي به تجاربه في الحياة، المهم، أنه كان يريد، والأفضل أن نقول كان يتمنى، لأنني كلما قابلته، يعيد لي بعض الشذرات هنا وهناك، يتقمص دور الكاتب، -الذي لم يكتب شيئاً- ويدور في فلكه، يتحدث عن مغامراته في الكتابة، والتي لم تصبح حقيقة يوماً ما.

صديقي العزيز هو مشروع كاتب، كان يحلم، وما زال يحلم، عاش هذا الحلم أطول مما يجب، حتى صار كلوحة قديمة علاها الغبار، لأنه لا يفعل شيئاً لأجله، أشجعه باستمرار، لا أتوانى أن أخبره بأنّ أفكاره تسبق عصره -وأنا صادق في تعبيري- كان ألمعياً، لمّاحاً، وصاحب نظرة ثاقبة للأمور، هكذا عرفته منذ سنوات، يوم كنا على مقاعد الدراسة، ومع ذلك، لم يبدأ يوماً كتابة حقيقية، لم أقرأ له شيئاً، هذه هي المصيبة!

قبل يومين، إلتقينا، وسرعان ما بدأ في التحليق بأحلامه، في الحقيقة، ليس هناك غير حلم وحيد وهو أن يصبح كاتباً، وسرعان ما ألقى مفاجأته، أخبرني أنه سيكتب هذا العام، كتابين، شعرتُ بالصدمة، قلت في نفسي، هكذا مرة واحدة، بدَت تعابير وجهي ثابتة، فلم أفكر يوماً في التقليل من قدرته على الكتابة، حاولت تبسيط الأمور لمساعدته على الإنطلاق بثبات، كنتُ أعرف فورة الحماس التي تتلبّسه، ولهذا اقترحت عليه أن يكون هناك ثلاثة شهور كنوع من الإحماء والتدريب، يكتب فيها ما تشتهيه نفسه من أنواع الكتابة الأدبية، وبعدها يضع مخططاً للكتاب الأول، وأن ينسى الثاني حالياً، يكتفي بكتابة الفكرة، ويحفظها حتى يأتي وقتها.

الاحماء والتدريب، ثم الكتابة، أردتُ أن أرى مدى استعداده النفسي لتقبّل مثل هذه الأفكار، الغريب، أنه بقي صامتاً لم يُجبني، كانت عيناه زائغتان، وكأنه غائب عن الوعي، لا أدري إن كان ذهب لعالمه الخاص، ليتحاور مع شخصياته، التي لا أعرفها بالتأكيد، ربما كان الحوار عاصفاً، حتى يصير بهذه الحالة، وبعد دقائق.. نعم دقائق، أخفض رأسه قليلاً، وقال، ماذا تعني؟ حينها راودتني فكرة أنني قد أكون جرحته، فيمكن أن يفهم كلامي أنني أسفّه أحلامه، وقلت في نفسي، ولما لا، فليشعر بهذه النغزات في صدره، علّها تصعد إلى دماغه فتركُله، ليستيقظ، ربما يكون أفضل أن أتبع نظام الصدمة، وأحببت الفكرة.


اقرأ أيضاً
أفضل 5 تقنيات لتحسين كتابة الأدب
أنهِ مسودتك الأولى، كل شيء آخر يأتي بعد ذلك
الجاهزية فخ: لماذا لا يبدأ معظم الكُتّاب؟
الكاتب الملعون: لماذا كان الأدب دائماً فعلاً متمرّداً؟
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
كيف يمكن لـ 60 دقيقة يومياً أن تغيّر حياتك؟


قلت له، أعني أن تُرتب عالمك الداخلي، ليصير واعياً أولاً بما يجب عليك القيام به، ثم تنطلق، في تلك اللحظة، لن يوقفك أحد، لكنك إذا بقيت معلقاً بحبل الأحلام وحده، فلن تصل، حاولت اللعب بمشاعره، قلت له، تعرف مدى حبي لك، فأنت صديقي العزيز، أريدك أن تصبح كاتباً، لأنك تستحق أن تكون، وبجدارة، ينقصك فقط الوعي، أن تعرف بوصلتك، وتحدد أولوياتك، إذا كنتَ تريد أن تصبح كاتباً، إذاً، يجب أن تكتب، خلال السنوات الماضية كنتَ تعيش الحلم، وما زال حلماً، والآن، يجب أن تجعله واقعاً، وكما أخبرتك، أن تبدأ بكتابة يومية خلال الثلاثة أشهر القادمة، الهدف منها أن تُثبِت لنفسك قدرتك على البدء أولاً، وأن تشحذ عضلاتك الكتابية ثانياً، التدريب ثم التدريب، قبل أن تبدأ رحلة الكتابة، التزامك خلال هذه الفترة، وهي فترة قصيرة في عمر الكاتب، ستدفعك للتمرد على نفسك التي تقف حائلاً أمام تقدمك، حينها فقط ستكتب بدون توقف، وحينها فقط يمكنك الذهاب إلى الكتاب الأول الذي تُخطط له، ما رأيك، هل توافقني الرأي؟

عاد صديقي الكاتب لحالته الأولى، عينان زائغتان، وجسد لا حركة فيه، لكنني هذه المرة، أمسكته من كتفيه، وهززته، كمن يوقظ نائماً، أجبني، لا أريدك أن تذهب بعيداً، كان كمن دلق أحدهم على رأسه الماء، استيقظ، قال نعم.. نعم، أنت على حق.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق