دروس الكتابة التي تعلّمتها من العام 2025

محمد البلوشي

في الليلة الأخيرة من العام، جلست أمام شاشة فارغة كعادتي، لكن هذه المرة لم أكن أحاول أن أكتب شيئاً، كنت أتأمل، وأتساءل: ماذا فعلتُ هذا العام؟ ماذا تعلّمت؟ وهل أنا الكاتب نفسه الذي بدأ يناير وهو يظن أنه يعرف شيئاً؟

الإجابة جاءت سريعة ومؤلمة: لا، لستُ هو. ولا أريد أن أكون.

الكتابة الصادقة تؤلم، والكتابة المريحة تموت

قضيت الأشهر الأولى من العام أكتب ما اعتقدت أنّ الناس يريدون قراءته، مقالات، جمل رشيقة، أفكار “آمنة” لا تزعج أحداً ولا تُحرّك ساكناً، كنت أنهي كل نص وأشعر بالرضا -رضا مَن أدّى واجبه المدرسي وسلّمه في موعده.

ثم جاء مارس.

في مارس كتبت نصاً لم أكن أنوي نشره، كتبته في الثالثة فجراً، بعد مكالمة هاتفية صعبة مع شخص أحبه، كتبت عن الخذلان، عن ذلك الشعور حين تدرك أنّ الشخص الذي وثقت به لم يكن يراك كما كنت تراه، لم أنتقِ كلماتي، لم أفكر في “الصورة الكبيرة” أو “الرسالة التي أريد إيصالها”، كتبت فقط.

في الصباح، قرأت ما كتبته وأردت حذفه فوراً، كان خالياً من أي معنى، لكن شيئاً ما في داخلي – ربما الإرهاق، ربما اليأس، ربما الشجاعة العابرة – جعلني أضغط “نشر”.

ما حدث بعدها غيّر فهمي للكتابة تماماً.

لم تكن التعليقات كثيرة، لكنها كانت مختلفة، لم يقل أحد “مقال رائع” أو “أسلوب جميل”، قالوا “شكراً”، “كنت أحتاج أن أقرأ هذا”، “ظننت أنني الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة”، أحدهم أرسل رسالة طويلة يحكي فيها قصته التي تشبه قصتي بشكل مخيف.

فهمت حينها أنّ الكتابة الحقيقية ليست استعراضاً للمهارة أو إثباتاً للذكاء، الكتابة الحقيقية هي أن تجرؤ على أن تكون هشاً أمام غرباء، وأن تثق أنّ هشاشتك هذه ستجد صدى في هشاشتهم، إنها الجروح المشتركة.

منذ ذلك اليوم، صِرت أسأل نفسي قبل كل نص: هل هذا يؤلمني قليلاً؟ إن كانت الإجابة لا، أعرف أنني أكتب بنصف قلب، والكتابة بنصف قلب لا تستحق وقت أحد – لا وقتي ولا وقت القارئ.

توقّف عن محاولة قول شيء مهم

بدا هذا الدرس متناقضاً في البداية، أليس هدف الكتابة أن تقول شيئاً ذا معنى؟ أليست الأفكار الكبيرة هي ما يبقى؟

في الصيف، كنت أعمل على مقال طويل عن “معنى الحياة في عصر التقنية” – نعم، بهذه الفخامة المضحكة، أمضيت أسابيع في البحث والتخطيط والصياغة، كان المقال ممتلئاً بالاقتباسات الذكية والتحليلات العميقة والاستنتاجات الفلسفية، كان أيضاً، كما اكتشفت لاحقاً، مملاً بشكل مذهل.

في الفترة نفسها، كتبت تغريدة عابرة عن كوب القهوة الذي أشربه كل صباح في المقهى نفسه، وعن العامل الذي يحفظ طلبي دون أن أنطقه، وعن ذلك الشعور الصغير بأنّ أحداً ما في هذا العالم “يراك” حتى لو كانت الرؤية مجرد معرفة أنك تحب قهوتك بدون سكر.

التغريدة انتشرت، المقال الفلسفي العظيم لم يقرأه أحد تقريباً.

جلست أفكر: ما الذي حدث؟

الفرق لم يكن في “أهمية” الموضوع، الفرق كان في الصدق، في التغريدة كنت أتحدث عن شيء عِشته، شيء شعرتُ به، لحظة صغيرة لكنها حقيقية، في المقال كنت أحاول أن أبدو مهماً، أن أقول شيئاً “يستحق أن يُقال”، كنت أكتب لأُعجب الناس.

القارئ يشم رائحة التصنّع من أول سطر، حين تحاول أن تكون عميقاً، تصبح سطحياً، حين تحاول أن تكون مهماً، تصبح مملاً، لكن حين تحكي ما تعرفه، ما يشغل بالك في الساعة الثانية فجراً – حتى لو كان كوب قهوة – تصبح فكرتك واقعية.

الكتابة العظيمة لا تبدأ بالسؤال: ما الشيء المهم الذي يجب أن أقوله؟ بل تبدأ بالسؤال: ما الشيء الصغير الذي لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه؟

حين تعترف بأنك لا تملك الإجابات، يصدّقك القارئ، وحين يصدّقك، يُصغي، وحين يُصغي، تستطيع أن تصل إليه.

القارئ لا يريد أن تعلّمه، يريد أن تفهمه

في أكتوبر حضرت ورشة كتابة – افتراضية بالطبع، كما هو حال أغلب حياتنا الآن، المدرّب قال شيئاً علِق في ذهني: “معظم الكتّاب يكتبون بفوقية، والقرّاء يكرهون من يتحدث إليهم بهذه الفوقية.”

لم أفهم تماماً في البداية.

ثم راجعت بعض نصوصي القديمة، كانت مليئة بالـ”يجب” و”علينا” و”من المهم أن”، كنت أكتب وكأنني وصلت إلى مكان ما وأحاول سحب القارئ إليه، كنت أكتب كمعلّم، لا ككاتب.

المشكلة أنّ القارئ لا يقرأ مقالاً ليتلقى محاضرة، لا يريد أحداً يرشده أو يصحح له أو يدلّه على الطريق، القارئ يقرأ مقالاً لأنه يشعر بشيء ما – حيرة، وحدة، فضول، ألم – ويريد أن يجد أحداً آخر يشعر بالشيء نفسه.

الكاتب الجيد لا يقف على المنصة، يجلس بجانبك على الرصيف ويقول: “أنا أيضاً لا أعرف، لكن دعنا نفكر معاً.”

غيّرت طريقة كتابتي بعد ذلك، بدل “يجب أن نتعلم الصبر” صِرت أكتب “لا أعرف كيف أصبر، لكنني أحاول”، وبدل “السعادة تكمن في…” صِرت أكتب “ما زلت أبحث عن ما يجعلني سعيداً، وأظن أنك أيضاً تبحث عن السعادة”، الفرق يبدو صغيراً في الكلمات، لكنه هائل في الأثر.

حين تعترف بأنك لا تملك الإجابات، يصدّقك القارئ، وحين يصدّقك، يُصغي، وحين يُصغي، تستطيع أن تصل إليه.


اقرأ أيضاً
11 نصيحة لتحسين الكتابة: نصائح غيرّت مسيرتي الأدبية
سرّ الكتابة: أنت تكتب لنفسك
10 أسرار لجعل كتابتك أفضل: كيف ترتقي بالكتابة إلى مستوى استثنائي؟
لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب
9 دروس تعلّمتها من الفشل في الكتابة


اكتب النص الذي تحتاجه، لا النص الذي تعتقد أنّ العالم يحتاجه

قضيت سنوات أكتب وعيني على “الجمهور”، ماذا يريد القرّاء؟ ما المواضيع الرائجة؟ ما الذي سيحقق انتشاراً؟ كنت أعامل الكتابة كمعادلة: المحتوى الصحيح + التوقيت الصحيح + المنصة الصحيحة = النجاح.

المعادلة لم تكن خاطئة، لكنها كانت ناقصة.

في نوفمبر مررت بفترة جفاف طويلة، لأسابيع لم أستطع كتابة جملة واحدة أرضى عنها، كل فكرة بدت مستهلكة، كل موضوع بدا مكرراً، كل محاولة انتهت في سلة المهملات.

ذات ليلة، بدل أن أسأل “ماذا يريد القرّاء؟” سألت سؤالاً مختلفاً: “ماذا أريد أنا أن أقرأ؟ ما النص الذي أفتقده؟ ما الكلمات التي كنت أتمنى أن يقولها لي أحد؟”.

الإجابة جاءت واضحة ومفاجئة، كنت أريد أن أقرأ عن الفشل – لا عن “كيف تتغلّب على الفشل” أو “خمس خطوات لتحويل الفشل إلى نجاح”، بل عن الفشل نفسه، عن ذلك الشعور حين تجرّب وتفشل ولا تتعلّم درساً ولا حكمة ولا بصيص ضوء في آخر النفق، كنت أريد أن أقرأ عن أنّ بعض الأشياء لا تتحسن، وأنّ بعض الجروح لا تلتئم.

كتبت ذلك النص، كتبته لنفسي، دون أي توقع بأن يهتم به أحد.

النتيجة؟ كان أكثر نصوصي صدقاً وأكثرها تأثيراً في العام كله.

فهمت أنّ ما ينقصك كقارئ هو غالباً ما ينقص قرّاءً آخرين، حين تكتب النص الذي تحتاجه، تكتب النص الذي يحتاجه كثيرون – لأنّ احتياجاتنا الإنسانية، في العمق، متشابهة بشكل مذهل.

الكتابة الجيدة ليست في ما تقوله، بل في ما تختار ألا تقوله، وتثق أنّ القارئ سيفهم الباقي.

الكتابة ليست ما تضيفه، بل ما تجرؤ على حذفه

في بداية العام، كانت مسوداتي طويلة، مترهلة، مليئة بالاستطرادات والتوضيحات والجمل الاعتراضية، كنت أكتب وكأنني خائف من أن يُساء فهمي، فأشرح كل فكرة من عشر زوايا مختلفة.

صديق كاتب قرأ أحد نصوصي وقال جملة واحدة: “أنت لا تثق بالقارئ.”

غضبت في البداية، ثم فكّرت.

كان محقاً، كل جملة توضيحية زائدة هي رسالة خفية للقارئ: “أنت لن تفهم وحدك، دعني أشرح لك”، كل استطراد هو إهانة صغيرة لذكائه، الكاتب الذي يشرح كثيراً هو كاتب لا يحترم من يقرأ له.

بدأتُ أمارس الحذف كتمرين يومي، أكتب المسودة كاملة، ثم أسأل: ما الذي يمكن إزالته دون أن يتغير المعنى؟ ما الجمل التي أضعها لأطمئن نفسي لا لأفيد القارئ؟ ما الكلمات التي وظيفتها ملء الفراغ لا خلق الأثر؟

الكتابة الجيدة ليست في ما تقوله، بل في ما تختار ألا تقوله، وتثق أنّ القارئ سيفهم الباقي.

لا تنتظر الإلهام، لكن لا تكتب بدونه

يقول كثيرون إنّ الكتابة انضباط، وأنّ عليك أن تكتب يومياً بغض النظر عن حالتك المزاجية، ويقول آخرون إنّ الكتابة فن، وأنّ عليك انتظار اللحظة المناسبة، وفي هذا العام، اكتشفت أنّ كِلا المعسكرين مخطئ… وكلاهما محق.

الانضباط وحده ينتج نصوصاً ميتة، كلمات مصفوفة بلا روح، جمل صحيحة نحوياً لكنها فارغة وجدانياً، وانتظار الإلهام وحده لا ينتج شيئاً على الإطلاق – لأنّ الإلهام نادراً ما يطرق الباب، وحين يطرق لا ينتظر.

الحل الذي وجدته هو هجين: أجلس للكتابة يومياً – هذا الانضباط، أكتب صفحات كاملة ثم أحذفها، أكتب ملاحظات متفرقة، أفكاراً نصف مكتملة، وجملًا يتيمة، كان هدفي البقاء في حالة كتابة.

ثم، حين يأتي الإلهام – وهو يأتي دائماً لمن يكون جاهزاً – أكون مستعداً، والكلمات على طرف اللسان، الكتابة الجيدة تحتاج الاثنين معاً: الحضور اليومي، والانتظار الصبور للحظة التي يشتعل فيها كل شيء.

الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات الأخيرة، أدرك أنّ ما تعلّمته هذا العام ليس “تقنيات” أو “أساليب”، ما تعلّمته هو شيء أبسط وأعمق: الكتابة ليست ما أفعله، بل من أكون، حين أكتب بصدق، أكتشف نفسي، وحين أكتشف نفسي، أكتب بصدق أعمق، دائرة لا تنتهي، كل نص يقودني إلى النص التالي، وكل اكتشاف يفتح باباً لاكتشاف جديد.

لا أدّعي أنني صِرت كاتباً أفضل، ربما صِرت فقط كاتباً أكثر وعياً بما لا يعرفه، وهذا في النهاية، قد يكون أفضل ما يمكن أن تمنحك إياه سنة من الكتابة: أن تدرك كمية الأشياء الجديدة التي تعلّمتها، وأن تجد في ذلك شيئاً يُشبه الأمل.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق