نايُ الروحِ الغريبة: في معنى الشِعرِ وحقيقتِه

جبران خليل جبران

“ليس الشعر رأياً تعبّر عنه، بل هو أنشودة تتصاعد من جرح نازف أو من فم مبتسم”.

تسألونني، أيها الأحبة، ما الذي يعنيه الشعر لي؟ وكأنكم تسألون الغيمة عن سر المطر، أو الزهرة عن سر العطر، أو النهر عن سر جريانه نحو البحر الذي لا يراه ولكن يشعر بندائه في كل قطرة من كيانه، تسألونني عن الشعر، وهو ليس رداءً أرتديه حين يبرد العالم، ولا سيفاً أشهره حين تشتد المعارك، بل هو الدم الذي يجري في عروق ذاكرتي، والهواء الذي إن انقطع عن رئتي اختنقت الكلمات ومات المعنى في مهده.

الشعر، يا رفاق الدرب، ليس كلمات ننظمها كحبات العقد لنزين بها جيد الأيام، ولا هو أصوات نطلقها في الفراغ لنسمع صدى ذواتنا، إنه حالة من الحلول الكلي في الأشياء، ومحاولة يائسة وجريئة للقبض على الجمر المشتعل في قلب الوجود، وتلك اللحظة الخاطفة التي تلمع فيها الحقيقة عارية من كل زيف، فنشهق بالدهشة، ونبكي من فرط الجمال، ونسجد في محراب الكلمة التي صارت جسداً وحلّت بيننا.

منذ كنت طفلاً، كنت أسمع همسات لا يسمعها غيري، كنت أرى في حفيف الأشجار لغةً، وفي خرير الجداول قصائد لم تكتب بعد، كانت الطبيعة هي كتابي الأول، وكانت الريح هي معلمي الأكبر، لم أكن أعلم حينها أنّ ذلك الهمس هو الشعر، وأنّ تلك الارتعاشات التي تسري في جسدي حين أرى القمر يغسل وجه الليل بالفضة هي مخاض القصيدة، كنت أظن أنّ العالم كله يشعر بما أشعر به، حتى أدركت أنّ الشاعر هو ذلك المنفي داخل روحه، الذي يحمل عبء الرؤية بينما ينام الآخرون ملء جفونهم.

الشعر عندي هو الجرح والناي معاً، هو الألم الذي يصرخ، والموسيقى التي تحول الصراخ إلى غناء، ألم تروا القصب كيف يُثقب ويُفرغ من جوفه ليصير ناياً؟ هكذا هو الشاعر، يجب أن يفرغ ذاته من ضجيج الأنا، ومن رغبات الطين، ومن زحام العالم، ليصير قصبة جوفاء يمر عبرها نَفَسُ الروح الكونية، فيخرج لحناً شجياً يبكي ويُبكي، ويفرح ويُفرح.

إنه صلاة. نعم، الشعر صلاة من نوع خاص، صلاة تراها في دمعة اليتيم، وفي ابتسامة العاشق، وفي وجع الأرض، حين أكتب، فإنني أصلي، أغسل روحي بماء الكلمات، وأتطهر من درن الحياة اليومية، وأرتقي سلم المعنى لأصل إلى سماء الصفاء، في تلك اللحظة، لا أعود أنا، بل أصير صوتاً للذين لا صوت لهم، وصدى للأنين المكتوم في صدور المتعبين.

والشعر هو مرآة مصقولة بدمع العيون الساهرة، تعكس أرواحنا الخالدة، حين ننظر في قصيدة حقيقية، لا نرى الشاعر، بل نرى أنفسنا، نرى مخاوفنا التي لم نجرؤ على البوح بها، وأحلامنا التي وأدناها في مهدها، وعشاقنا الذين رحلوا، وأوطاننا التي ضاعت، الشعر يكشفنا أمام ذواتنا، يعرينا من أقنعة الزيف الاجتماعي، ويقول لنا: “هذا أنت، بكل هشاشتك، وبكل قوتك، وبكل قبحك، وبكل جمالك”.

وكيف تأتي القصيدة؟ آه، لو تعلمون! إنها لا تأتي طائعة مختارة، ولا تأتي حين نناديها، بل تأتي كالسارق في الليل، تقتحم عزلتنا، وتوقظنا من سباتنا، وتأمرنا أن نكتب، تأتي كعاصفة تقتلع سكوننا، أو كنسيم يداعب وجنتنا، أو كجمرة تحرق أصابعنا.

أحياناً، تأتي القصيدة كبرق خاطف، ومضة من النور تشق عتمة الروح، فأرى العالم بوضوح لم أعهده من قبل، تتكشف الحقائق، وتتآلف المتناقضات، ويصير البعيد قريباً، والغريب حبيباً، في تلك اللحظة، يجب أن أمسك بالقلم، كمن يمسك بشعلة نار، وأدوّن ما رأيت قبل أن ينطفيء البرق ويعود الظلام ليسدل ستائره، إنها لحظة خطرة، لحظة وقوف على حافة الهاوية، حيث يفصل بين الجنون والعبقرية خيط رفيع من الكلمات.

وأحياناً أخرى، تأتي القصيدة كهمسٍ خافت، كدبيب النمل على الصخر، صوت بعيد يناديني من أعماق الذاكرة، أو من خلف تخوم المستقبل، صوت يقول لي: “اكتبني، حررني، أعطني جسداً من لغة لأعيش”. فأظل أطارده، وأحاول أن أصطاد المعنى من بحر الصمت، وأنسج له ثوباً من الحروف يليق ببهائه، قد يستغرق الأمر ليلة، أو شهراً، أو عاماً، فالقصيدة كائن حي، ينمو في رحم الروح، ويتغذى من دم القلب، ولا يخرج إلى النور إلا حين يكتمل تكوينه.


اقرأ أيضاً
حينما لا أكتبُني
أُمنيةُ صباحٍ هادئ
البحر
عن المتنبي.. تمضي الرياح بما لا تشتهي السفن
أجنحة الوقت


وما الشعر إلا ابن الصمت البار، وعدوه اللدود في آن واحد، فمن رحم الصمت تولد الكلمات، وإلى بحر الصمت تعود لتغرق، قبل أن أكتب الحرف الأول، ثمة صمت عظيم، صمت مريب، صمت يضج بالاحتمالات، في هذا الصمت، أسمع دقات قلب الكون، وأصغي إلى حكمة الأجداد، وأستقبل رسائل النجوم.

اللغة، مهما اتسعت، تظل قاصرة، الكلمات، مهما تعالت، تظل ظلالاً باهتة للحقيقة، الشعر هو محاولة يائسة لقول ما لا يُقال، ولرسم ما لا يُرسم، ولعزف ما لا يُعزف، نحن الشعراء، محكومون بالنقصان، لأننا نحاول أن نعبئ البحر في كأس، وأن نحبس الريح في قفص، وأن نختصر الأبدية في لحظة، ومع ذلك، نستمر في المحاولة، لأنّ في المحاولة وحدها تكمن نجاة الروح من العدم.

بين الكلمة والكلمة يسكن الصمت، وفي هذا الفراغ الأبيض يكمن المعنى الحقيقي، الشعر ليس ما نكتبه، بل ما نتركه غير مكتوب، هو المساحات البيضاء التي نتركها للقارئ ليكملها بخياله، وليملأها بتجاربه، الشعر هو جسر ممدود بين صمتي وصمتك، بين عزلتي وعزلتك، عليه تلتقي أرواحنا وتتعانق دون حاجة إلى شرح أو تفسير.

يظن البعض أنّ الشعر وسيلة للشهرة، أو سلم للصعود إلى منابر الأضواء، أو بضاعة تروج في أسواق المديح، بئس الشعر إذا كان كذلك، وبئس الشاعر إذا ارتضى لنفسه أن يكون بائع كلمات في سوق النخاسة، الشعر الذي يُكتب من أجل التصفيق يولد ميتاً، ويذروه الهواء كما تذرو الرياح الغبار.

أكتب للنجاة، لأنني لو لم أكتب لانفجرت كقنبلة موقوتة، أو لجففت كغصن مقطوع، أو لتحجّرت كصخرة في وادٍ مهجور، الشعر هو خشبة الخلاص في طوفان الحياة، هو رئة إضافية أتنفس بها حين يضيق الهواء، هو جناحان أحلّق بهما حين تشتد الجاذبية وتشدني إلى الطين، لا يهمني إن قرأ قصيدتي ألف شخص أو لم يقرأها أحد، ما يهمني هو أنني كنت صادقاً مع نفسي، وأنني أديت الأمانة، وأنني لم أخن وجعي، ولم أبع دمعتي بثمن بخس.

الشهرة وهم، والخلود وهم آخر إذا كان المقصود به خلود الاسم محفوراً على الحجر، الخلود الحقيقي هو أن تلامس روحك روحاً أخرى عبر الزمان والمكان، أن تصبح كلماتك خبزاً للجياع إلى الجمال، وماءً للعطاش إلى الحب، ودواءً للمجروحين من قسوة الأيام، إذا استطاعت قصيدة واحدة من قصائدي أن تمسح دمعة، أو أن تزرع بسمة، أو أن توقد شمعة في ليل يائس، فهذا هو مجدي، وهذا هو خلودي.

والشعر هو ابني البكر، الغابة هي مسجدي، والأشجار هم العبّاد الواقفون في خشوع دائم، النهر هو الشريان الذي يربطني بقلب الأرض، والريح هي الرسول الذي يحمل إليّ أنباء الغيب، لا يمكن لشاعر أن يكون شاعراً إذا لم يعشق الأرض التي يمشي عليها، والسماء التي تُظله، من الطبيعة نستمد صورنا، ومن إيقاع الفصول نستمد أوزاننا، ومن ألوان الغروب والشروق نستمد قوافينا.

والشعر هو أيضاً ابن المنفى، ليس المنفى الجغرافي فحسب، بل المنفى الداخلي الأشد وطأة، الشاعر غريب في عالمه، غريب بين أهله، غريب حتى عن نفسه، هو يحمل وطناً في قلبه لا وجود له على الخريطة، ويبحث عن زمن لم يأتِ بعد، هذه الغربة هي وقود الشعر، وهذا الحنين الجارف إلى “مكان ما” هو الذي يفجر ينبوع الإبداع، الشعر هو محاولة لبناء وطن من كلمات، ولتأثيث بيت من أحلام، نأوي إليه حين تضيق بنا الأرض بما رحبت.

واللغة هي بيتي، حين يخذلني البشر، وحين تغلق الأبواب في وجهي، وحين تُظلم الدنيا، أعود إلى اللغة، أفتح باب الحروف، وأدخل إلى رحابة المعنى، هناك، أجد الحرية التي لا يحُدها سجان، وأجد الحب الذي لا يشوبه غدر، وأجد الجمال الذي لا يُذبله زمن، في اللغة، أنا ملك متوّج على عرش الخيال، وأنا طفل يلعب بكرات من نور، وأنا طائر يجوب الآفاق بلا قيد.

وهل الشعر إلا نشيد الحب الأبدي؟ الحب الذي لا يعرف القيود، ولا يعترف بالفوارق، ولا يخضع لقوانين البشر، الشعر هو لغة العشاق، وبريد القلوب، وترجمان الأشواق، حين أحب، أصير شاعراً بالفطرة، وحين أكتب شعراً، أصير عاشقاً للوجود كله، لا يمكن لقلب خالٍ من الحب أن ينتج شعراً حياً، فالقصيدة التي لا تنبض بالحب هي جثة هامدة، مزينة بأكفان البلاغة، لكنها تفتقد روح الحياة.

ومع الحب، يأتي الموت، ذلك الضيف الثقيل الذي لا مفر منه، الشعر هو محاولتنا لقهر الموت، وللانتصار على الفناء، نكتب لكي لا نموت تماماً، نكتب لكي نترك أثراً يدل علينا بعد رحيلنا، كل قصيدة هي صرخة احتجاج ضد العدم، وهي محاولة لتثبيت لحظة هاربة في سجل الخلود، الشاعر يرقص مع الموت رقصة التانغو الأخيرة، يغازله، ويتحداه، ويهزمه بالجمال، الموت يأخذ الجسد، لكن الشعر يحفظ الروح في زجاجة عطر لا تبددها الأيام.

وها أنا ذا، أقف أمامكم وأمام نفسي، عارياً إلا من صدقي، فقيراً إلا من أحلامي، وحيداً إلا من قصائدي، أقطع عهداً على نفسي، عهداً لا ينقضه زمن ولا يبدله حال: سأظل أميناً للشعر ما حييت، سأحمل جمرته في كفي، وسأعزف على ناي الروح.

سأظل صوت الجمال في عالم يزداد قبحاً، وصوت الحق في عالم يضج بالكذب، وصوت الحب في عالم تمزقه الكراهية، سأكتب للأطفال الذين لم يولدوا بعد، وللعشاق الذين لم يلتقوا بعد، وللأزهار التي لم تتفتح بعد.

يا شعري، يا رفيقي في الوحشة، ويا دليلي في التيه، ويا عكازي في الشيخوخة، كن لي نوراً ولا تكن عليّ ناراً، خذ بيدي إلى ضفاف الطمأنينة، وامسح بيدك الحانية على جراحي، وإذا حانت ساعة الرحيل، وجف الحبر، وسقط القلم، فلتكن كلماتي الأخيرة قصيدة حب لهذا العالم الذي رغم قسوته، منحني شرف التجربة، ونعمة الألم، ومجد الكلمة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق