عبدالباسط شمسان
هناك سؤالٌ يطرق باب الوعي كلّما فتحتَ كتاباً جديداً، أو مرّت أمامك توصيةٌ سريعة على شاشةٍ زرقاء: من الذي قرّر أن هذا النصّ يستحق أن يصل إليّ؟ من الذي رتّب طابور العناوين في واجهة المكتبة، ورفع كتاباً إلى مستوى “الأكثر مبيعاً”، وخفّض آخر إلى رفٍّ سفليٍّ لا يراه أحد؟ بل من الذي أقنعني – بدهاءٍ صامت – أنّ “القراءة” ليست فعلَ اختيارٍ حرٍّ تماماً، بل نتاجُ شبكةٍ من الأيدي الخفية التي تدفعني من كتفٍ إلى كتف، حتى أصل إلى صفحةٍ بعينها وأظنّ أنّني وصلت وحدي؟
قد يبدو السؤال فلسفياً في مظهره، لكنّه يوميٌّ في جوهره. لأنّنا لا نقرأ في فراغ؛ نقرأ داخل مدينةٍ مليئة باللافتات، وإشارات المرور، والعناوين المضيئة، والهمسات المتناقلة: “اقرأ هذا… لا وقت لذاك… هذا مهمّ… ذاك ترف”. وبينما نتصوّر أنّ القراءة رحلةٌ فردية، فإنّ طريقها مرسومٌ جزئياً على يد مؤسساتٍ، وأسواقٍ، وعاداتٍ، وأذواقٍ جماعية، وأحياناً على يد خوفٍ داخليٍّ من فوات ما يتداوله الآخرون.
لنبدأ من الحقيقة المريحة: نحن نملك حقّ الاختيار. كلّ قارئٍ يحمل في داخله بوصلةً صغيرة، تقول له: هذا يروق لك، وهذا ينفّرك، وهذا يشبهك، وهذا يُثريك. غير أنّ هذه البوصلة لا تعمل وحدها؛ إنّها تتأثّر بالمناخ العام. في طفولتنا، كان “من يقرّر ما يجب أن نقرأ” غالباً شخصاً واحداً: الأب، الأم، المعلّم، أو مكتبة المدرسة. كانت القرارات واضحة: كتب مقرّرة، قصص مسموح بها، وأخرى “غير مناسبة”. لكن حين نكبر، لا تختفي الرقابة؛ فقط تتبدّل ملابسها. تتخفّى في عروضٍ ترويجية، وفي قوائم “الأفضل”، وفي هاشتاغاتٍ جذّابة، وفي خوارزمياتٍ تعرف عن مزاجنا أكثر مما نعرف.
القارئ – إذن – ليس ملكاً مطلقاً، بل ملكٌ دستوري: يحكم ضمن قيودٍ غير مكتوبة، تشبه تلك القيود التي تفرضها المدينة على ساكنيها دون أن تضعها في نشرةٍ رسمية.
والمدرسة هي أول مصنعٍ اجتماعيٍّ للقرّاء. لكنّها قد تكون أيضاً أول مصنعٍ للنفور من القراءة. عندما تتحوّل الكتب إلى واجباتٍ، والقصائد إلى أسئلة اختيارٍ من متعدد، والروايات إلى ملخّصاتٍ تحذف الروح وتُبقي العظام، فإنّ السؤال يتغيّر: بدل أن نسأل “من يقرر ما يجب أن نقرأ؟” نسأل “لماذا يقررون أن نقرأ بطريقةٍ لا نحبّها؟”
في كثيرٍ من التجارب التعليمية، تُقدَّم القراءة بوصفها سلّماً للنجاح لا بوصفها نافذةً للحياة. تُختار نصوص “معتبرة” لأنّها تُعدّ صالحة لتربية الذائقة، لكنّها تُقدّم بطريقةٍ تصنع حاجزاً لا جسراً. وهكذا يخرج القارئ من الصفّ وهو يربط بين الكتاب والاختبار، بين الصفحة والعقوبة، بين المتعة والذنب.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار فضل المدرسة: فهي التي تعلّمنا الأبجدية التي تفتح الأبواب. لكن المشكلة ليست في أن تختار المدرسة نصوصاً، بل في أن تظنّ أنّ اختيارها هو الحقيقة الوحيدة، وأنّ القارئ يجب أن يتطابق مع المنهج، لا أن يتّسع المنهج للقارئ.
في السوق، لا تسأل الكتب: “هل سأُقرأ؟” بل تسأل: “هل سأبيع؟” هنا يتقدّم سؤالٌ أشدّ برودة: من يقرر ما يجب أن نقرأ؟ قد يجيب السوق: “الطلب”. لكنّ الطلب ذاته يُصنع، ويُهندس، ويُغذّى.
الناشر يملك مفاتيح البوابة الأولى: أيّ مخطوطةٍ تتحوّل إلى كتاب. والموزّع يملك مفاتيح البوابة الثانية: أيّ كتابٍ يصل إلى المدن والواجهات. والمكتبة تملك مفاتيح البوابة الثالثة: أيّ عنوانٍ يُعرض في المقدّمة وأيّ عنوانٍ يُترك للصدفة. ثم تأتي الدعاية، لتصنع “الهالة”: الغلاف، والاقتباس على الغلاف الخلفي، والجملة السحرية: “رواية العام”.
ليس في هذا شرٌّ مطلق. السوق يضمن انتشاراً، ويضمن لقمة عيشٍ لصنّاع الكتب. لكنه يضع القراءة داخل منطقٍ قاسٍ: ما لا يربح قد لا يُطبع، وما لا يُسوَّق قد لا يُرى، وما لا يُرى قد لا يُقرأ. وهكذا تُهمَّش كتبٌ عظيمة لأنّها لا تلائم مزاج اللحظة، وتُرفع كتبٌ عادية لأنّها أتقنت فنّ الظهور.
ثمّة طبقةٌ أخرى من “مقرري القراءة”: النقّاد، والجوائز الأدبية، واللجان الثقافية. بعضهم يملك عيناً حقيقية تلتقط القيمة قبل أن يلتقطها السوق، وبعضهم – كأيّ مؤسسة بشرية – قد تحكمه علاقاتٌ وتحيّزاتٌ وموضاتٌ فكرية.
الجوائز تصنع خرائط جديدة: فجأةً تصبح روايةٌ مجهولة “واجب القراءة”، لا لأنّ القارئ اختارها من تلقاء نفسه، بل لأنّ ملصقاً صغيراً على الغلاف يقول: “الفائزة”. هذا الملصق ليس ورقةً فقط؛ إنه جواز سفرٍ يعبر بالكتاب الحدود.
لكن علينا أن نعترف: النقد الجادّ ينقذنا أحياناً من غرقٍ في العناوين المتشابهة. يعلّمنا أن نسأل عن اللغة لا عن الضجيج، وعن الفكرة لا عن التريند. المشكلة تبدأ حين يتحوّل النقد إلى شرطيٍّ للمتعة: حين يُشعرك أنّ ما تحبّه “غير راقٍ”، وأنّ ما لا تفهمه يجب أن تحبه كي لا تُتّهم بالسطحية.
في كلّ مجتمعٍ صغير – عائلة، أصدقاء، زملاء – تتشكل قائمة غير رسمية لما “ينبغي” قراءته. قد يأتيك كتابٌ كهديةٍ لأنّ شخصاً يحبّك ويظنّ أنّه يناسبك، وقد يأتيك اقتراحٌ حادّ: “إذا لم تقرأ هذا فأنت متأخر”. هنا تلعب القراءة دوراً اجتماعياً: تصبح علامة انتماء، أو بطاقة عبور إلى نقاشاتٍ معيّنة.
ومع وسائل التواصل، صار ضغط المجتمع أسرع وأقسى: صور الكتب، تحديات القراءة، اقتباسات منتزعة من سياقها، ومنافسة غير معلنة حول “من قرأ أكثر”. حتى القارئ الهادئ قد يجد نفسه في هذه الفوضى.
لكن الجانب الجميل أنّ المجتمع قد يكون رحيماً: صديقٌ يفتح لك باب شاعرٍ لم تكن تعرفه، أو نادٍ للقراءة يحوّل الكتاب إلى لقاءٍ حيّ، أو معلمٌ يهمس: “اقرأ هذا فقط لأنك ستستمتع”.
في زمننا، دخل لاعبٌ جديدٌ لا يحمل صفة “أستاذ” ولا “ناشر” ولا “ناقد”: الخوارزمية. إنها ليست شخصاً، لكنها تتصرف كأنها يدٌ خفية تنظّم رفوف العالم أمامك. ما تقرأه اليوم يقرر ما سيُعرض عليك غداً، وما تتوقف عنده لثوانٍ يقرر ما سيلاحقك في إعلاناتٍ ومقترحات.
الخوارزميات لا تهتمّ بما يثري عقلك، بل بما يحافظ عليك متصلاً. هي تقيس الانتباه لا العمق، وتقترح عليك ما يشبهك أكثر مما يقوّضك. ومع الوقت، قد تجد نفسك داخل فقاعة قرائية: نفس الموضوعات، نفس النبرة، نفس الأفكار المألوفة. ليست المشكلة أن تقرأ ما تحب؛ المشكلة أن تُحرم من مفاجأة المختلف.
ومع ذلك، يمكن للخوارزميات أن تكون مفيدة: فهي قد تقودك إلى كاتبٍ مغمور، أو كتابٍ قديم خرج من الظل، أو مقالةٍ لم تكن لتصل إليها عبر الطرق التقليدية. كلّ شيء يتوقف على وعي القارئ: هل يقودك الاقتراح أم تقوده أنت؟
هناك أيضاً من يقرر ما يجب ألا نقرأه. الرقابة ليست دائماً قانوناً صارماً؛ أحياناً هي خوفٌ اجتماعي، أو حساسيةٌ دينية، أو خطوطٌ حمراء تتبدّل من مكانٍ لآخر. قد يُمنع كتابٌ رسمياً، وقد يُمنع ضمنياً عبر التشويه، أو التخويف، أو الوصم.
الأخطر من الرقابة الخارجية هو الرقابة الداخلية: حين يتكوّن داخلنا شرطي صغير يقول: “لا تقترب من هذا، سيفسد صورتك”، أو “هذا يزعزع يقينك”، أو “هذه أفكارٌ لا تليق بك”. كثيرون لا يُحرمون من القراءة بالقوانين، بل يُحرمون منها بالخجل.
والغريب أنّ المنع يمنح الكتاب حياةً إضافية؛ يصبح ثمرة محرّمة، ويُقرأ أحياناً بدافع التحدي لا بدافع المعنى. وكأنّ من يقرر ما يجب أن نقرأ، حين يمنع، يوقظ فضولاً كان نائماً.
وقد يظنّ البعض أنّ الكاتب خارج اللعبة، لكنّه في قلبها. الكاتب يكتب بنيةٍ معينة: يختار لغته، وحجمه، وموضوعه، وغلافه إن استطاع، وزمن صدوره. بعض الكتاب يكتبون ليرضوا المؤسسات، وبعضهم يكتبون ليرضوا السوق، وبعضهم يكتبون ليكسروا الاثنين معاً.
وهنا مفارقة موجعة: الكاتب الذي يكتب بحريةٍ تامة قد لا يُقرأ، والكاتب الذي يكتب وفق الطلب قد يُقرأ كثيراً لكنّه قد يخسر جزءاً من صدقه. ليست معادلة ثابتة، لكنها توترٌ دائم بين الفنّ والانتشار.
اقرأ أيضاً
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
بين الكاتب والقارئ: من يملك النص؟
أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة
من الصفر حتى القراءة: 6 خطوات لتطوير عادة القراءة
قراءة نجيب محفوظ ككاتب يبحث عن الحرفة والإنسان
وإذا بحثنا عن “مقرّر القراءة” الواحد فلن نجده. القرار موزّعٌ بين جهاتٍ كثيرة:
• الأسرة والمدرسة تصنعان البداية: كيف ننظر إلى الكتاب، وهل نرتاح له أو نخافه.
• السوق يقرر ما يُطبع ويُوزّع ويُبرز.
• النقد والجوائز يقرران ما يُمنح شرعية “القيمة”.
• المجتمع يقرّر ما يصبح موضوع حديث.
• الخوارزميات تقرر ما يصل إلى عينك في كلّ لحظة.
• الرقابة تقرر ما يغيب أو يتخفّى.
• وأنت – مهما تضاءلت قوتك – تقرر في النهاية ما يدخل إلى داخلك.
لكن لعلّ السؤال الأصدق ليس “من يقرر؟” بل: كيف أستعيد نصيبي من القرار؟
بالطبع، لا يعني الوعي بهذه القوى أن نهجر القراءة أو نتشكك في كلّ توصية. بل يعني أن نقرأ بوعيٍ مزدوج: وعي بالكتاب، ووعي بالطريق الذي جاء منه.
1. اصنع منطقة عمياء للخوارزمية: اقرأ شيئاً خارج اقتراحاتها عمداً. اختر كتاباً لا يشبه تاريخك القرائي. فاجئ نفسك كي لا تتحوّل إلى نسخةٍ مكررة.
2. وازن بين “الشهير” و”المجهول”: اقرأ كتاباً رائجاً لتفهم الناس، واقرأ كتاباً مغموراً لتفهم نفسك. لا تجعل الرفّ الأمامي هو مصيرك الوحيد.
3. حوّل القراءة من سباق إلى عادة: ليس مهماً كم قرأت، بل ماذا صنع فيك ما قرأت. بعض الكتب تُقرأ ببطء لأنها تريد أن تعيش فيك، لا أن تمرّ سريعاً.
4. دع الذائقة تتعلم دون أن تُجلد نفسها: ليس عليك أن تكره ما تحبه كي تصبح “مثقفاً”. الذائقة تنمو بالمراكمة لا بالإهانة.
5. اسأل دائماً: لماذا أقرأ هذا الآن؟ لأنني أحتاجه؟ لأنّ الجميع يتحدث عنه؟ لأنني أخاف أن يفوتني؟ مجرّد السؤال يخفّف من سطوة الإملاء.
في النهاية، قد لا نستطيع أن نعرف على وجه الدقة من يقرر ما يجب أن نقرأ، لأنّ القرار ليس قراراً واحداً. إنه تيارٌ من الدوافع والتأثيرات. لكنّنا نستطيع أن نفعل شيئاً أعمق: أن نعيد تعريف القراءة نفسها.
القراءة ليست امتثالاً لقائمةٍ جاهزة، ولا تقليداً لأبطالٍ على الإنترنت، ولا استهلاكاً لمنتجٍ ثقافيّ. القراءة – حين تكون حيّة – هي فعلُ مقاومةٍ لطيف: مقاومة للسطح، وللعجلة، وللقطيع، وللنسيان. هي مساحة سرّية يلتقي فيها الإنسان بنفسه، ويختبر العالم من زوايا أخرى.
وحين تسأل: “من يقرر ما يجب أن نقرأ؟” فأنت لا تبحث فقط عن قرارٍ خارجي، بل تعلن قرارك الداخلي: أن تكون شريكاً في بناء عقلك، لا مستأجراً فيه. وأن تجعل الكتاب باباً تختاره، لا باباً يُدفع بك إليه.



أضف تعليق