شيرين فكري عثمان
لا أدري لماذا، كلما أمسكتُ بالقلم، تعجزُ الكلماتُ أن تنثرَ كلَّ ما يكمنُ في صدري ويعجُّ بعقلي تجاه المرأة، فهذا ليس تحيزاً لكوني من جنسها، وإنما تعظيماً وإجلالاً لدورِ كلِّ امرأةٍ قبل أن تنعم بشعورها كأم… كلماتٌ تعجز أن تترجم آلاف التضحيات. فكلُّ امرأةٍ بداخلها ألفُ قصةٍ وحكاية، وكلُّ حكايةٍ وراءها ألفُ دمعةٍ وضحكة، وكلُّ ضحكةٍ وراءها ألفُ قعدةٍ وحضنٍ دافئ، وكلُّ حضنٍ وراءه ألفُ معنىً ومعنى، لنعمةٍ كبيرةٍ وصوتٍ في الحياة، لا يُقدَّر بثمنٍ، قد يصعبُ تكراره أو تعويضه. إنها حقيقةٌ لا يمكنُ إنكارها، حيث منحها الله أجملَ هبةٍ في الكون، وهي صفة الأمومة، كما كرّمها حين خصص لها سورةً باسمها، وهي سورة “النساء”، وبالإضافة إلى أمره بحسن معاملتها وعدم إهانتها في قول الله تعالى: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً”… وكذلك استوصى بها رسولنا الكريم في خطبة حجة الوداع بقوله: “استوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله”
وما بين شتاءٍ مغادرٍ وربيعٍ آتٍ، ها هو يأتي شهر مارس لتعلن معه ذاكرتي عن أشواقي وحنيني إلى أحاسيسٍ جياشة تجاه مَن كانت موطناً للراحة والسعادة، وما زال أثرها ملجأً للأرواح التي جرحتها الحياة، تجاه مَن شاركت وكافحت كثيراً لينعم الآخرون بالسكينة والاستقرار. دائماً ما كنتُ أرى المرأة شامخةً كالجبال الشاهقة، مهما عصفت بها العواصف والرياح العاتية بما لا تشتهي، فكنتُ أتساءل، جاهلةً حائرةً، عن عدم شكواها يوماً أمام أي كبوةٍ ومحنةٍ في الحياة، وكيف تظلُّ صامدةً هكذا لكلِّ مَن يراها باسمة الوجه، وهي تترنح من ثقلها وشدتها عليها. إنها غريزة الصبر والتحدي والأمل، منحها الله إياها لتكون مثل “العشب الناعم ينحني أمام النسيم، ولكنه لا ينكسر بالعاصفة”، كما قالت الكاتبة هيلين كيلر.
فقد جاء شهر الأم والمرأة – التي ناضلت عبر حياتها لتصنع جيلاً قادراً على صنع التاريخ – ليعلن تقديراً واعتزازاً تجاه مَن منحت الحياة لكثيرٍ مثلي، فخري وحبي وامتناني تجاه مَن صنعت ذكرياتي، فرائحتها ما زالت عالقةً في ثنايا روحي، تلاحقني عاماً بعد عام، كلما كبرتُ لأيامٍ مضت ولن تعود. ذكرياتٌ جعلت قلبي يخفق طرباً، وابتسامةُ رضا أطلّت على شفتي، حتى أجد نفسي متسائلة: أهذا قلبي أم أصبح خزانةً للذكريات، حينما احتفظتُ بعالمي كله فيه معها؟
دائماً ما يحتفل العالم بالمرأة طوال شهر مارس، تقديراً وتأكيداً على أهميةِ دورها في تنمية وتقدّم الشعوب، ولعطائها لأسرتها وأبنائها على وجه التحديد دون مقابل، بدءاً باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، ومروراً بيومِ المرأة المصرية في السادس عشر، وإلى الاحتفال بعيدِ الأم في الحادي والعشرين من ذات الشهر، لتكريم النصف الأجمل في المجتمع والاعتراف بدورهن ومساهماتهن في مختلف نواحي الحياة. هكذا عبّر الأديب العالمي نجيب محفوظ عن المرأة وقدرتها في المجتمع، ودورها الفعّال في حياة البشرية: “المستهين بقدرات النساء أتمنى أن تُعاد طفولته من غير أم”، ولهذا فالأم التي تبني الأمة هي في الأساس امرأة، فهي المخلوق الرائع الذي جعل الله بأن تُزهر حدائق الجنة تحت أقدامها، هي أمي وأختي وابنتي وصديقتي وأنا، وكلُّ من كانت هي، فمن غير المرأة لا مجتمع.
والسؤال هنا: هل حقاً تستحق نساء العالم تخصيص أيامٍ للاحتفاء بهن وبإنجازاتهن بعد مسيرة طويلة خُضنَها دفاعاً عن حقوقهن في الحياة؟ فلا أؤمن أن يكون هناك يومٌ للاحتفال بالمرأة وبإنجازاتها، أو يومٌ للاحتفاء بالأم وبعطائها. فالمرأة هي العالم بأكمله، فليست بحاجةٍ إلى يومٍ ليتم تكريمها على شيءٍ تفعله بكل حبٍ دون مقابل، وإنما هي بحاجةٍ إلى اعتراف الرجل والمجتمع ككلٍ بقيمتها وبقدرتها التي لا يُستهان بها.
فقد كرّم الله المرأة مع نشأة هذا الكون، عندما خلقها من ضلع آدم لتكون بجانبه، تحت كتفه لتكون بحمايته، ومن جهة قلبه لتكون محبوبته. ورغم ما كانت تعاني منه المرأة من اضطهادٍ وقهر منذ عصور الجاهلية وحتى الآن من قِبل البعض، ورغم ما وصلت إليه من تقدّم في جميع المجالات، فقد زرع الخالق في قلبها منذ نعومة أظافرها ينبوعاً من الحب والرحمة والعطف والتضحية من أجل الجميع، مهما كانت الظروف المحيطة بها. منذ قديم الأزل، والمرأة تحارب وتحاول أن تثبت نفسها في كل المجالات، مهما كانت الصعوبات والتحديات والإخفاقات، لأنها لا تختلف عن الرجل في أي شيء سوى تاء التأنيث. وكما قالت رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، أو “المرأة الحديدية” كما أُطلق عليها: “إذا أردت شيئاً فاسأل الرجل، وإذا أردت تنفيذ هذا الشيء فاسأل المرأة”، ولهذا أقول: وراء كل امرأة عظيمة، نفسها في أغلب الأحيان.
اقرأ أيضاً
ذكريات لا تموت
عودة الروح
ابتسامتي التي أذهبت مهابة أمي!
رضوى عاشور: رحلة امرأة استثنائية في عالم الأدب والنضال
حين تتحوّل المرأة إلى سلاح ضد المرأة
لقد استهواني جمالُ مقولةٍ قيلت عن المرأة، تُشعرك بأنها خُلقت لتعيش دون خوفٍ أو استسلامٍ لغدر الزمن عليها: “داخل كل امرأة طفلة بريئة لا تكبر على اللعب.. عاشقة لا تكبر على الحب.. أنثى لا تكبر على الحنان.. لهذا لا تشعر بالوقت مهما مر”. هناك بعض الرجال لا يعرفون قيمة المرأة، وللأسف هناك أيضاً بعض النساء لا تعرف كيف تُقدّر قيمتها وحقوقها التي منحها الله إياها في هذه الحياة، فهي مَن يجب أن تحدد قيمتها عند الرجل، ولكن دون مبالغة أو تقليل من شأنه، وكذلك عليها أن تُعطي دون إهانة لها أو المساس بكرامتها، أو حتى الخضوع طلباً للاحتياج، فلا حياة للرجل بدون امرأة، وهي كذلك، فهي كل شيء بالنسبة له، فهي أمه، أخته، زوجته، ثم ابنته. ما أروع العبارات التي قرأتها لأحد الحكماء عندما تحدث عن المرأة قائلاً: “ولدتني امرأة، وعلّمتني امرأة، وأحببت امرأة، وسأتزوج امرأة، فكيف لا أحترم النساء؟”، فتحية لكلِّ امرأةٍ عاشت كشعلةِ نور تُضيء حياة الآخرين، كشعاعِ أملٍ في قلوب المتشائمين، وتحيةٌ أخرى لكل رجلٍ دقّ قلبه لامرأة، وقادر على أن يحتويها دون ملل أو كلل، وقادر على أن يُسعدها ويمنحها إحساساً داخلياً بالأمن والأمان، قبل أن يكون سلاماً ظاهرياً، فمهما كان جبروت المرأة، فهي بداخلها طفلة لا تكبر على الحب والاهتمام.
إذا تحدثتُ عن الأم مثلاً، وما تحمله من تضحياتٍ لأجل أبنائها، ودورها في صنعِ جيلٍ تفتخر به وبنفسها قبل أي شيء، فهي الملاذ الآمن والحصن المنيع الذي يختبئ فيه فلذة أكبادها “أولادها” مهما كبروا في العمر. حقاً، فلا شيء أكثر برًّا من أن تجعل أهلك يفخرون بك: “اجعل كل من يراك يدعو لمن ربّاك”. ما أجمل ردَّ رسولِنا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام، عندما سُئل: “من أولى الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أبوك”. وكما قال عنها الشاعر الكبير حافظ إبراهيم:
“الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق”.
وكذلك تلك المقولة التي يخفق قلبي معها، وينتابني شعورٌ بالخوف كلما أرددها رغم الغياب:
“الأم تخاف علينا من الحياة، ولا تدري كم نحن نخاف الحياة من دونها”.
اللهم يا خالق الجنة، اغفر لنا جنتنا وارحمها… اللهم احفظ كل أم، واشفِ كل جنةٍ على الأرض… واجعل من فقدناهم في أطيب ثرى، وأعزِّ كنف، وأرحم مأوى، وأوسع روضة، وأسعد حال، يا رب العالمين، ومن بينهم أمي… التي فقدتها، وفقدتُ معها سكينة قلبي وطمأنينته.
وختاماً أقول بعد كل هذا: هل المرأة والأم بحاجةٍ إلى أن تنتظر هذا اليوم لتشعر بقيمتها؟ لا أعتقد ذلك.
*****
إلى من كانت تحلو بها الحياة… آه، كبرتُ يا أمي من بعدك، ولم أعد تلك الطفلة التي كانت تتدلل على الجميع، وأولهم أنتِ، يا جارة قلبي. فقدانك أحرق الفؤاد، حتى لم يترك للقلب متسعاً لراحة.
اللهم ارحم أمي التي توسّد جسدها الكفن، واجعل قبرها خيرَ مسكنٍ تغفو به عيناها، وافتح لها باباً من نورك ورحمتك، وآنس وحشتها، واجمعني بها في جناتك دون فراق.


أضف تعليق