سالي عادل
التعالق النصي هو دخول نص في علاقة مع نصوص أخرى سابقة له، وفق تعريف أستاذ الأدب الجزائري متقدم الجابري، ويتناوب النقاد على استخدام مصطلحات أخرى لوصفه، مثل: التناص، الاستلهام، التداخل النصي، والنص الغائب.
ولذلك أعتبر عنوان هذا المقال مجازياً، لأنّ التاريخ ليس نصاً لتتعالق الرواية معه، وإن كانت له مصادر نصية كالمراجع والوثائق والمخطوطات، إلاّ أنّ هناك مصادر أخرى غير مكتوبة، كالمسلات والحفريات وحتى التاريخ الشفاهي، الذي بُنِي عليه الأدب كله. فالتاريخ أوسع من كونه نصاً؛ التاريخ هو الماضي، واللحظة السابقة هي تاريخ، سواءً تم تدوينها أم لا.
السؤال الذي شغل أذهان كاتبي الرواية التاريخية على مر التاريخ، وهو ذاته الإشكالية الدائمة بين الروائي والمؤرخ، هو:
“ما هي حدود الروائي في الاستعانة بالتاريخ عند كتابة الرواية التاريخية؟”
أو يكون السؤال أدق إذا تمت صياغته بالعكس:
“ما هي حدود الروائي في الاستعانة بالخيال عند كتابة الرواية التاريخية؟”
باعتبار أنّ المَعينيْن الأساسييْن للكتابة هما الذاكرة والمخيلة، كما قال القاص المغربي محمد سعيد الريحاني، وفي حالة الرواية التاريخية، فنحن نتحدث عن ذاكرة الأمم والشعوب، فضلاً عن الأفراد. وفي أنواع الأدب الأخرى، لا يحاسب أحد الكاتب من أي المصدرين ينهل، ولكن في الرواية التاريخية، يصبح هناك مساءلة من القارئ، والناقد، والوسط الثقافي للكاتب عن مصدره، بل وقبل هذا، يحاسب الكاتب نفسه، ويضع لنفسه الضوابط قبل أن يكتب.
بشكل عام، يصعب أن يركن الكاتب إلى كونه كاتباً فقط عند كتابة العمل الجيد، ولكن يجب أن يكون كاتباً ومحللاً نفسياً عند كتابة الأدب الاجتماعي، كاتباً ومحقق شرطة عند كتابة الأدب البوليسي، كاتباً وعالماً عند كتابة الخيال العلمي، وكاتباً ومؤرخاً عند كتابة الرواية التاريخية.
فنحن لا نختلف على ضرورة توفر المرجعية التاريخية للعمل الروائي التاريخي، ولكن الخلاف هو على مساحة هذا التداخل، ومدى الالتزام بالدقة والأمانة العلمية عند تضفير هذه المرجعية في الرواية.
ووفقاً لمدى الالتزام بالمرجعية التاريخية، يمكن تصنيف مجموعة من الكتابات.
فالتوثيق المطلق للتاريخ والخالي من الخيال لا يدخل في عمل الروائي، وإنما في عمل المؤرخ، وتصبح كتاباته مراجع أو وثائق تاريخية بحد ذاتها يمكن للروائي أن يستعين بها.
فإذا كان النقل عن هذه الوثائق متخذاً الشكل الفني للرواية، وملتزماً حرفياً بالتاريخ بثوابته، حقائقه، أحداثه، شخصياته، وتواريخه، فغالباً ما يتخذ شكل السيرة الذاتية، والتي تقع بحد ذاتها في مكان ما بين الرواية والتاريخ، سواء كتبها الشخص عن ذاته أو عن شخصية أخرى.
أما إذا أراد الالتزام التام بالتاريخ، لكنه اصطدم بوجود بعض الفجوات فيه، لا يعرف ما حل بها، فهناك نظريات بالتأكيد، لكنها ليست كالحقائق. هنا سيقرر الالتزام بالحقائق، ثم يبني أحد النظريات ويملى الفراغات من خياله. هذا بلا شك عمل روائي تاريخي، لكنه يعتمد بشكل أساسي على المعلومة التاريخية الموثقة، إلى حد أنّ بعض الروائيين يذيّلون رواياتهم بالمراجع في الهوامش، كلما تيسرت.
ولكن، ما حيلة الروائي إذا شحّت المراجع؟ وما عليه حينها إذا استعان بخياله لملء الفراغات؟ بل هي مسئوليته وواجبه أن يُعمِل خياله، ولكن حتى في هذا ليس خيالاً مطلقاً، وليس من دون تحليل واستقراء واستنباط منطقي للأحداث التاريخية الموثقة التي يعرفها، حتى يصبح هذا الناتج الخيالي أقرب ما يكون إلى الحقيقة الغائبة.
لأنّ الكاتب هنا، وإن لم يكن مؤرخاً، بل وسيصبح مؤرخاً فاشلاً إذا أراد، كما يقول الأديب الجزائري واسيني الأعرج، لأنها ليست مهنته، وليس ما يقدمه المؤرخ هو ما يستهوي قارئ الأدب. إلاّ أنه يتحمل مسئولية نقل التاريخ طالما ارتضى أن يكتب الرواية التاريخية.
روائيّو هذه المدرسة يحملون من القيم والأهداف النبيلة ما يدفعهم إلى الالتزام بالتاريخ، ويتحملون مسئولية نقله للأجيال الجديدة. إنه ليس مدعاة للذِّلة كي نزيّفه، وليس فقيراً كي نضيف إليه، ولا ينقصه شيء من الحبكة أو التشويق أو الضرورة الدرامية. إذاً، فنسبة التداخل النصي للرواية التاريخية التقليدية مع التاريخ هي نسبة عالية جداً، تكاد تتجاوز 70%، في مقابل 30% للخيال.
لكن ظهرت فئة أخرى من الكتّاب تريد أن تتحرر من ثوابت الكتابة. وحين يكتبون الرواية التاريخية، يريدون أن يبدّلوا النِسب، وهكذا ظهرت رواية التخييل الروائي.
اقرأ أيضاً
خوسيه ساراماغو: صانع العوالم الروائية
إمبرتو إيكو: أربع قواعد لتحويل الفكرة إلى نص حي
بين الكاتب والقارئ: من يملك النص؟
أن تكتب كما لو كنت ميتاً – الحرية التي لا تأتي إلا حين تتوقف عن الخوف
القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتباً؟
روائيّو هذه المدرسة يستخدمون التاريخ كواجهة فقط، ولا يريدون لأي شيء أن يستلب حقهم في التخييل، حتى وإن كان التاريخ ذاته. لا يهتمون بالدقة التاريخية، وإن كانوا لا يزالون يحتفظون بثوابت الأحداث والخطوط العامة للتاريخ. فلا يشطّون تماماً عن المعلوم والموثوق من التاريخ، ولكن يتصرفون داخله بحرية تامة. هكذا، لا يمكن للمؤرخ أن ينعت ما يكتبونه بالرواية التاريخية، ولا يمكن للناقد أن ينزع صفة الرواية التاريخية عن أعمالهم.
روائيّو هذه المدرسة يستندون إلى أنّ: “التاريخ يكتبه المنتصرون”، ومن يسمع للمهزومين إذا خالفوا المنتصر؟ أما الرواية، فيكتبها غير المنتصرين، لغير المنتصرين، عن غير المنتصرين. إنها صرخة النفوس الحرّة، وحتى هذه، تريدون تكميم أنفاسها؟
ولأنّ نفس الكاتب أبيّة، فإنه حتى التخييل الروائي لم يعد يستوعب خيال وحرية وجموح الأديب، فظهرت أنماط أخرى في الأدب العربي، أكثر مواكبة للعصر، تستند إلى التاريخ نعم، ولا، في ذات الوقت، في شكل أقرب إلى الأحجية.
فماذا إذا امتد خيال الكاتب إلى التاريخ ذاته، منطلقاً من تاريخ بديل أو موازي، أو افتراضي، أو تخيلي؟ هنا تظهر أنماط أخرى قد تخرج عن تصنيف الرواية التاريخية، وإن كانت لا تزال تعتمد على التاريخ. ففي كل الأنواع السابقة ظل الأديب يعتمد على التاريخ كمرجع، حتى إنّ قارئ كل هذه الأنواع ـ باستثناء رواية التخييل التاريخي ـ يمكنه أن يعتمد عليها كمرجع للتاريخ. بل إنه حتى في روايات التخييل التاريخي الأكثر تحرراً، لم يستطع الكاتب أن ينكر ثوابت التاريخ، أما هنا فلا يجد ما يمنعه.
“ماذا لو..؟!” نفس السؤال الذي ألهم كل كتّاب الأدب على شتى اتجاهاتهم، هو نفسه الذي ألهم أدباء هذه المدرسة: ماذا لو انتصر هتلر بالحرب؟ ماذا لو لم يكتشف كولومبوس أمريكا؟ ماذا لو ظل العرب على فتوحاتهم وتقدمهم؟ هذه هي مدرسة التاريخ البديل، وهي إحدى مدارس الخيال العلمي.
ظهرت كذلك رواية الفانتازيا التاريخية، وهي تنتمي إلى مدارس الفانتازيا، حيث يخلق الكاتب عالماً بالكامل غرائبياً، ولكنه يمنحه أرضية تاريخية، كأن يذكر شعوباً متحاربة في التاريخ المعلوم، لكنهم يستعينون في حروبهم بجيوش من الجن.
وهناك رواية الرعب، المستعينة بوثائق تاريخية عن كيانات قديمة، ومخطوطات سحرية، وأمم غارقة.
وهناك رواية الخيال العلمي، التي يتحقق فيها السفر عبر الزمن، ولكن إلى الماضي.
وكلها أنواع تعتمد على التاريخ، لكنها تخرج من تصنيف الرواية التاريخية إلى أنواع أخرى، كما يمكن التداخل بين الأنواع بحيث تتلاقى وتختلف إلى حد يصعب معه التصنيف.
هكذا يتضح أنّ للتاريخ فضل على الرواية، وللرواية واجب نحو التاريخ؛ فالرواية مدينة للتاريخ، إنه منجم جاهز يمدّها بالحبكات، والشخصيات، والمواقف الدرامية. فحق عليها أن تنفض الغبار عن الحقائق المنسية، والهوية المطموسة، وتجلو الصدأ عن معادن الأمم ونفائس الشعوب، على ألا تنخدع بما يمليه المنتصرون، وإنما تبحث وتدقق وتسائل التاريخ، ثم تنتصر لمن لم ينصفه.



أضف تعليق