عبد اللطيف بنضام – المغرب
لن أنسى تلك الليلة التي زارني فيها ذلك المرض؛ جاء على شكل وجعٍ آلمني كثيراً. أنشأتُ بعض الأدوية البديلة في البيت (الأعشاب)، لعلّ وعسى أن تخفف عني ألم تلك الصخرة الجاثمة أسفل صدري. شربتها على أمل الشفاء وتلاشي المرض؛ لكن كان عكس ما توقعت، إذ حُرمتُ النوم تلك الليلة بأكملها، وأنا الذي لم يسبق لي أن عشتُ كابوساً كهذا.
في صبيحة اليوم التالي، أصررتُ على زيارة الطبيب؛ لأنّ المرض، على ما يبدو، ليس عادياً كما توقعت. غير أنّ الطبيب زاد الطين بلة، إذ لم يكتشف المرض، وأخبرني أنّ صحتي تبدو جيدة.
لم أنم الليلة بأكملها، وتقول: صحة جيدة! لا يُعقل!
أشار إليّ ببعض الأدوية المهدئة لشرائها؛ لكن لم ينفع كل ما دوّنه، فاضطررتُ بعد عناء طويل أن أتجه صوب العلاج البديل -وذلك بعد معرفة المرض- من الحجامة، والكي، والرياضة، وتجنب السهر قدر الإمكان، بالإضافة إلى اغتنام أوقات استجابة الدعاء، التي كنت أرفع فيها أكف الضراعة إلى المولى عز وجل، وأسأله سبحانه وتعالى الشفاء. وفي رمضان، كنت أخصص ساعة قبل الإفطار كلها للدعاء، فاستجاب الله سبحانه وتعالى، وشعرت بتحسن في صحتي.
بعدما بدأت أحوالي الصحية تتحسن، اكتشفت أنه عليّ أن أغيّر تلك البيئة التي مرضت فيها وتألمت؛ وبذلك ارتأيت تطبيق نصيحة سمعتها من أحد اصدقائي: “في السفر شفاءٌ من ضيق المكان واتساعٌ لروح الإنسان”، وبالفعل، فبعد أسفاري وتجوالي، تحسنت صحتي أكثر من ذي قبل.
خروجي من المرض أشبه بالخروج من عنق الزجاجة، وكان حرياً بي أن أسجل تلك الدروس التي علّمني إياها المرض؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش لحظة معينة -وإن كانت مرضاً- دون أن يتعلّم منها دروساً حياتية؛ لأنّ الحياة أحياناً تلقنك دروساً قاسية تراها نقمة، ولكن في طياتها نعمة. وبذلك أخذت دروساً جيدة من تلك الوعكة التي لازمتني لسنوات، أشبه ما تكون بموج البحر في حُلكته.
علّمتني سنوات المرض تلك ألا أُظهر أحزاني وضعفي للناس؛ لأنّ منهم من سيخيفك بأنّ هذا المرض لا علاج له، بحجة أنّ ابن عمه أو بنت عمها زاروا أطباء كُثُر ولم يُعالجوا. حينها سينتهي أملك في طلب العلاج والشفاء، وتستسلم لأمر الواقع الذي يقول إنّ هذا المرض لا علاج له. وهناك صنف سيصف لك أدوية، وربما أعشاباً لا علاقة لها بالمرض، لأنّ أحد أفراد عائلته استعملها وشُفي في الحين، بينما صنف آخر سيسخر ويضحك. لن تجد بجانبك سوى والديك بعد الله سبحانه وتعالى.
علّمني المرض الصبر، وأنّ مع العسر يسراً، وأنّ كل شيء سينتهي، وتعود المياه إلى مجاريها. وعلّمني أيضاً أن أبتعد عن الغوغاء والمجادلين الذين لا يملكون أدب الحوار، ويجعلونك في حالة دفاع وضغط نفسي رهيب. وخصوصاً في تلك المرحلة من المرض، كان عليّ أن آخذ راحة نفسية بالابتعاد عن الكثير من الناس. وبذلك لم أعد أجالس الكثير من الأصدقاء إلا من ترتاح نفسي إليهم، وقدّمت صحتي على بعض الأشخاص.
حتى القراءة، التي كانت ملاذي وحياتي، تركتها لمدة طويلة؛ لأنها تحتاج إلى إعمال الفكر، وبالتالي إجهاد النفس، وهذا ما لا أريده. ينبغي الابتعاد عن كل ما يسبب الضغط النفسي.
وبعد التعافي، رويداً رويداً، عدتُ أقرأ كتباً من النوع الخفيف، كالرواية والقصص وبعض الكتب الدينية القصيرة. وكان أول كتاب قرأته بعد التعافي جزئياً هو “رحلتي إلى السماء السابعة”، الذي فهمت من خلاله أسماء الله الحسنى فهماً مختلفاً عما قرأته عند المفسرين. وقفت عند اسم الله “الشافي” كثيراً؛ سافر بي الكاتب نحو ملكوت السماء، وتأملت في عظمة الله وقدرته.
أذكر أني بدأت قراءته في سيارة الأجرة، وأنا قادم من مدينة أكادير إلى إمنتانوت، بين تلك الجبال الشامخة الشماء، المترامية الأطراف، على طريق مدينة أكادير، التي تختلف تربتها الجبلية بين الصفراء والحمراء والشهباء تارة أخرى. جبال عظيمة تُخبر عن خالقها العظيم القادر، الذي نصبها شامخة لا تنحني أمام نوائب الدهر، ورغم كل هذا، فقد تلين ويخرج الماء من بين ثنايا أحجارها الصلبة، بينما قلوب بعض البشر أشد قسوة منها.
استمتعت بالكتاب الذي أعطاني رؤية جديدة نحو الحياة، ومنحني أملاً وطاقة للاستمرار رغم كل المعيقات.
تلك الأزمة الصحية، حتى وإن غيّرت حياتي رأساً على عقب، خصوصاً فيما يتعلق بالدراسة التي كنت أود الحصول فيها على نقطة جيدة في شهادة البكالوريا؛ لأنني بعد المرض وصلت إلى حد الإهمال، حتى اضطررتُ مرات إلى ترك مقاعد الدراسة، وأصبحت أعيش صراعاً فكرياً عويصاً بين نفس تجبرني على التضحية رغم كل الألم -ففي الأخير كل شيء سينتهي- وبين نفس أخرى تقدم راحتي وصحتي على دراستي… لكن ربّ ضارة نافعة.
كان المرض بداية الحكاية، لكن الشفاء الحقيقي بدأ حين غيّرت طريقي…


أضف تعليق