من أين تأتي الروايات حقاً؟

رقية نبيل عبد الحميد عبيد

“إنّ الكاتب لا يؤلف قط، بل هو فقط يسجل حادثات الحياة، ومراقب دقيق قريب منها.”

هذا رأي قد يعوزه بعض الدقة، كونته بعد قراءتي لعشرات الروايات التي كتبها مؤلفون مختلفون.

إنّ أعظم ما يبدع فيه الكاتب هو حينما يكتب من وعن واقعه؛ حينها تنضج له رواية تُخلَّد بحق، ويتذكرها كل من مر بها، ويسجلها الأدب كأيقونة باقية، اسمها فحسب له وزن وثقل وأبعاد وبصمة في دنيا الكتب.

فكل الروايات تقريباً لا تُخلق إلا حينما يستلهمها كاتبها من حياة عاشها، وخبر تفاصيلها، واطّلع على معظم خباياها. وتبقى الشخصيات والأحداث والألوان التي تقع فيها كلماته كلها منه، من قالبه وقلبه. لهذا، حينما يكتب، تُخلّد لنا صورة أبدية مقتطعة من قلب الزمان!

ليو تولستوي مثلاً، الكونت الروسي الكاتب المثقف المصلح، الذي خلق لنا روايات من أعظم ما كُتب في الأدب. حينما تطالع روايته الحرب والسلام تجدها سجلاً تاريخياً، كأنها حفرة في جدار الزمن قد فُتحت لك.

فإذا بك فجأة تزور الحفلات التي يقيمها عِلية القوم في بطرسبرغ، وتسمع بأذنك الثرثرات والشائعات والهمسات القلقة المتخوفة من حروب نابليون التي ستشب قريباً. بل ويتاح لك أن تخوض معمعة الحروب! تُروَّع بقذائف المدفعية، وترى الموت عياناً، وتُعاين تصرف قادة الجيش وثباتهم، والتفاف الجند من حولهم، ومدى تأثيرهم في النصر أو الهزيمة.

هذا تاريخ يُسرد أمامك دون أن تشعر بأي ملل، لأنّ صفحات الرواية أقرب ما تكون إلى آلة زمنية تنقلك بكل وعيك إلى عالمها الزاخر.

يصف تولستوي في كتابه أحداثاً وقعت قبل ميلاده، لكنه نشأ في زمن لا يبعد عنها كثيراً، وفي ظروف مشابهة جداً، وبين أسرة شديدة الثراء كتلك التي يعج بها كتابه. والأهم خدمته العسكرية التي أتاحت له جواً شديد الواقعية من الحروب وغوغائيتها.

تولستوي لم يخلق جديداً، بل كان مؤرخاً شديد الدقة والبراعة والبلاغة معاً.

وعندما كتبت لوسي مود مونتغمري روايتها آن في المرتفعات الخضراء، والتي هي مزيج غاية في الجمال والعذوبة، سواء في براءة الطفلة ذات الشعر الأحمر الناري كطِباعها، آن شيرلي، أو في الطبيعة الأخاذة التي تكاد تذوب في فمك شهداً وعطراً؛ فما كان ذلك إلا لأنّ لوسي عاشت في أحضان الريف الساحر في جزيرة الأمير إدوارد، وهي ذات البقعة المشمسة الجميلة التي رافقتنا فيها آن، طفلة مرحة صاخبة، فشابة عذبة لامعة.

ولا يختلف أحد على حذق ومهارة أجاثا كريستي في رواياتها، لكن المتأمل سيجد أنّ كل الشخصيات والأحداث والأماكن إنما هي من واقعها. وحتى السموم وطرق القتل التي تفتق عنها ذهنها جاءت من عملها في تطبيب جنود الحرب العالمية في حينه.

أما رواياتها التي وقعت على ضفاف النيل أو في المشرق العربي، فقد استلهمتها أثناء رحلاتها مع زوجها عالم الآثار.

ونجيب محفوظ، كيف أثرت فينا رواياته إلى هذا الحد؟

لأنها تخاطبنا بمصر التي نعرفها، أو التي عرفها وخبرها، وعاش بين أزقتها وحاراتها، وتحت لهيب شمسها وبرد شتائها وجعجعة ناسها. لقد نقل لنا صورة شديدة الحياة والتلوّن والحركة عن قلب مصر، وكشف لنا أسرارها، وبسط أمامنا خباياها.

لهذا، حينما تُقرأ، تلج ذات الحفرة الزمنية التي خلقها لك تولستوي، لكنها هذه المرة تنقلك إلى عين مصر.

يكون أقرب ما يفعله الكاتب هو نقل صورة حية عن واقعه، غير أنه يكون أشد ملاحظة من غيره، وأدق وصفاً لتحوّلات الناس وأجيج مكنوناتهم.

أضف إلى ذلك شيئاً من البلاغة والسحر، حينها يبرز للوجود أديب مرموق متميز.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق