في قبضة فارس النوم الأبيض!

عادل عطية

كنت أسعى إلى لقاء “سلطان الكرى”!
ومن المعروف عن جنابه أنه ـ ككل المتشاوفين ـ لا يأتي إلى أي سرير.

وسريري ـ ولله الحمد ـ بسيط بساطة العبد لله، ليس كسرير لودفيج الثاني، الذي كان ملكاً على بافاريا، والذي قيل عنه ـ عن السرير ـ إنه كلف مئة ألف دولار، وبدا مثل قلعة!

وليس كسرير الكاردينال ريشيليو، الذي كان نقالاً، لكنه احتاج إلى ستة رجال لحمله من مكان إلى آخر خلال زياراته!

وليس واحداً من الأسرّة التي نام عليها الكثير من العظماء الآخرين، وأمضوا وقتاً أطول على فراشهم.

فقد ألّف “جون ملتون” الجزء الأكبر من قصيدته الملحمية “الفردوس المفقود” في سريره،
وفي سريره كتب “ونستون تشرشل” الكثير من “تاريخ الشعوب الناطقة الإنجليزية”، ويُقال إنّ “الإسكندر المقدوني” كان يتخذ قراراته ويصدر أوامره وهو مضطجع في سريره، محاطاً بألفي معاون!

وقال أحدهم: اكتب وأنت نائم، مثلما كان يفعل نجيب محفوظ في سنواته الأخيرة.

لذلك؛ ما إن أستوي على فراشي حتى يأسرني “فارس النوم الأبيض”، حارماً إياي من أن يأخذني النوم اللذيذ إلى عالمه الفريد!

الأرق، بالنسبة لي، هو الرد على التحدي الصعب لفكرةٍ من الموضوعات التي تريد الانفلات من رأسي.

ولذلك ـ أيضاً ـ فأنا دائماً مستعد لهذا اللقاء مع “العقل المتسابق”، بأفكاره المحمومة التي تتدفق، ولا تهدأ، ولا تتوقف على مائدة السرير المستديرة.

فأجدني أضع على الطاولة الملاصقة لوسادتي: ورّاقة وقلم رصاص (رغم كل أنواع الأقلام المستحدثة)، وكأنّ على كل إنسان أن يقاتل بطريقته الخاصة: بقلم رصاص… أو طلقة رصاص!

فكل بضع دقائق تنبت فكرة ما في رأسي؛ فألتقطها، وأتحسس في الظلام للوصول إلى الورّاقة والقلم، وأدوّن بعض الكلمات، التي قد تكون نواة للبنية التحتية لكتاباتي، أو أقوالاً مأثورة تدعم فكرتي المتناثرة.

ولأنّ هذه الكلمات أكتبها على عجل، قبل أن تطير على جناح الزهايمر، وأكتبها على ضوء الظلام (يبدو أنّ الظلام من قدر الكلمة التي نكتبها؛ فهي تخرج من ظلام جمجمتنا إلى ظلام حجرتنا، وتظهر في حروف سوداء)، فحين أقرأها في النهار أجد، في تداخل حروفها وانقلاب بعضها رأساً على عقب، ما يجعلني أبتسم… أو أضع يدي المتهالكة على قلبي!

فعلى سبيل المثال، كانت بعض الكلمات تبدو هكذا:
.. أنا أكتب إذن أنا “موءود”، أقصد: “موجود”!
.. كل الطرق تؤدي إلى “روءا”، أقصد: “روما”!

و”روءا” هذه ـ ويا للمصادفة (أرجو ألا تحسبوا ذلك من قبيل مخارج عقلي الباطن) ـ هو اسم الدلع لجارة لنا! ولو وقعت هذه الكلمات في قبضة فضول زوجتي، لقدّمتني إلى محكمتها المتشددة القضاء، والتي شعارها: “الغيرة أساس الحكم”!

قال الكاتب الأمريكي “ديل كارنيجي”: “دع القلق وابدأ الحياة”، فقلت لنفسي، متحدياً الأرق: “دع الأرق وابدأ الكتابة”، كنوع من الفذلكة، ومحاولة الإمساك ـ كطفل ـ بتلابيب هذا الكاتب العبقري!

فالكتابة، كما تقول مقولة فرعونية، هي: “حاسة مقدسة يهبُها الإله للكاتب؛ فيرى ويسمع ما لا يراه أو يسمعه غيره”!

وهنا جاءني تمثال “الكاتب المصري”، الجالس القرفصاء!

ربما لأنني كنت جالساً القرفصاء مثله على سريري، وربما لأنني جئت بسيرة آبائه وأجداده الفراعنة، الذين كادوا أن يعلنوا لنا نظريتهم المدهشة: “أنّ الأفكار أصلها قرد”، قبل أن يبوح عالم التاريخ الطبيعي البريطاني تشارلز داروين بنظريته المثيرة للجدل، التي تقول: “إنّ الإنسان أصله قرد”!

فالأديب وكاتب المعرفة والحكمة ـ عند الفراعنة ـ رمَزوا له بالكاتب الجالس، وقد استوى على كتفيه قرد، وهو ـ أي القرد ـ يرمز للإله تحوت (توت)، إله الحكمة والكتابة والوحي، معتقدين أنّ القرد هو الذي يبتدع الكلمات، ويلقن الإنسان وحي الفكر والمعرفة والحكمة!

لا أعرف كيف تمكنت أخيراً من النوم، بعد أن كنت أقفز كالقرد من على فراشي لأكتب كلمة أو كلمتين. ولكني، على كل حال، غير نادم على أفكار مبعثرة بدأت في ساعات أرقي الليلي، وانتهت بالقرفصة… تماماً كتمثال الكاتب المصري القديم!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق