عائشة بنت جمعة الفارسية – سلطنة عمان
لا ضير أن نتسامر مع صورة، قد تسرق أنظارنا، وننسج منها خيالاً، نُبحر معه فيجدد ذكرى ويعيد حياة ويبعث أملاً.
نعيش مع نفس العدد من حروف اللغة جميعنا، لكننا نختلف في صياغتها ونحاول، بما يتوافق ومكنونات جوارحنا تشكيلها قد يكون، بطرح صريح مباشر لا لبس فيه، فينجذب لها العديد، وقد تُزهر فيها أرواحنا ببصمة تميزها من عرض وتدوين ولغة.
أو بحوار صامت يفهمه من أنِست له الروح.
قد يترجمها قلم أو نحوه وقد تُحبس بين ثنايا الضلوع تنتظر ولادة تطول أو تقصر.
ويظل السرد هو الحبل الموصل لما أشعر وتشعر به.
وهنا أبت أجندة إلا أن تبوح.
فماذا قالت حينها؟
كل ما رأى البحر حضرت رواية هيمنجواي العجوز والبحر إلى مخيلته تتوالى وقائعها كشريط سينمائي، وهو هكذا في كل ما قد يمس رواية، أو قصة أعاد صياغتها بحروف من لغته داخلي.
أعرفه من نظراته، فيعود ليخرج المعلومة من أحشائي. الفوضى العارمة في مكتبته لا تتحدث عن النظام الذي يسكن بداخلي.
القصاصات الملونة في طرف كل ورقة لها رمز لا يعرفها إلا هو.
أحيانا تتداخل لديه المعارف، لحظتها أقلّب نفسي عمداً لتنبسط الصفحة التي يريدها.
حركة رفع النظارة، وتقريبها وتلك الوخزة التي تظهر في طرف شفته العليا، حتى ترتفع وجنته وكأنه يناديني، ساعديني.
كثير الحركة قليل الحديث.
في مواقف عدة كنت أتوقف لأتابع احداثياته محاولة إيجاد مبرر لها، كما كان يفعل ديميتريس شيرفياكوف وهو يكرر اعتذاراته المتوالية والمزعجة في قصة موت كاتب، والتي بسطت لكاتبها ثراء عجيب في فكرة تسلسل القصة.
كان حاضراً ذات مساء لإحدى المساحات الصوتية في تويتر، كما دوّن من ملاحظات. ظلت زوجته تروح وتغدو وهو يضع سماعته وما لبث أن ذهب ليضع ورقة ممنوع الازعاج على الشباك الزجاجي الداخلي لصالة المنزل وأتبعها بأخرى ألصقها في باطن يده ثم بعد فترة كتبها في ثلاث ورقات بعثرها على الطاولة.
ذات يوم، ظل يكتب شعرت من تسارع خطه، واتكائه على الأوراق كأنه يتسابق في ظهيرة صيف لا تعرف هل يهرب من قرص الشمس، أم يتصارع مع محيطه ليخلق هواء قد يلطّف من حرارتها.
هناك شيئاً ما في داخله لا شك في ذلك، أراد أن يخبرني به.
أجِدُه يعاني، وقته الذي يقضيه في مكتبته المكتظة. يقرأ هذا ويناقش ذاك مع محبي القراءة في بعض المواقع التي تستهويه. شكّل له ضغطاً لا يُحدّث به أحد غيري ولكن مع كل ذلك لي مكانة أغبط نفسي عليها.
وها هو يحاول ترتيب أفكاره. كل ما يهمه أن ينجز الجدول الزمني بقراءة رواية لاعب الشطرنج لستيفان زفايج في أقصر مدة ممكنة.
سأصلى العصرأولاً ثم إلى البحر. طبعاً لا يحتاج لتدوين هذا إنه أشبه بالطقوس اليومية التي حفظتها.
اكتفى بوضع طاقية الرأس، مع دشداشة بلون رمادي وهو يخاطبها مزهواً:
لا زلتِ محتفظة برونقك رغم مُضي ٣ أعوام!.
كان البحر جزراً وقتها. سمعته يقول جميل سنكتفي برائحته حتى لا ينافسني الصوت في التركيز.
أخرج كرسيه. ووضعه أمام السيارة لأقرب نقطة، لتلك التلة الصخرية التي تنحدر صخورها للشاطئ مباشرة.
لا زالت حرارة الشمس تكتسي الأرض.
جلب معه دلة من الشاي مع طاولة قراءة للاستناد وأجندة أخرى يصنفهن حسب حاجته.
لا تغادر هذه الأدوات سيارته، تسافر معه في كل مكان، أصبحنا توائم رحلاته.
أنا بين يديه الآن. لا يتوانى في الاهتمام بي وتدليلي. رغم أنّ البيت يعجّ بمثيلاتي.
ولا أخفيكم سراً، ذلك القلق الذي يعتريني، كلما رأيته يحمل حقيبته القماشية، التي تؤكد ذهابه للمكتبة في الحي نهاية كل شهر، حتى يصل إلى مرحلة إفراغ محتوياتها، وتأكدي من أن ليس ثمة أجندة قد أسرته، وحازت على رضاه وأغرته لتحلّ محلي، في تدوين الخلاصة من فكره، والتي غالباً ما يُفضل وضعها في قلب صفحاتي.
وجدتُ بيني وبينه حوار لا يُكتب، ونقاش غير مصطنع، وحقائق نتشارك فيها بعد كل حركة من يده، ينقلني بكل خفة.
يدوّن ما عَرف من هذا واكتشف من ذاك.
تثور شفتاه، إذا ما فتحت ابنته الصغيرة المكتبة، وغيّرت مكان كتاب عن آخر. أو حاولت حملي رغم وداعتها.
يعرف موقع كل قصة ورواية.
يضع السماعة للاستماع إلى قصة، أو نقاش ليعيش عالماً آخر خاصة عند ذهابه للحديقة العامة في المساء منتصف الشهر القمري، ولكنه لا يلبث أن يعود لوضع بصمته على الورق.
ها هو قد بدأ وضع تنبيه ساعة الايقاف.
يبدو أنّ هذه الرواية كصاحبها مضنية حتى في قرائتها. قالها وهو مُتشوق لإنهائها.
كانت فترة الجلوس على البحر كافية لاتمام آخر سطر من رواية تم كتابتها في الأربعينات من القرن الماضي.
رفع بصره إلى البحر الذي بدأ في مدّه، رمى حجراً وكأنه يرمي آخر بيدق معلناً النصر.
تسلل خوفاً لا أخفيكم عنه، من ذلك الجهاز اللوحي الذي وصل البيت ولحسن الحظ على الأقل حتى الآن، لم يتعدى أيدي أبنائه.
تلاشى عندما أخذني إلى الاسكافي، انتقى جلداً سميكاً بني اللون، رائحته جميلة يكفي أنه احتواني وأجمل ما فيه ذاك الحزام الذي شد وسطي.
لا بأس به جميل يحافظ على القصاصات وينظمها حتى لا تنحشر أو تسقط وضع مكاناً لائقاً بالقلم عليه.
بداخلي كنوز كما يقول، لكل من يسأل عني ويشاهدني بين يديه.
أعيش معه لحظات التدوين، لي معه في كل مكان قصة، وبداخلي ألف ألف قصة منه.


أضف تعليق