*الشّيماء خالد

ثلاثةُ أشياء فقط كنتُ أحبها في صِغري، كرتوني المفضّل الذي يُعاد ثلاث مرات في اليوم، كنتُ أشاهده في كل مرة بنظرةِ الحماس ذاتها والقلبِ المتشوق ذاته لاكتشافِ ما سيحدث طوال الحلقة، دون أن يتسحّب إليّ أيُّ إحساسٍ بالملل فأجلسُ قِبالة التلفاز ببَدني الرّخو الصغير وبيدي أمسك بإحكام الريموت كنترول  كأنما هو جوهرة نادرة لا يجدر أن تضيع، أتابع بانتباهٍ عالٍ كل ما يدور، على عكسِ قريبي الصبي الأكول في العائلة، والذي تكونُ زياراته لكلِّ من يعرفهم كابوساً حقيقياً لهم وجبَ عليهم الحذرُ منه، هناك إشارات معينة تُوحي بِمَقدمه، يدقُّ الباب على عجل، يسألك حالما يرى وجهك عن حالك وصحتك بينما هو لا يعنيه شيء في أن يعرف إجابتك أصلاً ليصل لأهمِّ سؤالٍ جاء من أجله، هذا طبعاً بعد أن يُلقي التحية كأي ضيف لطيف خجول ويدخل بعد أن استشعرَ منك القبول بذلك..

اسمع.. ماذا يوجد في البرّاد؟ هناك.. أتمنى أن أجد شيئاً بارداً يُطفئ نار الحرارة التي تغلي في داخلي من هذا الجوّ الحار..

عندها لا يكونُ الجوابُ سوى أن تُفسح له الطريق وأنت تعتصرُ وجهك لتُظهرَ ابتسامةً عريضة تمحي بها ذلك الحَرج..

قريبي هذا اسمه مُنذر، يتخذ له مكاناً أمام التلفاز وتلتصقُ عينيه الصغيرتين بالشاشة التصاقاً، كان في السادسة من عمره فقط بينما فمهُ لم يكن يتوقف لحظةً واحدة عن العمل، ومهما أكل فإنّ هذا لم يكن ليظهر عليه أبداً، إنه لا يتابع كرتوناً معيناً بل حلقاتٍ متقطعة من كل نوع متوقفاً عند كل لقطة يستشعرُ فيها موقفاً مضحكاً، ويقومُ ليقتربَ من شاشة التلفاز أكثر وكأنه يود أن يقفزَ داخله.. لهذا الصبي قصة مؤلمة.. ستعرفونها ولكن لاحقاً..

ثلاثةُ أشياء فقط كنتُ أحبها في صغري، صباحُ يوم العيد، ذلك اليومُ الذي يصبحُ فيه الريجيم حكايةً قديمة أضحكُ عليها من قلبي، في ليلة العيد أهمس لمعدتي بصوتٍ يغمره الحماس.. نامي، ينتظرنا صباحٌ حافلٌ غداً..

وبالفعل، في صباح اليوم التالي أقومُ فأفرغُ كل ما هو أمامي من صِحان الكعك والحلوى، أمضغ وأبلع.. أمضغ وأبلع دون توقف وأنا جالسة.. وأنا واقفة أتحدث أو أضحك أو أجري مع مُنذر الذي أسابقه فيقفز تلك القفزة الأسطورية انطلاقاً من باب الحُجرة التي هي أبعد نقطة في الجزء الخلفي من البيت.. أو مُتكئة على الأريكة التي أشغل منها مكاناً صغيراً يسيطرُ على معظمه فستاني الملون المنفوش الذي أبدو فيه وكأني أغرقُ داخل سحابة بيضاء كبيرة لا يظهرُ منها سوى رأسي ويديَّ وقدميَّ.. المهم أني كنتُ آكل الكعك بقدر ما أستطيع حتى تأتي اللحظة التي أجلس فيها وأنا أنتظرها بكثيرٍ من الصبر.. اللحظة التي تتقدم فيها جدتي نحوي ورائحة عطرها تسبقها، عطرها الذي تَصرِف عليه الكثير بلا بُخل فتُوصي عليه ابنة أختها الساكنة في باريس لتحضره لها، ولا تستغني عنه مهما حصل وتظل رائحته المدهشة عالقة في فساتينها ومناديل شعرها بل وبيتها كله لأسابيع طويلة، تتقدم نحوي وتقول وقد تفرّست النظر في وجهي الصغير المتلهف جيداً:

لماذا لم تأكلي شيئاً بعد؟ الحلوى ما زالت كما هي لم ينقص منها شيء.

ثلاثةُ أشياء فقط كنتُ أحبها في صغري، صباحُ يوم العيد، ذلك اليومُ الذي يصبحُ فيه الريجيم حكايةً قديمة أضحكُ عليها من قلبي، في ليلة العيد أهمس لمعدتي بصوتٍ يغمره الحماس.. نامي، ينتظرنا صباحٌ حافلٌ غداً..

فأقول في نفسي ليتها فقط تُدرك أني خضتُ للتو معركة كنتُ فيها البطل الذي خرج منها منتصراً وعلى جانبيْ فمه التصَقت بقايا من العسل وسكر الثلج.. لو كان أحدٌ آخر غير جدتي لاعتبرني مُفرطة في تناول الحلوى وأنّ عليَّ أن أستعد لسلسلة مشاوير لا تنتهي إلى طبيب الأسنان، لكنها جدتي.. والجداتُ هنّ الأروع على الإطلاق.

تجلسُ بجانبي بخفة الفراشة، بعد حديثٍ طويل عن أشياء عِدة تُدخل يدها التي تُزينها نقوشٌ من الحِناء في جيب فستانها، ذلك الجيب الذي لطالما تصوّرتهُ بحراً عميقاً يحتوي داخله أكثر الأشياء جمالاً.. في تلك اللحظة أدعو وبشدة أن تَهبَني جدتي الكثير من الدنانير، أكثر مما وهبتني إيّاهُ في عيد العام الفائت، لكنها فاجأتني بورقة نقدية.. ورقة نقدية كاملة لي.. ماذا لو علمَ منذر بالأمر؟ هل سيشعر بشيء من الغيظ حينها.. فليعلم.. لا شأن لي به ثم إنه لا يكترثُ سوى بالطعام، إنه يرى العشرة دنانير قطعة من العلكة التي يُحبها، أما المئتي دينار فيراها سندويشة من السجق وعلبة عصير.. أما العشرة آلاف دينار فلا يمكن له إلا أن يراها مائدة عشاء شهي في أرقى مطعم بالمدينة.. لا يسَع مُنذر أن يحتفظ بدينار واحد في جيبه حتى المساء بل يجب أن ينام دائماً بِجيب فارغ ليصحو في اليوم الموالي بمعدة فارغة كذلك..

ثلاثةُ أشياء فقط كنتُ أحبها في صِغري، منها أهمُّ شيء وأجمَله، صبيحة ذلك اليوم الذي أستيقظ فيه، أدخلُ المطبخ فيقابلني منظر أمي وهي تقف عند الموقد، بوقفة ثابتة كالبطل المحارب وبيدها تقبض على الشوكة بقبضة لا تنفلت وهي تناظر أصابع البطاطا غارقةً في الزيتِ باستسلام تام وكأنها العدوّ المواجه لها فتُقلّبها على كل جوانبها بخِفة ملحوظة وبغير شفقة، وبحاسة ما تُدرك أنها استوت فتُخرجها وتُلقي بها في الصحن، وهنا يأتي دوري أنا، أتسلل بمهارة ورشاقة، أرمي بالقطة قُرنفلة أرضاً والتي بدا لي وكأنها سئمت من اللعبِ ومطاردة الكرة معي بعد أن خشيتُ أن تتبعني فتفضحني بمُوائها الذي حتماً سيجعل أمي تلتفت نحوها، وحينها ستُدركُ أنّ ابنتها الظريفة الرقيقة ليست سوى واحدة من لصوص الفْريت.. ولحسن الحظ سارت الأمور بخير.. أعني كما هو الحال دائماً أتسلل خلف أمي، آخذ من صحن البطاطا قدر ما أستطيع وأعود لأخرج بالخفة ذاتها، كان بإمكاني أن أطلب منها فقط لتعطيني، لكن الأمر مُضجرٌ هكذا فتلك السعادة لا يشعرُ بها إلا من يعرفها.. أن تخطف إصبعاً من البطاطا الساخن وتلقي به في فمك لتخرج حرارته من أذنيك فتضحك.. هذا جزء من قصة مُنذر المؤلمة.. شعور كهذا كان يفتقده، في بيت جدتي، كان يراهنني على أنه سيسبقني إلى المطبخ ويعودُ بفم مكتظ بأصابع البطاطا دون أن تنتبه جدتي، لكنه لم يفلح أبداً في هذا، يقفُ متفرجاً وقبل أن تأتي جدتي أكون قد أنهيتُ نصف الصحن وقبل أن يمُد يده يأتيه صوت جدتي من الخلف.. وبهذا يكون قد صُنّف واحداً من لصوص أصابع البطاطا المقلية أيضاً بينما هو لم يُقدَّر له أن يكون كذلك ليشعر بسعادتهم التي لا يعرفها غيرهم.. يتكرر الأمر وكنتُ أنجح في كل مرة..

لم يبقى أيٌّ من تلك الأشياء، الأشياء الثلاثة التي كنتُ أحبها في صغري، صار الأمر يثير بعض الضحك.. فكرةُ أن أجلس قِبالة التلفاز بذراعين طويلتين وساقين أطول أتابع كرتون الصغار بقلبٍ لم يكبُر..

لم يبقى أيٌّ من تلك الأشياء، الأشياء الثلاثة التي كنتُ أحبها في صغري، صار الأمر يثير بعض الضحك.. فكرةُ أن أجلس قِبالة التلفاز بذراعين طويلتين وساقين أطول أتابع كرتون الصغار بقلبٍ لم يكبُر..

دخلتُ بيت جدتي بعد سنوات، وجدتهُ فارغاً.. فارغاً من صوتها وَوَقع خُطواتها ورائحة الحِناء المنبعثة من يديها لكنه كان مليئاً بعطرها.. عطرها الذي تصرفُ عليه الكثير بلا بُخل..

لم يبقى من هذه الذكريات سوى مُنذر الذي تعلَّم بعد إصرار كيف يكون واحداً من لصوص أصابع البطاطا المقلية.. يسابقُ أولاده ليتسلل خلف زوجته ويخطفُ من الصحن دون أن تنتبه ودون أن ينسى عبارتي القديمة.. عليكَ أن تكونَ برقاً.. برقاً إذا أردتَ أن تَحظى بإصبع بطاطا ساخن.. استطاع أن يستشعر تلك السعادة التي لا يشعر بها سوى لصوص أصابع الفريت ولكن متأخراً.. متأخراً جداً.

*شاعرة وكاتبة جزائرية تكتب في أدب الأطفال واليافعين، وقصص في أدب الرعب والفنتازيا.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

⁦3⁩ استجابات لـ “⁦لُصوص الفْرِيت⁩”

  1. عظيم يا شيماء ارجعتني الئ عمر الطفولة الجميل

    إعجاب

  2. صورة أفاتار sara sarita
    sara sarita

    شكرا جزيلا على النشر، أمنياتي بكامل النجاح والتميز، تقبلوا تحياتي..

    إعجاب

  3. رائع جدًّا بحق تفاصيل قصّتك فظيعة، أبكيتني🥹رجعت إلى ذكريات منزل جدّتي وجدّي رحمهما اللّٰه، كلّ التّوفيق لكِ 💜

    إعجاب

اترك رداً على مصطفى إلغاء الرد