عائشة بنت جمعة الفارسية – سلطنة عمان

عندما أضعها بين ابهامي وسبابتي،

أنا لست أنا. أحلّق معها عالياً

أعيش عوالم أخرى.

قد أستفيق من عزلتي معها لأجد من حولي سئموا المكوث ورحلوا.

وعند السفر، ستكون الراحلة قد أناخت بجانب الباب معلنة الوصول.

حينها سأحتاج قرابة خمسة دقائق تمريناً لأصابعي حتى أشعر أنها طبيعية. ويكون الإنجاز شعور لا يوصف.

لا يكُفّ اللسان ذكراً وشكراً مع كلّ لفة خيط وسحب لغرزة.

ألعب مع نفسي لعبة الوقت.

فأحدد وقتاً لانجاز مجموعة من الأسطر في عمل شال. أو قد أنهي قبعة في طريق السفر إلى العاصمة.

لحكايتي بداية.

لم تُسعفني الظروف في اكتشاف مكنونات نفسي، ربما لانشغالي بالدراسة الجامعية، ثم اكمالها بالماستر حتى بدأت رحلتي مع الدكتوراه.

عملت على تجهيز حقائبي وكلّ ما قد أحتاج اليه.

فتحتُ دولاب الأغراض القديمة كما كنت أطلق عليه، فيه من طفولتي ما أحتفظ بهدايا قيمة وسجادة أمي التي آخذها معي في سفري.

بين كلّ تلك الأغراض سحبتُ صندوق معدني، كان لأمي به نقوش ورسوم صينية ينتشر فيه اللونين الأزرق والوردي الفاتح رسوم جميلة، تكثُر فيها زهرة الفاوانيا الصينية.

به انبعاجات بسيطة، رفعت الغطاء. مجموعة من إبر يدوية وبكرتان سوداء وبيضاء. شدّتني سنارة لم أعرف وظيفتها إلا لاحقاً. تكرر مشهد فتحي للصندوق قبل كلّ سفر لي لاحتياجي لمكنوناته.

يومها عزمتُ على سحب سنارة الكروشيه ووضعتها في حقيبة ملابسي.

اعتدت على الاغتراب، فأنا مغتربة في وطني، وحيدة في بيت أخي.

لم يكن في الزواج نصيب لي، غمست نفسي في الدراسة والقراءة والبحث وفي العمل الذي لم أشتكي منه يوماً. وبقية يومي مع مريم التي التصقت بي كابنة قبل أن تكون ابنة أخ.

شاءت الأقدار أن يكون بجانب سكني في سايت هيل مكتبة تديرها مسنة، كلما مررتُ وجدتها على كرسي بجانب الباب الزجاجي.

تحيك على كرسي هزاز على يمينها طاولة، بها سلة وضعت عليها إنتاجها وبَكَرة الصوف التي تغزل بها.

شكلُ السنارة كان مختلفاً عن ما لدي.

كان توقفي أمامها كلّ يوم، عند رجوعي من الجامعة أمر الزامي وجدت منها تشجيعاً خاصة بعد ما أظهرت لها اهتمامي.

كانت سبباً في استكشاف ما لم أجده في نفسي.

باتت وأصبحت وأضحت السنارة المتنفس الذي يُخرج ما لا أستطيع البوح به.

غُصت في متاهات الانترنت وجدت ما أطمح وزيادة، استقر اختياري على اليوتيوب تعرفت على الكثيرات وأدمنت متابعتهن وتطبيق ما أراه.

لم أكن أصدق النتائج.

بعد عودتي، رجعتُ وفي حقيبتي الكثير من غزل يدي لم تصدق ابنة أخي ما وضعته أمامها من نتاج علقت كإجابة لتساؤلات عينيها التي لم تشأ البوح.

نعم صنع يدي.

بعد اكمالي للدكتوراه، لم تصبو الروح لشئ، وجدتُ نفسي محققة ما وضعت من أهداف، لكن ما رغبت به لم أصل إليه بعد، كان هناك خواء حقيقي.

شيء بحاجة إلى الخروج.

مكتظ في دواخلي عدتُ إلى السنارة، كوّنت مع معارفي مجتمع خدمة اجتماعية، استطعت تعليم ما يقارب خمسة من جارات البيت وسط معارضة أخي الذي لم يشأ أن يراني متعبة.

انتشرت الحياكة في الحي وزادت مجموعات الواتس.

كان لي بيتاً واحداً فاشتغلت بها ومعها بيوتاً عدة.

بعد كلّ هذا أخرجت يوماً الصندوق، وضعته فوق مفرش أبيض صغير، كان أول انتاجي تبوأ صدارة الغرفة في وسط المكتبة، برز جمال الرسوم التي على الصندوق، ولكن ما كان بداخله أجمل، سنارتي.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.