سارة خالد
كاتبة جزائرية

المقهى مكانهُ الوحيد الذي يشعر فيه بالصفاء مع نفسه وحيداً مع أفكاره ليتناسى بطريقته كل ما يُشغل عقله، يتهالك إلى مقعده المعتاد على طاولةٍ تقع على جانبٍ من مجموع طاولات الجالسين، يروم الوحدة وقد شعر بارتياح في هذه الجلسة وهو يحظى بفنجان من القهوة على حسابِ أحدهم بعدما خاض نزاعاً اشترك فيه التدافع بالأيدي والصوت المرتفع الغاضب مع النادل الذي كان يأمره بالتنحي وأن يفضي مكانه لزبونٍ غيره ما دام لا يملك ثمناً لما سيشربه وما أسرع نفسه أن تستجيب للغضب وأن يخلق من العدم سبباً كفيلاً بشنِّ معركة كلامية أو مبارزة إن دفعه الأمر لذلك.

نحيل، طويلُ القامة، تكاد تكونُ عظامه ناتئة، تفوحُ من منظره رائحة الحنقِ والأسى التي تعبثُ بملامح الوجه فتُغيره، يرمق بنظرته الوجوه الضاحكة والمشتعلة في أحاديثها الطويلة دون أن يحاول اقحام نفسه في حديث ما أو نقاش جاد يتناول فيه القاعدين آرائهم، فيكتفي بالتفرّس الشارد دون الإصغاء أو الفهم، فيُحادث نفسه وهو يحتسي من فنجانه الساخن رشفات متفرقة كأنما يحافظ عليه من النفاذ بسرعة، ويقول إنهم يضحكون ويخوضون في ثرثرتهم لأنهم سعداء، فلا أحد تعيسٌ يستطيع أن يضحك، وما السعادة غير أن يحظى الإنسان بطعامٍ يدفئ بطنه وراحة تسكنُ باله، وأنا لا أملك شيئاً من أسباب السعادة هذه وكأنّ الدنيا تحاول أن تجعل مني غريماً لها تتجهز أمامه بكل وسيلة لتمنع عنه أحلامه وأمانيه وأنا رجل لا يحلمُ بأكثرِ من واقعه، يحاول أن يتخلص من مخاوف الحياة قبل أن يفكر في البحث عن أسباب السعادة والراحة، وأكبر خوفٍ له هو الجوع الذي يقف أمام حياته وقد ظل عاثر حظ، لم يفلح في أن يعثر على شُغل يكون له به دخل محترم، قد عملَ لأجل ذلك كل عمل وحيلة، وهو اليوم يفقد آخر عمل له ليجلسَ على المقهى يتربص للنظراتِ وينصتُ لهرجِ المتحدثين دون وعي.

واستمر في شرُوده وقد نفذ فنجانه حتى ترامى إليه من مكانٍ قريب حوارٌ من عجوزين يجلسانِ قرب طاولته فأنصتَ له بغير اهتمام، وارتفع صوتُ العجوز ليقول لمحاوره:

لحظتُ أن ابتسامتك جذابة وكأنك شاب عشريني.

فضحك العجوز ضحكة قصيرة قائلاً:

حقاً؟

أجل…

هل تصدق لو أخبرتكَ أنها ليست بأسناني، لقد سقطت أسناني الواحدة تلو الأخرى منذ زمن وهذا طقم وضعته كي يتسنى لي الابتسامة والضحك ومضغُ الطعام براحة.

وابتسم صاحبه ليسأله:

جميل والله، إنه طقم متقن كأنك صاحبه.

أجل، ليس طقماً عادياً فهناك بضعُ أسنان ذهبية تتخلله.

واسترسل العجوز متشجعاً للثناءِ المسموع وراح يفتحُ فمه وهو يحاول نزع طقم أسنانه لصاحبه ثم أعاده بحركةٍ سريعة وهو يقول:

يكلفُ غالياً، لكن يهون المال في سبيل الصحة، المهم أن أقدرعلى الكلام والطعام.

معك حق تماماً، ثم إنهُ يزيد من شبابك.

ووجد الرجل نفسهُ في حوارٍ لا يعنيه بشيء، لكنه أبهره وأخرجه من شروده بطريقة ما حتى انتهى الحديث بالضحكِ والنحنحة وعاود استرجاعه وكأنّ شيئاً ما لفتَ نظره حاول التأكد منه كيف يصرف مبلغاً كبيراً لأجل صنعِ أسنان جديدة؟ هذا العجوز يضع ماله في أسنانه، أليس هذا ضربٌ من المبالغة أو الإسراف الذي لا طائل منه، ويتزين طاقمه بأسنانٍ من ذهب أو فضة في فمه، منذ متى والذهب يوضع في الفم، أي غباء هذا الذي يدفع عجوزاً في أن يصرف ماله مقابل أن يحظى بابتسامة جميلة؟ ثم إنّ صاحبه يسأله وكأنه يرغب في فعل الأمر نفسه..

ورشفَ آخرَ ما تبقى من رواسبٍ في فنجانه وهو يرفعه عالياً ليصوّبه إلى فمه المفتوح ثم قام فجأة كأنما استذكر شيئاً وانطلق يتمشى بخطوات بطيئة يضع بصره على الأرض، وقال كيف أخبرُ ذلك العجوز أنّ هناك ما هو أهم من صناعة أسنانٍ لأجل ابتسامة جذابة، ولكن لماذا أخبره؟ وهو لن يفهمني على أية حال، لما لا أحظى بأسنانه تلك فأنا أحق بهذا المال، يجب أن تكون هناك طريقة ذكية مجدية تجعلني أظفر بذلك الطاقم فأبيعه وأتدبر شؤوني بثمنه، ولمعت من الوجه الهزيل ابتسامة واثقة من نجاح الفكرة الطارئة التي حلّقت حوله لتستقر فجأة في دماغه من حوار انثالَ على سمعه من بابَ الصدفة، وابتسم بهُزء، كيف يمكن لحوار لم يتعدى الثواني من الوقت أن يصنع فارقاً في حياتي ربما يعود عليَّ بنفعٍ غير محسوب.

بعد الساعة الواحدة زوالاً استعد في هيئة غريبة وهو يلفُ وجهه ورأسه بعمامة تغطي كل أثر على أنه هو، أو تكشف شيئاً من ملامحه، لم يترك غير نظرة متربصة تنفذ بحِدة من حدقتي العينين السوداوين وكأنما يخشى أن يقع بصره على من يعرفه، لكن الجو كان يُمهد له متسعاً من الحرية والأمان، فالحرارة الشديدة في هذا الصيف تُبعد الناس عن الشوارع وتجعلهم يلوذون ببيوتهم خشية من شمس محرقة، وهبَّ مسرعاً ليُنفذ ما فكّر لأجله كثيراً قبل أن يخطو بالتجربة الأولى، فترقّب العجوز الذي رآه أمس في المقهى متحدثاً عن طاقمِ أسنانه الجديد، عرف بيته وخرجاته ومواعيده حتى سقط بصره عليه من بعيد وهو يخرجُ من منزله فتتبعه حتى صار واقفاً تماماً بجانبه، ثم غافله بمسكة قوية ساحباً إياه إلى زاويةٍ قريبة ليخلو من أي عابر وهو يتهددهُ، أشار له بحركة إلى موقع فمه، لكنه لم يفهم منه شيئاً حتى صرخ به ليقول:

الأسنان…

وفتح كيساً صغيراً وهو يُوجهه صوب فم العجوز الذي راح يجذبُ طقم أسنانه مرتعداً دون أن يفكر، واستعجبَ مما يحدث فلم يكن بيده غير أن يتصرف سريعاً بما يُؤمر قبل أن تُرد إليه ضربة مباغتة، وأمسك الرجل بغايته ليترك العجوز وشأنه ويفر ركضاً، لقد نجحت تجربته الأولى دون عناء رغم الخوف الطفيفِ الذي اعتراه أول مرة لكنه سرعان ما تغلب عليه، باع طاقم الأسنان وراح يمارس مهنتهُ الجديدة بقلبٍ خافقٍ ويدين قويتين وعزيمة صلبة لا تهابُ شيئاً ليتوجب عليه الآن أن يترصد مواقع العجائز الذين يضعون أسناناً جديدة، لم يتوقع يوماً أنه سيجد مصدر رزقٍ من فم عجوز، إنّ الأمر مربحٌ لا يكلفه شيئاً، يجب مراقبة المقاهي وزوايا الشوارع حيث يتعهد العجائز أن يجدوا راحتهم بالجلوس والحديث، وراح يُعد نفسه للتجربة الثانية ونفّذها بطريقة سهلة وأعاد الكَرَة مرات كثيرة وقد انتفع من الأسنان التي باتت تُدر عليه أموالاً لا تستطيع أي وظيفة أخرى فعل ذلك، إنها توجز له الوقت والتعب، وأشاع الرجل الذعر في قلوب العجائز وخافَ الناس على أسنانهم من اللص المتخفي الذي لم يستطيعوا إمساكه، يهُب الرجل لشغله كلما وجد فرصة سانحة لذلك ثم يواصل حياته بين التجوّل والجلوس على المقهى، وظل سائراً بينهم يعيش من الأسنان التي يبيعها حتى مات وما كاد موته يصنع الراحة بين الخائفين الممسكين لأفواههم حتى عاد ابنه يعيدُ صنعته.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق