مُذكّرات رجلٍ من الخَيمة

*الشّيماء خالد

الأحد 10 مارس 1965 (الجلفة)

لم يكنْ قرارُ عودتي إلى الدّيار بعد سفري الطويل في الخارج قراراً سهلاً، فبالكاد كنتُ قد بدأتُ في تكوين مكانة مهمة لنفسي بعد أن استطعتُ أن أحظى بعمل في شركة مرموقة كانت بالأمس حلماً بعيد المنال، لكن كل هذا الغياب الطويل عن بلادي كان كفيلاً بأن يبعثَ في نفسي شعوراً قاتلاً بالغُربة والحنين فكنتُ في كل مرة أتجاهل شعوري وأنغمس بنفسي داخل حياتي الجديدة التي سعيتُ لأجلها كثيراً وبذلتُ في سبيلها جهداً كبيراً، كنتُ صبيحة هذا اليوم جالساً في حجرتي بالبيت، مرّةً على السرير وأخرى أقفُ عند النافذة وفي أعماقي تتضارب العديد من الأفكار فلا يهدأ لي بال لكن كلُ ما كنتُ أفكر فيه هو أرضي، أن أعود إلى أرضي التي رحلتُ عنها صبياً صغيراً متلهفاً حالماً اليوم أن أعود إليها شاباً مشتاقاً لكلِ شيء فيها، نهضتُ لأقف عند النافذة ورحتُ أتأمل ما يدور بالخارج بقلبٍ مضطرب وعينينِ لا تتوقفان عن الحركة وأنا أحادث نفسي، لقد ألفتُ كل شيء هنا، العمل، الحياة والأصدقاء كل شيء لكن طوال ذلك الوقت كنتُ أشعر بجزء مفقود مني ينقصني، شيءٌ ما يناديني إليه، وفجأة انصرفتُ من مكاني بخطوات سريعة أتجه ناحية الهاتف الموضوع على الكوموند، ودون تفكير وجدتُني أترك رسالة صوتية في هاتف الغرفة لزميلي رشيد قائلاً فيها بلهجة صارمة، “سأعودُ إلى مدينتي لأقضي أيام الإجازة هناك وسأحاول أن أرجع إلى العمل قريباً”.

الأربعاء 13 مارس 1965

كنتُ أشعر في هذا اليوم بسعادةٍ غامرة مع شيء من الارتباكِ كان يزحفُ إلى نفسي على عكس أصدقائي الذين كانوا يلومونني على رغبتي المفاجئة في الرحيل ونحن الذين اتفقنا سابقاً على أن نقضي الاجازة معاً لكنَّ موجة عارمة داخلي ضربت وغيّرت مجرى كل الأمور فلم أجد بُدّا من أن أعتذر إليهم وأودّعهم مستعداً للسفر ومحملاً بالحنينِ والذكريات، فأتخيل نفسي هناك حتى قبل أن أصل فتهربُ مني الكلمات وأحاول تجميعها وتنفلتُ مني الدموع فأحبسها مرغماً وأنا أعدُّ الساعاتِ بدقائقها لا أطيق صبراً على الوصول، كان الوقتُ غروباً حين صرتُ هناك في الجلفة وقبل أن أركب سيارة الأجرة رحتُ أسير كالمذهول وبداخلي نار مشتعلة من الاشتياق أسير وأنا على يقينٍ بأنها لن تخمُد إلا بين أحضانِ عائلتي، فبقيتُ أشاهد ما حولي بعينين دهشتين وكأني أرى الريف الذي نشأتُ فيه لأول مرة في حياتي، في غضونِ ساعات أصبحت هناك، ساعات كانت بالنسبة لي سنوات طويلة وأنا أحلم باللقاء، في اللحظة التي اقتربت فيها من حدود الأرض التي أسكنها رأيتُ المساحة حولي ممتدة شاسعة وعليها نُصبتُ خيام معدودة متباعدة ومجموعة بيوت طينية وبضع أشجارمنتشرة، أعادني منظرها إلى تذكّر صور قديمة من الماضي الذي لطالما افتقدته، وراحت تبعثُ في نفسي شعوراً بالأمان والألفة، لا شيء يُسمع هنا سوى صوتِ الماعز وصياح الأطفال الذي يقطع هدوء المكان المتواصل مع رائحة الخبز الممتزجة بالهواء النقي، هنا رحتُ أمشي ببطئ وعينيَّ لا تكُفان عن التأمل العميق، أتأمل قطيع الأغنام القادم من بعيد ومنظر الأولاد وهم يطاردون بعضهم البعض فيما تعلو ضحكاتهم، تذكّرت نفسي حينها وحين كنت في مثل سنهم تماماً لا توقفني حرارة الشمس ولا الركض حافياً، أصحو باكراً على صوتِ الديكة الذي يشق الفضاء الهادئ، أمضي النهار في حلقات الكُتاب وأنصرف لأقضي المساء لعباً وصياحاً بلا توقف، ورُحت أسترجع نفسي القديمة شيئاً فشيئاً وجعلني هذا أشعر كم أني كنتُ أعيش غريباً في عالمٍ غريبٍ عني لم يكن يربطني به شيء يُذكر، وصحوتُ على وقع خطوات قادمة باتجاهي فإذ بصبي صغير لمحني من بعيد فهبَّ نحوي مستغرباً شكلي الذي بدا جديداً عليه، الثيابُ التي ألبسها وحتى الحقائب التي أحملها، وقفَ أمامي بثباتٍ مبتسماً بخجل واضح، كان يرتدي قندورة وصندلاً، ابتسمت له بسرور كبير فهذا الصبي جعلني أتذكّر نفسي حين كنتُ بعمره، استمر ينظر إليَّ ثم فاجأني بسؤال غير متوقع:

رأيتُ صورتكَ مَرة عند جدتي، هل أنتَ موسى عمي؟

فقلتُ بلهجة لا تخلو من سعادة:

لا بد وأنك ابن أخي صالح، إنك تُشبهه..

فضحك وقال:

صحيح، صحيح أنا ابن صالح.

فنزلتُ إلى الصبي أعانقه ثم جذبني من طرفِ بدلتي يدعوني أن ألحق به وهو يصيح:

عمي موسى هنا، تعالوا جميعاً..

وسُرعان ما أطلّت الرؤوس من كل خيمة وتهافت الأولاد نحوي والجيران وأولهم والديَّ فركضتُ باتجاههما أعانقهما، وأقبل من بعيد صالح يقود أغنامه فأسرع نحوي يعكس وجهه ابتسامة صافية غير مُصدق ما يرى وأنا أسمع عباراتِ ترحيبٍ صادقة تخترقُ قلبي فتمحو عنه كل ما مرّ به وحولي الابتسامات والنظرات الودودة الدافئة جعلتني أشعر أني عثرتُ على ما أبحثُ عنه أخيراً، وفور ما خطوتُ خطوتي الأولى داخل بيتنا حتى بدأتُ أسترد أنفاسي شيئاً فشيئاً، هنا أجد الحب والدفء واللّمة المحببة إلى نفسي والضحك الذي يخرج من القلب، هنا لا أحد يعيش حياته وحده فكل الناس يهتمون لما يُؤرقك ويضحكون لما يُضحكك ويحزنون لما يُحزنك، أما هناك حيثُ كنتُ أعيش فالحياة كانت جافة على رغم توفر ما أريده فقد كنتُ أمضي يومي بمفردي والملل يتسربُ إليَّ فيفقدني لذة كل شيء، هذا هو البيت الدافئ الذي نشأتُ فيه والذي لطالما تأملتُ أشعة الشمس المنبعثة من نوافذه الصغيرة والتي كانت تنعكس على الأرضية فتخلقُ في نفسي شعوراً بالطمأنينة والأمان.

لم تتوقف أمي لحظة واحدة عن العمل بهمة ونشاط فتحضرُ الحطبَ استعداداً للطبخِ ثم تعود فتجلس لتعجن الخبز فيما ترمقني بنظراتِ اهتمام وهي تُصغي لكل كلمة أقولها، كان الجميع سعيداً بحضوري وقال لي صالح بحماس:

اسمع يا موسى عليك أن تستبدلَ هذه البدلة التي تلبسها بالقندورة وترتدي مكانَ القبعة عمامة أما الحذاء فلا بُد لك من صندل..

فضحكتُ بحماس أكبر وقلتُ له:

أعلم، أعلم بدون شك، لو تعلم حجم سعادتي بمجيئي إلى هنا من جديد.

عندها قال:

ونحن سعداء بك أكثر حتى أني في لحظاتٍ كثيرة كنتُ أصرُّ على القول بأنّ مغادرتك منذ البداية كانت مجرد خطأ..

أجل هي الحياة يا صالح تُجبرنا أحياناً على فعل ما لا نريده..

وهكذا فقد قضينا الليل كلّه جالسين أمام النار نخُوض في الحديث عن كل شيء بلا مللٍ أو تعب عندها فقط شعرتُ بأني قد أصبحتُ في مكاني المناسب حيث أنتمي بحق، تفاصيل كثيرة وجدتُني أشتاق إليها وعادات افتقدتها ولم يكن هناك من شيء بقادر على أن يمحو تعلقي بها، سكتَ الجميع للحظة ثم ارتفع صوتٌ من بين الجالسين يقول لي:

غداً سنحتفل بزواج أخي عبد الكريم ولا بد أن تكون أول من يحضر هذا العرس.

فرفعتُ رأسي نحوه وقلت:

سآتي حتماً وسأكون أكثرهم سعادة بهذا الحفل لكن ألم يكن عبد الكريم رافضاً لفكرة الزواج بشدة؟ عجباً!

قال حينها ضاحكاً:

لولا إصرار والدي لظل يطارد قطيع الماعز حتى نهاية عمره، لو تعلم مقدار سعادة والدي به ولو كان بمقدوره لقام بعزم الجلفة كلها لتُشاركه سعادته.

سأفرحُ به إذن وسأرقصُ معه رقصة نايلية تليق به..

وانتشر الضحك والتبريكات وراحت الفرحة تتطاير من العيون.

الخميس 14 مارس 1965

كنتُ أول من استيقظ قبل طلوع الشمس بلحظات، فخرجتُ من البيتِ أسحبُ نفساً طويلاً من الهواء المُنعش البارد حتى لاح إليّ من بعيد منظر أمي بنشاطها المعتاد وهي تقوم بحلبِ الماعز، واجتمعت نساء الجيران كلهم في بيتنا يشتغلون بهمة عالية وتُمسك كل واحدة عملاً معيناً، بينما كان صالح مع مجموعة من شبابِ الجيران يقومون بنصبِ الخيمة الحمراء ويتعاون جميعهم على ذلك فيحملون الأعمدة الخشبية الكبيرة ويثبتونها على الأرض بقوة لترتفع فوقها الخيمة عالياً حتى تجسّدت منتصبة كالقصر المشيد، وانصرفتُ إليهم أمدُّ لهم يد المساعدة ورُحنا معاً نفرش الخيمة بالزرابي والأفرشة الصوفية من الداخل حتى انتهينا في غضونِ دقائق، وما هي إلا ساعات حتى بدأ الضيوف يتوافدون من كلِ جهة وسرعان ما يدخل الرجال إلى الخيمة المخصصة للرجال، وكذا النساء إلى المكان المخصص لهن، وبدأتِ الضجة ترتفع فيُسمع من بعيد صياح الأولاد مُعبرين عن سعادتهم وهم يلبسون عباءات جديدة ونظيفة كما هو الحال مع النساء فقد ارتدين أجمل الفساتين النايلية مع قطعٍ مختلفة من الحُلي تُزينهن فبَدَون في أبهى صورة، وانهمكت بعضهن في إعداد طعامِ العشاء للضيوف المكون من أطباق الكسكس الموضوعة فوقها قطع من اللحم والخضروات، وعلتْ لاحقاً أصواتُ الزغاريد بين الحين والآخر مع صوتِ الضربِ على البنادير يصحبُها صوت سِي مُبارك وهو يغني بصوته ألحاناً جميلة من أغنية نايلية تلامس كلماتها قلبَ الكبير والصغير، فينطلقُ من امتلك منهم الجرأةَ في الرقص فارداً ذراعيه وهازاً كتفيه جاذباً بهذا انتباه من حوله فيحوّلون أبصارهم نحوه فيما تعلو حوله التصفيقات المتفاوتة، كنتُ حينها قد انضممتُ إلى الجالسين بعد أن اخترتُ أن أرتدي القندورة والعمامة البيضاء، في حين كان صالح لا يستغني عن ارتداء البذلة العربية بقطعها الثلاث مع عمامته حتى أنه بدا أنيقاً أكثر من العريس نفسه، ولم يصبر سوى للحظات حتى انغمسَ في الرقصِ بزهو وفرح وهو يهتز مع ضربات البندير الصاخبة، ثم أقبل العريس وسط التهليلات ليتخذ له مكاناً بين الجالسين وراح الأولاد يرمُقونه بنظراتِ الإعجاب وهو يظهر بصورة ملكية وقورة بفضل لباسه ووقفته والبرنوس الأبيض المُلقى فوق كتفيه والذي أضفى عليه بهاءً ورفعة وانهالوا عليه يصافحونهُ بحرارة يباركون له زواجه ويتمنون له حياة سعيدة، وسريعاً اقتربَ موعد العشاء فانصرفوا واحداً في إثر الآخر.

السبت 23 مارس 1965

لا أظنني سأشبع من الانصاتِ لهذا الهدوء الذي يكسو الجو، ولا من الجلوسِ تحت ظل هذه الشجرةِ الكبيرة التي أنا متكئٌ على جذعها الآن، إنّ كل فترة من النهار لها ذكرى خاصة ومذاق خاص تشتاقهُ نفسي ولا تسأم منه فأشعُر وكأنّ مدينتي الجلفة تقتلعني من أي مكانٍ أذهب إليه لتعيدني إليها، وها أنذا قد أصغيتُ إليها وعدتُ حاملاً قلبي المشتاق، وصلني بالأمس ظرفٌ به رسالة من رشيد يقول فيها بأنّ حضوري هناك صار شيئاً لا بد منه لمسألة عاجلة تخص العمل، فكتبتُ إليه أقول:

عزيزي رشيد..

هل تذكُر حين أخبرتكَ أني أفتقد شيئاً ما، شيئاً لا أعلم ما هو، أجل أظنني قد وجدتُه وهو الآن قد صار بالنسبة لي كنزي الثمين، ذلك الشيء المفقود مني هو الجلفة التي تدعوني إلى البقاءِ فيها وقد فضّل قلبي هذه السكينة والجمال على ذلك الصخبِ الذي كنت أعيشهُ، تمنحني هذه الشجرة ظلاً رائعاً لم أجده تحت أي سقفٍ ويمنحني هذا الهدوء نفساً حالمة لا تخاف من شيء، وتمنحني بساطة الحياة هنا سلاماً داخلياً وطمأنينة لا مثيل لها، سأقضي هنا أياماً رائعة من عمري، حكاياتُ المساءِ مع الرفاقِ على ضوء القمرِ ولمعان النجوم، والتيه برفقة قطيع الأغنام والعودة به مساءً، رائحة الكسكس المصنوعِ من يدي أمي، دفء عائلتي، والكثير من الهدوء…

صديقكَ الوفيّ

موسى

      

*شاعرة وكاتبة جزائرية تكتب في أدب الأطفال واليافعين، وقصص في أدب الرعب والفنتازيا.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق