محمد البلوشي
لتصبح كاتباً، تحتاج إلى فهم وبناء مهارات معينة خطوة بخطوة، فالكتابة حرفة تحتاج إلى صقل وتدريب مستمر، كما تحتاج لأن تتعلّم فيها قواعد السرد، وتطوير مهارات الوصف، وفهم هيكلة النصوص، واختيار اللغة المناسبة لكل نوع من الكتابة، كل خطوة تُنجزها تساعد في بناء أسلوبك الشخصي وصوتك الكتابي المميز، ذلك الصوت الذي يجعل قراءك يتعرّفون عليك بين آلاف النصوص الأخرى.
لتحقيق هذا الهدف، تعمّق في المفاهيم الأساسية للكتابة واكتسب الخبرة من خلال الممارسة اليومية، ابدأ هذه الرحلة بالقراءة المكثفة لتُغذي خيالك وتوسّع إدراكك، ثم انتقل إلى التعبير عن أفكارك بوضوح لتبني أسساً قوية لنصوصك، فالاستمرارية في الكتابة والتزامك بتحسين إنتاجك من خلال التحرير المستمر واستقبال النقد البنّاء، هي خطوات لا غنى عنها لتطوير مهاراتك، لا يتعلق الأمر فقط باكتساب معرفة نظرية، وإنما تطبيق عملي وميداني يُثري أسلوبك ويمنحك الثقة لتقديم أفكارك للعالم بوضوح.
1- قراءة الكتب وفهم الأساليب
القراءة تُعتبر الخطوة الأولى والأساسية لأي كاتب طموح، فهي الطريق الذي تفتح أمامه أبواب الإبداع وتمنحه فهماً عميقاً للأساليب الأدبية المتنوعة، ومن خلال القراءة، يتعرّف الكاتب على الأساليب المختلفة في بناء الشخصيات، وتطوّرها، وطريقة التعبير عن الأفكار المعقدة بشكل فني، وفي الأدب العربي، يمكن للكاتب أن يغوص في روايات مثل ثلاثية نجيب محفوظ التي تجسّد عبقرية السرد، وتعكس الحياة المصرية عبر الأجيال، وتُظهر براعة محفوظ في تحويل تعقيدات الحياة اليومية إلى أدب خالد، وكذلك تأتي رواية كلمة الله للروائي الأردني أيمن العتوم لتُقدم تجربة أدبية مميزة، يمزج فيها السرد الروائي مع التأملات الفلسفية العميقة، وتركّز على الصراع الداخلي مع الذات والوجود، وبدوره يمنح القراء فرصة لاستكشاف أفكار فلسفية ودينية معقدة بطريقة روائية ممتعة وغنية.
أما في مجال التعبير عن الذات والتجربة الإنسانية، فإنّ كِتاب الأيام لطه حسين يُعد نموذجاً للتجارب الشخصية وتحوّلها إلى عمل أدبي يمس القلوب ويثير التعاطف، كذلك، قراءة الأعمال المسرحية لتوفيق الحكيم، مثل أهل الكهف، تعطيك منظوراً جديداً حول توظيف الحوار العميق والفكرة الفلسفية في إطار درامي، تعتبر هذه الأمثلة من الأدب العربي أدوات عملية تمنحك مهارات لبناء نصوصك الخاصة بأسلوب قوي ومؤثر.
2- التعبير عن الأفكار بوضوح
الأفكار وحدها لا تكفي لجذب القارئ؛ فهي تحتاج إلى صياغة دقيقة تضعه في قلب التجربة، ليعيش اللحظة ويتفاعل مع المشاعر والكلمات، ولتحقيق ذلك، ابدأ بتدريبات كتابية بسيطة تعتمد على وصف الأشياء التي تعرفها جيداً، لأنّ التفاصيل الدقيقة هي التي تجعل النص ينبض بالحياة، حاول الكتابة عن طريقتك في إعداد القهوة صباحاً، وحوّل هذا النشاط الروتيني إلى مشهد حيوي يثير حواس القارئ، تحدّث عن ملمسِ الحبوب بين يديك، عن صوتِ الماء وهو يغلي، عن الرائحة التي تملأ الغرفة وتوقظ مشاعرك، وعن المشهد البصري للكوب وهو يمتلئ تدريجياً بالسائل الداكن، هذه التفاصيل الصغيرة تعطي النص عمقاً وتدفع القارئ للشعور وكأنه موجود معك في تلك اللحظة، هذا النوع من الوصف الواقعي هو أساس بناء النصوص القوية والملهمة، ويُظهر قدرتك على تحويل البساطة إلى تجربة أدبية ثرية.

3- التدرّب على الكتابة باستمرار
تحتاج مهارة الكتابة، إلى التزام وممارسة يومية لتطويرها وصقلها، ولهذاخصص وقتاً للكتابة، حتى لو كان 15 دقيقة فقط، وليكن هذا الوقت مقدساً، ابدأ بتدوين مذكرات يومية تُسجل فيها أفكارك، مشاعرك، أو أحداث يومك العادية، إذا كنتَ تفضل التحدي، جرّب كتابة قصص قصيرة تدور حول فكرة أو مشهد معين، التزم يومياً بكتابة فقرة واحدة على الأقل أو صفحتين كاملتين حول موضوع تختاره، مثل وصف غروب الشمس، أو مشهد من المقهى الذي تزوره، أو حتى فكرة عابرة خطرت لك أثناء الطريق، هذه الممارسة ستُدربك على بناء تراكيب لغوية متينة وتنمية خيالك الأدبي، وستبدأ -مع مرور الوقت- بملاحظة تطوّر ملموس في أسلوبك، سواء من حيث اختيار الكلمات، أو صياغة الجُمل، أو حتى طريقة عرض الأفكار، وتزيد من ثقتك بنفسك ككاتب مبتدئ يسير بخطى ثابتة نحو الاحتراف.
4- التفكير في الجمهور الذي تكتب له
عندما تبدأ بالكتابة، لا تجعلها مقتصرة على التعبير عن أفكارك لنفسك فقط، بل ضع دائماً في اعتبارك القارئ الذي ستصل إليه كلماتك، تخيل هذا القارئ أمامك، واستحضر اهتماماته ومستوى فهمه وطبيعة الموضوع الذي يتوقع منك معالجته، التفكير في الجمهور هو عنصر أساسي يساعدك على تحديد نبرة كتابتك، وانتقاء الكلمات المناسبة، وصياغة أفكارك بطريقة واضحة وجذابة، إذا كنتَ تكتب للأطفال، فإنّ اختيارك للغة سيصبح بسيطاً ومباشراً، مع إضافة لمسات خيالية وأسلوب خفيف يجعل النص مشوقاً ومناسباً لعالمهم، أما إذا كنتَ تكتب مقالاً فلسفياً أو أكاديمياً، فستحتاج إلى استخدام لغة أكثر عمقاً وتركيباً، مع الحرص على تقديم أمثلة دقيقة وتفاصيل تُظهر قوة حِججك، فهم الجمهور المستهدف يمنح كتابتك قوة تواصل فعّالة، لأنك بذلك تكتب بأسلوب يتحدث مباشرة إلى عقل وقلب من يقرأ، ويجعل نصوصك أكثر تأثيراً ونجاحاً.
5- البناء المتسلسل للأحداث والأفكار
كل قصة أو مقال ناجح يعتمد على وجود هيكل منظم يُرتب الأفكار والأحداث بشكلٍ منطقي يجذب القارئ ويمنحه تجربة قراءة ممتعة وواضحة، في القصة، تعرّف على العناصر الرئيسية للسرد، مثل البداية التي تقدم الفكرة أو الشخصيات وتضع القارئ في أجواء النص، والعُقدة التي تمثل التحدي أو المشكلة التي تدفع الأحداث للأمام، والنهاية التي تُجيب عن الأسئلة وتترك أثراً في ذهن القارئ، وفي حالة كتابة مقالة، يصبح تنظيم الأفكار أمراً محورياً، ويجب أن يكون هناك تدفق سلس بين الفقرات حتى يشعر القارئ وكأنك تأخذ بيده في رحلة مفهومة ومترابطة.
6- تطوير مهارات التحرير وإعادة الكتابة
بعد الانتهاء من كتابة المسودة الأولى لأي نص، يبدأ الجزء الأهم في عملية الكتابة، وهو المراجعة والتعديل، الكتابة الجيدة غالباً ما تنبثق من عملية إعادة الصياغة المستمرة والتعديل الدقيق، عندما تكتب قصة قصيرة أو مقالاً، قد تشعر بأنك قد أنجزت عملك، ولكن الحقيقة أنّ النص يحتاج إلى وقت كي يُنظر إليه بعين النقد الموضوعي، لهذا السبب، من الأفضل أن تترك النص جانباً ليوم أو يومين بعد كتابته، وتعود إليه لاحقاً، هذه المسافة الزمنية ستساعدك على قراءة النص بعيون جديدة، وتجعل من السهل اكتشاف الأخطاء اللغوية أو الأسلوبية، أو حتى الصياغات التي قد تكون مبهمة أو غير دقيقة، وستلاحظ أيضاً أنّ بعض الجُمل قد تكون طويلة جداً أو غير متماسكة، بينما يمكن تحسين بعض الفقرات لتكون أكثر إقناعاً ووضوحاً، بعد التحرير، ستحصل على نص يبدو أكثر سلاسة وتنظيماً، وتصبح الأفكار واضحة تماماً والقارئ قادر على متابعة النص بسلاسة أكبر، وبالتالي، لا تتوقع الكمال في المسودة الأولى، بل اعتمد على التعديل المستمر لتصل إلى نص نهائي يعكس مهارتك في الكتابة بشكل حقيقي.
7- البحث عن التغذية الراجعة
من الضروري أن تكون مستعداً للاستماع إلى آراء الآخرين حول كتابتك، التفاعل مع جمهور أو مع كتّاب آخرين يمكن أن يكون له تأثير بالغ في تطوير مهاراتك وتحسين أسلوبك، فالكتابة عملية تتطلّب مرونة، وأحياناً من الصعب رؤية نقاط الضعف في عملك عندما تكون عاطفياً وتتشبّث برأيك، ولهذا تعتبر ملاحظات الآخرين بمثابة نافذة جديدة تتيح لك رؤية النص من منظور مختلف، لذلك الانضمام إلى مجموعات كتابة سواء كانت عبر الإنترنت أو في محيطك، ستُوفر لك هذه المجموعات بيئة داعمة للنقد البنّاء، وتتيح لك تبادل النصوص والملاحظات حول الأفكار والتقنيات، كذلك، ورش الكتابة تُمثل فرصة رائعة للتفاعل مع كتّاب آخرين، وتطوّر أدواتك الكتابية، وستتفاجأ غالباً بالتعديلات والاقتراحات التي قد يطرحها الآخرون، والتي ربما لم تكن قد لاحظتها من قبل، وتمنحك الفرصة لتحسين قدراتك النقدية والتعلّم من تجاربهم.
لا تخشى أن تكتب بأسلوبك الخاص، حتى لو بدا مختلفاً عن الأساليب التقليدية أو السائدة، تذكر أنّ الكتابة هي عملية استكشاف، ولا يوجد طريقة صحيحة واحدة للتعبير عن الأفكار، قد تجد نفسك تميل إلى الكتابة بأسلوب وصفي يُعبر عن التفاصيل الدقيقة والمشاعر الخفية، أو ربما تميل إلى الأسلوب الفلسفي العميق الذي يستكشف المعاني وراء الأحداث والأفكار
8- تطوير صوتك وأسلوبك الخاص
الصوت الكتابي هو من أهم العوامل التي تُميزك ككاتب، وتعكس شخصيتك الأدبية، هو الأسلوب الذي تتبعه في التعبير عن أفكارك ومشاعرك، وينبثق من طريقة اختيارك للكلمات، هيكل الجُمل، وطريقة سردك للأحداث، لا تخشى أن تكتب بأسلوبك الخاص، حتى لو بدا مختلفاً عن الأساليب التقليدية أو السائدة، تذكر أنّ الكتابة هي عملية استكشاف، ولا يوجد طريقة صحيحة واحدة للتعبير عن الأفكار، قد تجد نفسك تميل إلى الكتابة بأسلوب وصفي يُعبر عن التفاصيل الدقيقة والمشاعر الخفية، أو ربما تميل إلى الأسلوب الفلسفي العميق الذي يستكشف المعاني وراء الأحداث والأفكار، استمر في الكتابة بهذا الأسلوب حتى تجد الصوت الذي يناسبك ويتماشى مع طبيعتك الكتابية، النظر إلى أعمال كبار الأدباء مثل غابرييل غارسيا ماركيز وأرنست همنغواي يمكن أن يكون مصدراً للإلهام، ويُظهر كل منهما أسلوباً مميزاً يعكس شخصيته الأدبية، ماركيز يستخدم أسلوب شعري ومليئ بالرمزية في رواياته، بينما اختار همنغواي أسلوب مباشر وبسيط، لكنه عميق من حيث المعاني، بهذه الطريقة، يجب أن تستمر في استكشاف طريقتك الخاصة في الكتابة حتى تصبح لديك هوية أدبية واضحة تُميزك بين الكُتّاب الآخرين.
9- الصبر والتعلّم من الفشل
طريق الكتابة، مليء بالتحديات التي قد تُشعرك بالإحباط أو الإحساس بعدم التقدير في بعض الأحيان، ستُواجه بلا شك انتقادات قاسية، ورفض من دور النشر أو حتى من القارئ العادي، هذا جزء من العملية، وعليك أن تكون صبوراً وتتقبّل هذه المواقف كفرص للتعلّم والنمو، والكتابة تتخللها فترات من الشكوك، الأخطاء، والتجارب الفاشلة التي لابد أن تقف عندها لتتعلّم منها، معظم الكتّاب البارزين مرّوا بتجارب من النقد والرفض قبل أن يحققوا النجاح، ستيفن كينغ، الذي يعتبر من أكثر الكتّاب مبيعاً في العالم اليوم، واجَه رفضاً في بداياته، لكنه لم يستسلم، واصل الكتابة على تحسين مهاراته، النجاح في الكتابة هو نتيجة للتعلّم المستمر والتغلّب على التحديات والصبر في مواجهة الصعاب.
بتعلّم هذه المبادئ وممارستها بانتظام، ستبدأ ببطء في بناء أسلوبك الكتابي الخاص وفتح الأبواب أمامك لتصبح كاتباً محترفاً.
والآن.. ما هي النصيحة التي يمكنك تقديمها للكتّاب الجُدد؟


أضف تعليق