ليلى جبارة

تعود الخالة مريم بذاكرتها لأكثر من ستين سنة وتحديداً إلى عام 1961م في حي بلفور بمدينة الحراش 14كم شرق الجزائر العاصمة، حيث كانت تعيش مع عائلتها المكونة من أب وأم وثمان أخوات وأخ واحد.

عدد كبير من الأخوات جعلها تحظى بكثير من المرح واللعب في بيت فخم من طابقين واسعين والأجمل من ذلك الحديقة الغناء التابعة له، حيث كانت تستمتع كثيراً بتشكيل باقات الورود الجورية، صُنع عقود الياسمين، وقطف ثمار التين الناضجة من الشجرة العملاقة والمُعمرة منذ عقود والتي يناديها الجميع بعُنق الحمام، فيستظل من يجلس تحتها وقد يغفو لما يحُفه من نسيمها وظلالها الوارفة.

كانت مريم فتاة ذكية ونشيطة تساعد أمها يومياً في أشغال البيت وتتعلّم من جارتها كيف تُطرز الفساتين لتكتسب حرفة مفيدة أو كما يسميها العامة بالصنعة.

حياة بسيطة لكنها مفعمة بالحياة في كنفِ عائلة محبة وهذا ما جعل مريم تشعر بالرضى دوماً ولا تفارق الابتسامة ثغرها.

في منتصف ليل إحدى ليالي الشتاء الباردة استيقظ الجميع على صوتِ صراخ وارتطام وجلبة قوية، لكن لا أحد يجرؤ على الخروج للاستفسار أو معرفة ما يجري لأنّ الشارع محظور ما إن يُرخي الليل سدوله. 

هرع أبو مريم لاختلاس النظر من خلف ستار النافذة بحذر وتبعته مريم وقلبُها يخفق من الخوف ورفعت الستارة ونظرت للخارج وكان أول ما جلب انتباهها هو كشافات النور التي كان يحملها بعض الرجال المسلحين وهم يوجهون اللكمات والشتائم لرجل مقيد لشجرة التين كانت نظرة خاطفة لأنّ أمها سحبتها بسرعة حتى لا تجلب انتباه من في الخارج لكن المشهد بقي راسخاً في ذاكرة مريم لحد الساعة. 

وبعد حوالي ساعة من الزمن عاد سكون الليل مجدداً ليُخيم على المنطقة وعاد معه السكان للنوم. 

وفي الصباحِ الباكر خرج الأب والأم وتبعتهما مريم وأخواتها فإذا بهم يُصدمون بمنظر الشجرة الملطخة بالدماء والأغرب أنّ الدماء لم تكن جافة وكأنّ الشجرة كانت تنزف. 

أمام بشاعة المنظر أشار للأمِ باصطحاب البنات للداخل ومنعهن من الخروج وإحضار أدواتِ التنظيف لمسحِ كل تلك الدماء وتنظيف المكان. 

وفي عصر ذلك اليوم جاء العم أحمد ليرتشفَ فنجان قهوته على عادته مع أبي مريم، وبدأ يروي ما تم تناقله من أخبار في الحي، تنهد قائلاً: “إنهم مجرمو لو وا أسلقد أشبعوا الرجل ضرباً ثم قتلوه -رحمة الله عليه- نحتسبه شهيداً إن شاء الله حي يرزق”. 

علّق أبو مريم: “يا لهم من أنذال.. لن يُفلحوا بمسعاهم في ترهيبنا.. فلتحيا الجزائر”. 

نظرت مريم لأبيها وقالت: “أبتي من هم لو وا أس هل هم الاستعمار الفرنسي؟” 

أجابها الأب: “اسمعي يا ابنتي جيداً وإياك أن تخافي من ظالم مجرم فالخوف من الله وحده، وهو من يملك أمرنا، وهؤلاء السفلة هم منظمة الجيش السري يشتهرون باسم (أو وا أس) أي OAS وهو اختصار للاسم باللغة الفرنسية ( L’Organisationde l’armée secrète) وهي مجموعات تبنّت العمل المسلح للقيام بأعمال تخريبية تستهدف المدنيين العزل وتدمر المنشآت الاقتصادية والاجتماعية رفضاً لاستقلال الجزائر وخروج المستعمر وقد ضمّت عدداً من القادة العسكريين والضباط وحتى المدنيين الرافضين مغادرة الجزائر والواهمين بأنّ شعارهم الجزائر فرنسية لن يزول”. 

قالت مريم بثبات: “هل هم من قتل خالي جمال -رحمة الله عليه- يا أبي؟” 

قال الأب: “خالك جمال -طيب الله ثراه وأكرم مثواه- استشهد في ميدان الشرف كان يقاتل ببسالة في معركة جبل مونقورنو التي جرت وقائعها في 30 ديسمبر 1958 بمنطقة الزوبيرية (غرب المدية) حيث لحقت هزيمة نكراء بقوات فرنسا أمام بسالة المجاهدين، استعان الجيش الاستعماري بسلاح المدرعات والطيران ليتأجج لهيب المعركة، وخابت يومها مزاعم أنّ الجيش الفرنسي قوة لا تقهر، رحم الله الخال جمال وكل من استشهد مقبلاً غير مدبر”..

مرّت الأيام وعادت عائلة مريم لحياتها بشكل طبيعي ولم يُعد أحد يذكر الحادثة لكثرة الجرائم التي تحدث يومياً والمتهم طبعاً الجيش السري المجرم، وبعد مضي سنة كاملة وتحديداً بتاريخ الليلة نفسها من السنة الموالية استيقظ الجميع على صوتِ الصراخ والضوضاء فحاول الأب أن ينظر من النافذة لمعرفة ما يحدث لأنه يستحيل أن يحدث شيئاً مماثلاً والجزائر قد نالت استقلالها ولم يعد هناك لا جيش سري ولا استعمار فرنسي، والمفاجأة أنّ الأب لم ير شيئاً في حين استمرت الأصوات العالية لساعة من الزمن ثم عمّ الهدوء. 

وفي الصباح خرجت مريم وأخواتها إلى الحديقة ليُصدمن بشجرة التين مضرجة بالدماء كما كانت عليه منذ سنة تماماً.. وجاء أهل الحي للاستفسار عن الأصواتِ وصُدموا برؤية الدماء لأنهم لم يرووا أحداً في الجوار. 

تعاون الجيران مع أبي مريم ونظّفوا المكان لكن علامات الحيرة ظلّت تُحيط بالجميع، وبين التفسيرات الغيبية ومحاولة إيجاد مبررات تم نسيان الأمر، ليعود مجدداً في السنة الموالية بالمكان نفسه والتوقيت ذاته والصراخ والجلبة المماثلة لكن لا أحد ظهر بالمكان. 

فأشار بعض الجيران على أبي مريم بقطعِ الشجرة والتخلص من هذا الكابوس، وفسّروا الأمر على أنّ الجن قد سكنوا المكان، فحسب الموروث الشعبي أنهم يعيشون في البُقعة التي تحدث فيها جريمة وتُسفك الدماء ولن يرحلوا بسهولة. 

عزّ على العائلة قطع شجرتهم العتيقة وهي تحمل معها ذكريات وتاريخاً عريقاً.  

لكن لم يكن هناك خيارٌ آخر. 

تتذكر مريم جيداً حزنها العميق وهي ترى الفؤوس تهوي على جذعها وحاولت بمرارة حبس دموعها ثم قالت: “ضحّينا بالشجرة ويا ليت الأمر توقف، ففي السنة الموالية وفي الليلة نفسها تكرر ما حدث منذ ثلاثة سنوات وارتفع الصراخ وتلطّخ ما بقي من جذع الشجرة بالدماء وصرنا نعيش في رعب ولا نقترب أبداً من المكان بل لا نخرج قط للعبِ في الحديقة ويتكرر الحدث في كلِ ليلة توافق الليلة الأولى للجريمة، كنا نقرأ القرآن لنشعُر بالسكينة والاطمئنان حتى تمضي الليلة بسلام، وفي النهاية قرر أبي الرحيل ومغادرة المكان لأنّ الحياة استحالت في بيتنا الجميل وتحوّلت إلى سلسلة رعب تتكرر كل سنة، بحثنا كثيراً علّنا نجد بيتاً في الجوار فقد ألفنا الحي وأهله وبيننا علاقة طيبة لكننا لم نجد، فاشترى أبي بيتاً آخر في منطقة تبعد حوالي ثلاثة كيلومترات عن بيتنا وتحديداً في حسين داي وعادت حياتنا لطبيعتها لكني لم أنسَ يوماً شجرة التين التي تنزفُ في ذكرى تلك الليلة المشؤومة ولم نجد لها تفسيراً”. 

أطرقت الخالة مريم رأسها لبعض الوقت ثم بدأت تُدندن : “خويا المجاهد ما جينيش فالليل فرنسا الخداعة تقتل فالسيفيل (المدنيين)… خويا المجاهد ما جينيش للدار فرنسا الخداعة تقتل فالدوار..” وظلّت تستعيد أناشيد الطفولة الثورية التي ظلّت عالقة بذاكرتها وتستعيد معها حكاية شجرة الدماء المرعبة… 

* القصة مستوحاة من أحداث حقيقية


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “شجرة الدماء”

  1. صورة أفاتار wail kEZADRI
    wail kEZADRI

    إن عداء فرنسا عقيدة، هذا يقيننا ويقين أجدادنا وآبائنا وأبنائنا، فجرائمها لا ولن تنسى وما قامت به يفوق قدرة تحمل الإنسان لكن الشعب الجزائري تحمل وناضل بثبات، أبناؤه الأبرار حملوا لواء الجهاد المقدس بفخر وثبات.

    الخلفية العقدية هي الدافع الأساسي الذي مد المجاهدين بالعزم على خوض حرب غير متكافئة ضد المستعمر الفرنسي الصليبي، والتسارع للدخول إلى ميدان الشرف، وشهادات رجالات الثورة توقع على أن مواثيق النضال من صميم عقيدتهم الإسلامية، رافعين التكبير في أرض القتال، مستبشرين بآيات القرآن الكريم، في تحقيق النصر على العدو أو الارتقاء بالشهادة..الله أكبر.

    إعجاب

أضف تعليق