يوسف الخطيب
لطالما كانت الكتابة حلماً يراودني، لكنها أيضاً كانت معركة، عندما أمسكتُ القلم لأول مرة، كنتُ أعتقد أنّ النجاح في الكتابة يعني أن أُتقنها من المحاولة الأولى، أن تكون كل جملة أكتبها مثالية، وكل فكرة تخطر ببالي جديرة بالنشر، لكن الحقيقة كانت مغايرة تماماً، في كل مرة جلستُ فيها لأكتب، كانت الأخطاء تتراكم، والمشاريع تتوقف قبل أن ترى النور، كنتُ أشعر بالفشل، وكأنه حاجز يمنعني من الوصول إلى ما أطمح إليه.
مع مرور الوقت، بدأتُ أكتشفُ شيئاً لم أكن أراه: الفشل لم يكن عدوي، بل كان أعظم معلّمٍ لي، كل نص رفضته، وكل قصة لم تكتمل، كانت تحمل في طيّاتها دروساً خفية تنتظر مني أن أتعلّمها، الفشل لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية مسار جديد ومختلف.
في هذا المقال، سأشارك معكم 9 دروس ثمينة تعلّمتها من الفشل في الكتابة، دروس غيّرت الطريقة التي أنظر بها إلى عملي، وإلى نفسي ككاتب، إذا كنتَ كاتباً، فربما تجد في هذه التجارب شيئاً يُلهمك أو يساعدك على النجاح في الكتابة، ورغم كل العقبات، تذكّر، الفشل ليس النهاية، إنه بداية جديدة مليئة بالإمكانيات.
1- الفشل يكشف صوتك الحقيقي
عندما تبدأ الكتابة، غالباً ما تجد نفسك متأثراً بأصوات كتّاب آخرين، تحاول تقليد أسلوبهم، بناء حبكات تشبه أعمالهم، وحتى اختيار مواضيع تبدو وكأنها خرجت من دفاترهم، في البداية، تعتقد أنّ هذه هي الطريقة الصحيحة، أن تسير على خطى من سبقوك لتصنع لنفسك مكاناً بينهم، لكن هنا يأتي الفشل ليكشف الحقيقة: هذا الصوت ليس صوتك، النصوص التي لا تشعر معها بالرضا، والمراجعات التي تقودك إلى إلغاء كل شيء – كلها إشارات بأنك لم تكن تكتب بصدق، بل كنتَ تحاول أن تكون شخصاً آخر.
الفشل يعلّمك، ببطء وبقسوة أحياناً، أنّ الكتابة ليست تقليداً، بل اكتشافاً لما يميّزك كفرد، عندما تكتب نصاً وتشعر أنه ناقص أو غير مُعبّر، فإنّ ذلك يدفعك إلى البحث بشكلٍ أعمق، ما الذي أريد قوله؟ وما الطريقة التي تُمثّلني؟ الفشل يشبه المرآة التي تعكس زيف ما كنتَ تحاول تقديمه، لكنه في ذات الوقت يُرشدك نحو الصدق – صدق الكلمات التي تأتي من أعماقك، والتي تُعبّر عنك وحدك دون أن تقتنع بأسلوب أحدٍ آخر، وبوابة العبور إلى صوتك الحقيقي.
الفشل يُحررك من قيود التفكير التقليدي، لأنه يُجبرك على أن تتجاوز ما كنت تعتبره مألوفاً، وكثير من الأفكار العظيمة وُلدت من لحظات الإحباط والفوضى، ووجد الكُتاب أنفسهم مضطرين للابتكار للخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه نصوصهم الفاشلة.
2- الإبداع يولد من الأخطاء
الفشل في الكتابة غالباً ما يبدو وكأنك اصطدمت بجدار لا يمكنك تجاوزه، لكن الحقيقة هي أنّ هذا الجدار ليس عائقاً، بل بوابة تُخفي وراءها فرصاً إبداعية لم تكن لتراها لولا اصطدامك به، عندما تكتب نص وتشعر أنه غير ملائم أو لا يصل إلى مستوى توقعاتك، فإنّ هذا الشعور بالإحباط يدفعك إلى التفكير خارج الصندوق، ماذا لو جرّبت طريقة مختلفة؟ ماذا لو قلبت الفكرة رأساً على عقب؟ الأخطاء تمنحك مساحة لتجربة أشياء جديدة، مثل صياغة الشخصيات بطرق غير مألوفة، استخدام أسلوب سرد مختلف، أو حتى التلاعب بالحبكة بشكل غير تقليدي، النصوص التي تفشل في البداية تتحوّل إلى نقطة انطلاق لفكرة أكبر وأعمق لم تكن لتخطر ببالك لو أنك نجحت من المحاولة الأولى، الفشل يُحررك من قيود التفكير التقليدي، لأنه يُجبرك على أن تتجاوز ما كنت تعتبره مألوفاً، وكثير من الأفكار العظيمة وُلدت من لحظات الإحباط والفوضى، ووجد الكُتاب أنفسهم مضطرين للابتكار للخروج من المأزق الذي أوقعتهم فيه نصوصهم الفاشلة.
3- الصبر سلاح الكاتب الأساسي
الكتابة، مثلها مثل أي مهارة أخرى، تحتاج إلى الوقت لتنضج، والفشل هو المدرسة التي تعلّمك قيمة هذا الوقت، عندما تبدأ الكتابة، قد تكون متحمساً لإنهاء روايتك الأولى في غضون أيام أو أسابيع، أو تتوقع أنّ فكرتك العظيمة ستتحوّل بسهولة إلى نص مكتمل يُعجب به الجميع، لكن الفشل يأتي ليُبطئك، ليُخبرك أنك لا تستطيع استعجال الإبداع، أول مسودة قد تكون مخيبة للآمال، والقصص التي تتوقف في منتصفها قد تشعرك بالإحباط، لكن هذه المحاولات الفاشلة تزرع في داخلك صبراً جديداً، الصبر هو القدرة على الجلوس مع النصوص المربكة، مع الأفكار غير المكتملة، ومع الجُمل التي لا تُعبّر عنك كما أردت، وهو الاستمرار في الكتابة وإعادة الكتابة رغم الشعور بالإحباط.
مع كل مرة تفشل فيها، تتعلّم أنّ النجاح في الكتابة لا يأتي بضربة حظ أو بلحظة إلهام عابرة، بل يأتي من المثابرة، من أن تأخذ وقتك لصقل نصوصك، لتحسين فكرتك، ولتتعلّم أنّ كل كلمة تكتبها تحتاج إلى نفسٍ طويل لتجد مكانها الصحيح، الفشل يعلّمك أنّ الكتابة تحتاج منك أن تكون قادراً على التحمّل، وعلى تقبّل أنّ الإنجاز العظيم قد يستغرق وقتاً أطول مما كنت تتوقّع.
4- التعلّم المستمر ضرورة
كل مرة تفشل فيها ككاتب، تكتشف أنك لم تتعلّم بعد كل ما تحتاجه، الكتابة هي بحر لا حدود له من التقنيات، الأساليب، والمعارف التي تحتاج دائماً إلى استكشافها، عندما تُواجه نصاً غير مكتمل أو قصة لم تصل إلى قوّتها السردية، فإنّ هذا الفشل يشير إلى فجوة معرفية لديك تحتاج إلى مَلئِها، قد يكون ذلك من خلال قراءة المزيد من الكتب، دراسة كيفية بناء الشخصيات، أو حتى تعلّم تقنيات جديدة في الحبكة أو الحوار، الفشل يذكّرك بأنك لا تعرف كل شيء، ويدفعك إلى مراجعة نفسك بصدق: هل قرأت ما يكفي لتطوير مفرداتك؟ هل فهمت تركيبة القصص العظيمة؟ هل استوعبت الأساليب التي تجعل النص ينبضُ بالحياة؟
أكثر الكتّابِ نجاحاً هم أولئك الذين يتقبّلون أنّ الكتابة رحلة مستمرة من التعلّم، الفشل يصبح معلّمك الخاص، يُخبرك أين يجب أن تُركّز، وما هي نقاط ضعفك التي تحتاج إلى تحسينها، ويدفعك للاطلاع على تجارب الآخرين، الاستماع للنقد، والاستفادة من النصوص العظيمة التي ألهمت العالم.
5- الكمال عدو الكتابة
في بداياتك ككاتب، قد تعتقد أنّ كل كلمة تكتبها يجب أن تكون مثالية منذ اللحظة الأولى، وأنّ الجُملة الأولى يجب أن تكون ساحرة، وأنّ كل فصل يجب أن يكون خالياً من الأخطاء، لكن الفشل يأتي ليكشفَ لك عن الحقيقة المؤلمة: السعي وراء الكمال يقتل الكتابة، عندما تحاول أن تجعل كل شيء مثالياً منذ البداية، فإنك تُعيق تدفّق الأفكار وتخنق الإبداع، الفشل في الوصول إلى “النص المثالي” يُعلّمك أنّ الهدف من الكتابة لا تتعلق بالكمال، وإنما بالتقدم.
النصوص العظيمة تبدأ دائماً بمُسودات غير مكتملة، مليئة بالأخطاء والفجوات، الفشل يذكّرك بأنّ الهدف من المُسودة الأولى ليس أن تكون مثالية، بل أن تكون موجودة، كل تعديل، كل إعادة كتابة، كل نظرة جديدة على النص تُضيف له شيئاً فريداً، شيئاً لم يكن ليظهر لو أنك انتظرت الكمال من البداية.
النقد ليس عدواً، بل هو فرصة للنمو والتطوّر، عندما يتم انتقاد أعمالك، فهذا يعني أنّ هناك شيئاً يمكن تحسينه، وأنّ لديك فرصة لجعل عملكَ أفضل مما هو عليه.
6- التغذية الراجعة هي كنز
واحدة من أكثر التجاربِ إيلاماً لأي كاتب هي تلقي النقد، خاصة عندما يأتي بعد نص عملتَ عليه بجهد، قد يبدو النقد كأنه هجوم مباشر على شخصيتك، أو على موهبتك ككاتب، لكن الفشل في تجاوز هذا الشعور يعلّمك درساً أساسياً: النقد ليس عدواً، بل هو فرصة للنمو والتطوّر، عندما يتم انتقاد أعمالك، فهذا يعني أنّ هناك شيئاً يمكن تحسينه، وأنّ لديك فرصة لجعل عملكَ أفضل مما هو عليه.
النقد يعلّمك أن تفصل بين نفسك ككاتب وبين نصوصك، كتابتك ليست انعكاساً كاملاً لهويتك، بل هي عمل يحتاج إلى التطوير، مثل أي شيء آخر، الفشل يساعدك على بناء مناعة تُقاوم الإحباط الناتج عن الملاحظات، ويدفعك إلى الاستماع بعقل مفتوح، تبدأ في فهم أنّ النقد البنّاء ليس هدفه تحطيمك، بل مساعدتك على رؤية ما لم تكن قادراً على رؤيته بنفسك.
7- التحديات تخلق المرونة الذهنية
الفشل في الكتابة، بمختلف أشكاله، يُعزز قدرتك على التكيّف مع التحديات التي تواجهك، وتعلّمك أنّ الكتابة ليست دائماً عملية سلسة ومريحة، ومع كل فشل، تبدأ في تطوير نوع من المرونة الذهنية التي تسمح لك بالتكيّف مع العقبات بدلاً من الاستسلام لها، في البداية، قد تشعر بأنّ الكتابة هي معركة غير متكافئة، بحيث لا تستطيع أبداً أن تحقق الصورة المثالية التي في ذهنك، لكن مع كل محاولة فاشلة، تبدأ في تعلّم كيفية إعادة بناء نفسك، ومواصلة الكتابة على الرغم من الإحباط.
كل فشل يُضيف إلى رصيدك من المهارات والمعرفة التي تجعلك أكثر قوة وإصراراً، تعلّم أن تتقبّل الأخطاء والمصاعب كجزء من العملية، وأن تُعيد التفكير في أفكارك وأساليبك بناءً على ما تعلمته.
8- الفشل يُعلّمك قيمة التواضع
عندما تبدأ في الكتابة، قد تشعر أنك قد وصلت إلى أقصى إمكانياتك، أو أنّ النص يجب أن يكون مقبولاً كما هو دون الحاجة إلى تحسينات كبيرة، لكن الفشل يكشف لك الحقيقة العميقة: لا يوجد مكان للغرور في عالم الكتابة، كل نص، مهما كان كاملاً في نظرنا، يحتاج إلى الصقل، وكل فكرة، مهما بدت قوية، يمكن أن تُحسّن، الفشل يضعك في مواجهة مع نفسك ككاتب، ويجعلك تدرك أن لا أحد، مهما كان مستوى مهارته أو شهرته، يمتلك “الحقيقة المطلقة” في الكتابة.
بدلاً من أن تبني جدراناً من الكبرياء حول كتاباتك، اجعل من الفشل دافعاً لك للانفتاح على آراء الآخرين، والاعتراف بأنّ هناك دائماً مجال للتحسين، الكتابة تُعلّمك التواضع، ليس فقط في قبول أخطائك، وإنما في الاعتراف بأنك بحاجة إلى العمل المستمر لتطوير مهاراتك.
9- الفشل يُحفز الإبداع والتجديد
عندما تواجه الفشل في الكتابة، سواء كان ذلك بسبب الفشل في تطوير فكرة معينة أو عدم القدرة على إيصال المشاعر كما أردت، فإنّ ذلك قد يكون نقطة التحوّل التي تفتح أمامك طرق جديدة للإبداع، الفشل ليس نهاية الطريق، هو بمثابة نقطة انطلاق نحو طرق جديدة لاستكشاف الأسلوب والفكرة، في اللحظات التي تشعر فيها أنّ النص يسير باتجاه معاكس لما تريد، يتولّد لديك إلحاح داخلي للبحث عن حلول مبتكرة، لا سيما عندما تشعر أنّ الحلول التقليدية لم تعد مجدية، تلك اللحظات الصعبة هي التي تدفعك إلى التفكير خارج الصندوق، إلى تجريب أساليب جديدة، والعودة إلى المصادر، أو حتى لتغيير أسلوب الكتابة بالكامل.
تلك اللحظات التي تشعر فيها بالتيه والتعثّر هي في الحقيقة أرض خصبة للإبداع، تصبح فيها قادراً على اكتشاف طرق جديدة للسرد، واكتشاف تفاصيل غائبة كانت ستظل في الظلام لو لم تكن مجبراً على التفكير من زاوية أخرى.
والآن، ما هي قصة الفشل التي مررت بها في محاولاتك للكتابة، شاركنا في التعليقات؟



اترك رداً على Alison Alex إلغاء الرد