أفضل 5 تقنيات لتحسين كتابة الأدب

محمد البلوشي

الكتابة الأدبية هي محاولة مستمرة لإعادة تشكيل الواقع، لا كما هو، بل كما يجب أن يكون، أو كما يمكن أن يكون في أعمق زواياه الإنسانية، الكاتب كائن يسبر أغوار الروح، يلتقط أنفاس اللحظة، ويصوغها بلغة تفيض بالحياة، وطقوس تحوّل فيها اللغة إلى نافذة على ما وراء الكلمات، ويتماهى الواقع بالحلم، لتصبح الكتابة وسيلة لاستكشاف معنى الوجود ذاته.

وهذا الإبداع لا يُولد في فراغ، بل يحتاج إلى أدوات تنحت الفكرة حتى تكتمل، وتصقل الإحساس حتى يُلامس الحقيقة، فالكلمة وحدها لا تكفي، ما لم تتقاطع مع الإيقاع، والصورة، والصمت الذي يختبئ بين السطور، وكلما تعمّق الكاتب في فهم تقنيات الكتابة، أدرك أنّ السرد هو تشكيلٌ للزمن، وإعادة صياغة للحقيقة وفق منظوره الفريد، في هذه المقالة، سأستعرض خمس تقنيات متقدمة، ومفاتيح لفهم جوهر الكتابة، لمن يسعى إلى الغوصِ في أعماق الفن الأدبي.

1- تقنية “أظهر، لا تخبر”

واحدة من أهم القواعد الذهبية في الكتابة الأدبية، وتعني أنّ القارئ يجب أن يختبر المشهد بنفسه، لا أن يُخبر به، الفكرة هنا أن تجعل القارئ يستنتج مشاعر الشخصيات وحالتها الداخلية من خلال أفعالها، حوارها، وحتى البيئة المحيطة، بدلاً من التصريح بها مباشرة.

في رواية “غاتسبي العظيم”، لا يلجأ فيتزجيرالد إلى التصريح المباشر بمشاعر غاتسبي أو الإفصاح عن حنينه الجارف، بل ينسج رمزيةً بصرية تتجاوز حدود الكلمات، فتتحول الومضة الخضراء البعيدة إلى تجسيدٍ ملموسٍ لطموحه الذي لا ينطفئ، ولأمله العالق بين الحاضر والماضي، ذلك الضوء الخافت لكنه ثابت، هو مرآة تعكس توق غاتسبي إلى استعادة ما ضاع، ورغبته العميقة في الإمساك بما يبدو مستحيل المنال، والمسافة بين ما هو كائن وما يتوق إليه، الامتداد البصري لأحلامه التي تقف على الضفة الأخرى، قريبة بما يكفي ليبصرها، لكنها بعيدة بحيث لا يستطيع لمسها، هكذا، يجعل فيتزجيرالد من هذا الرمز نسيجاً نفسياً يلتفُ حول القارئ، فلا يحتاج إلى أن يُخبره صراحةً بما يشعر به غاتسبي، بل يجعله يراه، ويحسّه، ويعيشه بكل ثقله العاطفي، وكأنّ ذلك الضوء هو جوهر الروح البشرية التي تظل تلهثُ خلف أملٍ يتلاشى كلما اقتربت منه.

اقرأ أيضاً
فن إظهار المشاعر في الأدب العربي: كيف نبني عالماً شعورياً دون كلمات مباشرة؟
ماذا تقرأ عندما لا تريد الكتابة؟
الحنين في الأدب: كيف يستخدم الأدباء الحنين كأداة سردية؟

2- تقنية “تعدّد الحواس

الكتابة القوية لا تعتمد فقط على الصور البصرية، بل تستفيد من جميع الحواس لجعل المشاهد أكثر غنى وواقعية، فالتجربة البشرية ليست بصرية فقط، بل تشمل الروائح، الأصوات، الملمس، وحتى الذوق.

في مئة عام من العزلة، لا يكتفي غابرييل غارسيا ماركيز برسم ملامح قرية ماكوندو، بل يبعثها إلى الحياة كأنها كائنٌ يتنفس، كأنها حلمٌ مشترك بينه وبين القارئ، يتجاوز حدود الكلمات ليصبح واقعاً موازياً محسوساً بكل تفاصيله، فحين يصف ماركيز هواءها المحمّل برائحة المطر، لا يقف عند حدّ الإخبار، بل يجعل القارئ يشعر وكأنّ الرطوبة تتسلل إلى جلده، وكأنّ الأرض تحت قدميه توشك أن تتشرب الماء قبل أن تسقط أولى القطرات، الأسواق في ماكوندو لا تُرسم كأماكن جامدة، بل تنبض بالحياة، تنبعث منها أصوات الباعة وهم يُنادون على بضائعهم، تختلط فيها رائحة الفواكه الناضجة بعبق التوابل، ويرتجفُ هواؤها تحت وقع الضجيج والضحكات والهمسات العابرة، ماكوندو في سرد ماركيز هي ذاكرة الزمن نفسه، مسرحٌ تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والأسطورة، يُعاد من خلاله تشكيل العالم بمنطقٍ سحري يجعل القارئ لا يرى المشهد فقط، بل يسمعه، ويشمه، ويلمس خشونة جدرانه بيديه، وكأنه يسير في طرقاته، مسحوراً بذلك النسيج اللغوي الذي يلتف حوله مثل حلمٍ لا يريد الاستيقاظ منه.

لا يكون الصراع مجرد حبكة درامية، بل نافذة تُطل منها النفس البشرية على أكثر زواياها ظلمةً وتعقيداً، دوستويفسكي، ببراعته المعتادة، لا يمنح القارئ إجابات جاهزة، بل يجعله يتورط في معضلة راسكولنيكوف، فيرتجف معه، يتساءل معه، يتردد في الحكم عليه، كما لو أنّ الرواية ليست سرداً لحياة شابٍ روسي في القرن التاسع عشر، بل هي انعكاسٌ لكل إنسان يقف في مفترق الطرق بين الخير والشر، بين الضمير والأنانية، بين الإنسان والخالق.

3- تقنية “التباين والطبقات النفسية

الشخصيات العظيمة تحمل تناقضات نفسية تجعلها أكثر إنسانية وإثارة للاهتمام، أحد أكثر الأساليب قوة هو التباين، سواء في الشخصية نفسها، أو بين الشخصيات المختلفة داخل العمل الأدبي.

في رواية “الجريمة والعقاب”، لا يكتفي دوستويفسكي بصياغة شخصية راسكولنيكوف، بل يغوص في أعماقها كمن يستكشف كهفاً مظلماً تتردد في جنباته أصداء الأسئلة الوجودية الكبرى، يتلاطم الشعور بالذنب مع نزعة التبرير، ويتصارع الضمير الإنساني مع أوهام التفوق الأخلاقي، راسكولنيكوف ليس قاتلاً يبحث عن النجاة، بل هو إنسانٌ ممزق بين إدراكه لخطأ ما ارتكبته يداه، وبين منطقه العقلي الذي يحاول أن يجد مخرجاً فلسفياً يبرر فعلته، كأنه يقف عند حافة الهاوية، يتأرجح بين السقوط في جحيم الندم، أو التشبّث بوهم كونه فوق القانون، فوق الأخلاق، فوق الآخرين جميعاً، هذا التوتر الداخلي الذي يتفاقم داخله، بين الشعور بأنه ارتكب جريمة لا يمكن التكفير عنها، وبين قناعته بأنه كان يختبر نظرية عن السلطة والقوة، يحوّل الرواية إلى تشريح نفسي بالغ العمق، لا يكون الصراع مجرد حبكة درامية، بل نافذة تُطل منها النفس البشرية على أكثر زواياها ظلمةً وتعقيداً، دوستويفسكي، ببراعته المعتادة، لا يمنح القارئ إجابات جاهزة، بل يجعله يتورط في معضلة راسكولنيكوف، فيرتجف معه، يتساءل معه، يتردد في الحكم عليه، كما لو أنّ الرواية ليست سرداً لحياة شابٍ روسي في القرن التاسع عشر، بل هي انعكاسٌ لكل إنسان يقف في مفترق الطرق بين الخير والشر، بين الضمير والأنانية، بين الإنسان والخالق.

4 تقنية “الإيقاع السردي

كل قصة تمتلك موسيقاها الخاصة، وإتقان الإيقاع السردي يعني معرفة متى تُسرّع السرد للحظات التوتر، ومتى تُبطئه للتأمل والتعمق في التفاصيل.

وهذا التلاعب بالإيقاع نجد أثره كما في “ثلاثية نجيب محفوظ”، تتغير نبرة السرد وفقاً للحدث، فينبض الوصف بالحياة حين ينقل تفاصيل الحارات القديمة وصخب الأسواق، بينما يغدو أكثر تأملاً حين يغوص في وعي الشخصيات وصراعاتها الداخلية، ففي مشاهد التأمل الفلسفي لشخصية كمال عبد الجواد، تطول الجُمل، وتتداخل الأفكار، ليجد القارئ نفسه وسط تساؤلات وجودية لا تهدأ، وحين تتباطأ لغته، وكأنّ الشخصيات ذاتها تحبس أنفاسها قبل أن تنطلق مجدداً في سباقها مع الزمن والحقيقة، هذا التلاعب الواعي بالإيقاع تقنية سردية، وفن لتحويل اللغة إلى نبض، بحيث تصبح القصة حكاية تُروى، وتجربة تُعاش.

اقرأ أيضاً
القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتباً؟
الخرابيط: مصدر المعرفة
لماذا نقرأ؟ رؤية جديدة من أدب أمريكا اللاتينية

5- تقنية “استخدام الرمزية والاستعارات بذكاء

الروايات العظيمة لا تحكي قصة سطحية فقط، بل تمتلك طبقات أعمق من المعاني، الرموز والاستعارات تمنح العمل الأدبي قوة وعمقاً، وتساعد القارئ على استكشاف مفاهيم أكبر دون الإفصاح عنها مباشرة.

في رواية “الحرب في بر مصر ليوسف القعيد، تتداخل الحروب الداخلية مع الحروب الخارجية، والوجود ذاته يصبح ساحة معركة لا تنتهي، الحرب التي تخوضها الشخصيات في “الحرب في بر مصر” تتعامل مع فكرة العبث والصراع الأبدي بين الإنسان والمصير الذي لا يمكن الهروب منه، ويصبح النضال البشري مُتمثلاً في حالة الإنسان الذي يسعى بلا كلل للبحث عن معنى في عالم لا يَعِده بالكثير، عالم يسلبه يقينياته، ويتركه وحده في مواجهة مرضٍ سرمدي لا يمكن التنبؤ بعواقبه، في النهاية، هو صراع ضد تلك الفجوة الوجودية التي يعيشها الإنسان في عالم لا يعترف بالعدالة، ورغم عبثيته، يستمر الإنسان في النضال، في ظل غياب أي وعد بالنجاح أو الخلاص.

ومع هذه التقنيات، فإنه يمكن لأي شخص أن يكتب، لكن لا يستطيع أحد أن يحوّل الكتابة إلى فن متقن، وكلما استخدمت هذه التقنيات بوعي، ازدادت قوة سردك، وأصبحت نصوصك أكثر تأثيراً، فالأدب الحقيقي لا يُقرأ فقط، بل يُعاش، ومفتاح ذلك هو أن تمنح كتابتك الحياة التي تستحقها.

والآن، أي هذه التقنيات تجدها الأكثر تأثيراً في كتاباتك؟ شاركني رأيك!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.