هبة على الدسوقي

اجتمع الزوجان كعادتهما في غرفة المعيشة بعد العشاء الوجبة الرئيسية لهما بعد عودة حسام من عمله.

يجلسان في نفس الغرفة وعلى نفس الأريكة كل يوم ولكن كغريبين جمعتهما رحلة في قطار وكلاهما مُنهك لا يريد الحديث يدفن كل منهما مشاعره ويخفيها داخل هاتفه الذكي الذي لا يزيح نظره عنه وفي الخلفية إذاعة الأغاني لا ينقطع صوتها من المنزل كل مساء وحتى النوم، فقط مجرد صوت يَشغل الفراغ من حولهما حتى يبدو الأمر وكأنهما يستمعان لما يُذاع فلا يضطران للحديث.

انتبه حسام فجأة على صوت حليم وهو يشدو (شوف خدتنا لفين يا قلبي وشوف سابتنا فين

في سكة زمان راجعين في نفس المكان ضايعين لا جراحنا بتهدى يا قلبي ولا ننسى اللي فات يا قلبي).

شعر وكأنّ الكلام موجّه له يصف حاله، هذا بالضبط شعوره تجاه ما حدث اليوم.

رآها. (كارمن) حبه الأول والوحيد إلى الآن كانت بداخل سيارتها الفارهة تنزل منها بثبات كسيدات الأعمال وهو يقف على الرصيف ينتظر تاكسي، التقت عيناهما للحظات استرجع خلالها آخر لقاء بينهما وهي تُودعه وتقول (أحلامي حدودها السماء سأصل وفي أسرع وقت بينما أنت متعلّق بالأرض وستموت عليها).

كم كانت كلماتها جارحة له يومها لكن ليست كجُرح نظرتها له اليوم، مشت نحو الرصيف بخُطى ثابتة صعدته وقالت هامسة بصوتٍ تملأه الثقة ونبرة كلها تحدي (طول عمري صح) وسارت في طريقها.

ظل هو يُحدث نفسه بنفس كلمات أغنية حليم، بعدها لم يجد سوى زوجته المسكينة التي لم يُحبها قط ولا يتذكر حتى لماذا تزوجها ليتشاجر معها ويُحملها أخطاء لم ترتكبها ومع هذا ظلّت صامتة كأنها تُعاقب نفسها، يشعر دائماً أنها تُعاقب نفسها بحياتها التعيسة معه التي لا يرى أي مبرر لاستمرارها.

ومع نفس المقطع من الأغنية انسابت دموع ندى على خديها مسحتها فوراً قبل أن يراها وقامت مسرعة قائلة (أنا هعمل شاي).

أسرعت إلى المطبخ حيث تركت دموعها تنساب وهي تلوم نفسها على ما فعلته بنفسها وأنها ما زالت تُحب شخصاً تركها بمحض إرادته في منتصف الطريق ورحل دون حتى إبداء أسباب، عاش حياته سعيداً وعاشت تنتظره طويلاً، حتى بعد زواجها لم تُحب زوجها ولم تقدر على نسيان أنّ أحدهم تركها ولم يرف له جفن.

وكأنّ كلمات الأغنية نبّهتها بأنّ عمرها يضيع وأنّ معاملة زوجها السيئة لها ما هي إلا عقاب إلهي لها عن تقصيرها معه فيما بينها وبين نفسها، وبينما كان الشاي يغلي تبخر الماضي من داخلها فمسحت دموعها ومعها كل ذكريات الماضي الأليم وقررت أن تفتح صفحة جديدة مع زوجها الذي عزم على نفس الأمر في الخارج بل وشعر لأول مرة أنه يُحب زوجته ندى وأن كارمن ما كانت إلا وَهْم كبير.

دخلت غرفة المعيشة تحمل بين يديها صينية الشاي وضعتها على الطاولة وأمسكت كوباً وأعطته إياه وعلى وجهها ابتسامة حب يراها للمرة الأولى، تبادلا النظرات ليرى كل منهما الآخر بعين المحب للمرة الأولى، أخذ منها الكوب ثم نظر إليها وقال (أنت قاعدة بعيد كدة ليه في آخر الكنبة تعالي جنبي وحشتيني)، اقتربت منه والسعادة تغمرها في اللحظة التي كانت تشدو فيها فايزة أحمد (دنيا جديدة علينا سعيدة توعد قلبي بحُب جديد شوفتك فيها وأنت ماليها بكلمة وضحكة وفرحة وعيد).


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق