إيمان عابد
لا أحسبُ إلا أنّ هناك شمساً أخرى أضاءت لي حياتي؛ بدعائها كان يبزغ فجرُ الصباح، وبرضاها كانت تمتدُّ الدروب، وتتفتّح الأبواب، وبنور عينيها كان ينقشعُ الغمامُ، فتتكشفُ الهمومُ والأحزان.
ببركة يديها كانت تُقيل عثراتي، وتحت قدميها كانت تختزلُ طريقي إلى الجِنان.
كانت دائماً حاضرةً وكنتُ أنا الغائبة. نعم، مهما زعمتُ وصالها، كنتُ غائبة؛ وماذا عساي في زخم الحياة ومشاغلها، وكركبة متاعها وزخرفها أن أنهلَ من نبعها الصافي إلا اليسير اليسير!!!
ألا يجدر بالحبيب أن يستزيد من قرب حبيبه، ويغبُّ من مورده الكثير الكثير؟! لكن هيهات هيهات، فمهما حظيتُ من خيرها، فلا يعادل ذلك من بحر فضلها ومآثرها إلا النزر القليل القليل..
الآن أصبحتْ هي غائبةً، وأضحيتُ أنا الحاضرة معها في ما انطوى من الأيام.
الموتُ يُفني الجسدَ ويُبليه، لكنّه يوقدُ الأشواق، ويوقظُ الذكريات، وهو للروح حياة؛ فما زالت روحها حية تعبقُ بيننا في كل مكان، وذكراها تملأ العقل والوجدان، أراها في سكناتها وحركاتها، وتأنّقها وترتيبها في كل جنبة من جنبات الحياة.
أرى قَسَمات وجهها تفيضُ نوراً، وقلبها الحاني يلهج بالأدعية والأذكار والصلوات.
أسمعها تروي القصص، الواحدة تلو الأخرى، تذكر الأشخاص بأسمائهم، والأماكن بمسمياتها، والأحداث بترتيبها، والأزمنة بمواقيتها تسهبُ، تسترسلُ، تستطردُ، حتى كأنها سلسلة لا تنتهي من الحكايات.
كثيراً ما كانت تزهو وتتباهي وتتفاخر بكلّ واحد منا على سرير الشفاء أمام الممرضات، ومثلها من يحقّ له التفاخر والتباهي؛ وهي من حفرت الصخر، وشقت الأرض بيديها؛ لتثمرَ شجرةُ كدّها وصبرها يانعةً سائغةً طيبةً، تؤتي أكلها كلّ حين.
– صباح الخير يا أمي، يا حبيتي.. ثم طبعتُ على خدّها قبلة حرّى امتزجت بالمخاوف والأمنيات.
– التفتت إليّ، وبصوتٍ خافتٍ وبعينينُ يترقرقُ فيهما الدمعُ.
– قالت: صباح النور
– تلك كانت كلماتها الأخيرة، وكلمات أخرى لم أكد أسمعها، لكنها في ظني آخر ما كانت تجودُ به دائماً علينا من دفء الدعوات.
يتحدثون عن وجع الفراق، وألم الوداع، فكيف إذا عاشوا أدقَّ تفاصيله وأقساها في أعسر الأوقات، وأصعب اللحظات؟!!
في تلك الليلة الحزينة هُرعتُ إليها َكأنّي أسمعها تناديني؛ وقد عجلتُ إليكِ يا أمي لترضَي؛ ولأكونَ بجوارها وإلى جانبها قبل أن تلفظ آخر ما تبقّى لها في هذه الحياة من الأنفاس والنبضات والدقات، قبل أن ترحلَ عنا راضيةً مرضيةً إلى جوار بارئها العزيز الرحيم الغفار.
الأفراح تجمعُ الأحبة والأصحاب، كذلك الأحزان والأتراح؛ مرضها جمعنا، كنا جميعنا حاضرين معها، متحلقين حولها، صغيرنا وكبيرنا، بعيدنا وقريبنا، حاضرنا وغائبنا.
رحيلها ألّف بين قلوبنا أخوةً متحابين متآلفين كما كانت تتمنّى دائماً وتشتهي؛ ولنكون مفخرةً لها على الدوام.
لا، لم يفت الأوان، فهناك دوماً وقت للاستدراك؛ هي الآن بروحها وذكراها حاضرةٌ ونحن حاضرون بالوصال، وعهدنا إليها وإلى أبي أن نمدّ إليهما جسوراً من الدعاء والبرّ والإحسان.
يا من كانتِ الرؤوم الحنون الصبور العنود، لا أدّعي لها الكمال، لكن لعمري كلُّ طيبٍ حسنٍ جميلٍ يليق بها وبذكراها؛ لأنها فقط أمي؛ شمسٌ أخرى أضاءت لي هذه الحياة.


أضف تعليق