سمر درويش
في شارع ضيق في حي السيدة زينب، كان الحاج عبد الرحيم يجلس كل صباح على كرسيه الخشبي المتهالك أمام قهوة “أبو رجب”، ركن صغير تحيط به جدران متشققة، وفوقه مظلة قماشية باهتة، الحاج عبد الرحيم، رجل تجاوز السبعين بقليل، كان يبدو كأنه جزء من القهوة نفسها، وجهه محفور كخريطة، عيناه غائرتان، وفي يده سبحة صفراء يداعبها بأصابع مرتجفة، كأنه يعد الأيام التي مضت أو ينتظر تلك التي لم تأت بعد، كان يرتدي جلباباً رمادياً باهتاً، وطاقية بيضاء مائلة على جبهته.
في القهوة، كان أبوالسيد بائع الفول أول الجالسين، رجل قصير القامة، أصلع الرأس إلا من خصلات بيضاء متفرقة كالقطن، ويحكي عن أيام الثورة بنبرة فيها فخر ممزوج بحنين، “كنا بنمشي في المظاهرات، والدنيا كلها صوت ونار” يقول وهو يضرب بيده على الطاولة الصغيرة، “كان فيه أمل يا رجالة، دلوقتي الشارع بقى هادي، لكن القلب لسه مشتعل” يستمع إليه الجالسون في صمت، بعضهم يهز رأسه موافقاً، والبعض يشعل سيجارة جديدة كأنه يطرد كلماته مع الدخان الأبيض المتعرج في الهواء.
على طاولة قريبة، كان شوقي، الشاب العشريني ذو البشرة السمراء والشعر المجعد، يجلس ممسكاً بكوب شاي زجاجي صغير، يحلم بالسفر إلى الخليج، يرسم في خياله بيتاً فخماً بأبواب زجاجية وسيارة يقودها في شوارع الحي ليراه الجميع، “هسافر وأرجع أفتح محل كبير هنا، مش هفضل كده أساعد أبو السيد في الفول للأبد” يقول بابتسامة عريضة تكشف عن أسنانه الصفراء من كثرة التدخين، لم يكن أحد يصدقه تماماً، لكنهم كانوا يتركونه يحلم، ففي هذا الحي، الحلم كان كالماء في الصحراء، قليل لكنه يروي العطشى.
ثم كان هناك عم فتحي، السكير العجوز الذي يجلس في ركن القهوة بعيداً عن الضوضاء، كان طويل القامة في شبابه، لكنه الآن منحنٍ، ظلّه أقصر من عصاه الخشبية التي يتكئ عليها، وفي يده كأس عرق يحتسيه ببطء كأنه يشرب الزمن نفسه، بين الحين والآخر، يرفع صوته المبحوح ويغني لعبد الحليم: “يا مالك قلبي وروحي، يا حبيبي وأنا بحبك” صوته يحمل شجناً يجعل الجميع يصمتون للحظة، حتى شوقي يتوقف عن الحديث عن أحلامه وينظر إليه بعينين غائمتين.
في ذلك الصباح، جاءت أم كامل لتشتري الجرائد القديمة من الحاج عبد الرحيم، كانت امرأة نحيفة، شعرها الأبيض مغطى بمنديل أسود مشدود بإحكام، وعيناها تحملان حزناً منذ أن فقدت ابنها الوحيد في حادث سيارة قبل عشر سنوات، صارت تمشي في الحي كشبح، تحمل همومها في صدرها كحقيبة ثقيلة لا تُفارقها، وقفت أمام الحاج وأخرجت من جيبها بضعة قروش متهالكة، وقالت بصوت خافت كالهمس: “خد دول يا حاج، والجرائد دي كفاية أغطي بيها الترابيزة في البيت” أخذ عبد الرحيم النقود بيده المرتجفة، ونظر إليها طويلاً قبل أن يقول: “الدنيا يا أم كامل ما بقتش زي زمان، بس إنتي لسه زي ما إنتي، قلبك ما اتغيرش”
لم تُجب، فقط أومأت برأسها بخفة وأخذت الجرائد تحت إبطها ثم مضت في طريقها، كان الحاج يعرف قصتها جيداً، كما يعرفها الجميع في الحي، كامل كان شاباً في الخامسة والعشرين، ميكانيكي في ورشة قريبة من شارع السيدة، كان يحلم بأن يشتري سيارة صغيرة، يقودها على كورنيش النيل ويأخذ أمه في جولة يسمع فيها ضحكتها التي افتقدها منذ وفاة والده، لكن القدر لم يمهله، وفي ليلة ماطرة، انزلقت شاحنة على الطريق وأنهت حياته قبل أن يرى حلمه، منذ ذلك الحين، صارت أم كامل كائناً صامتاً، تتحرك كظل، وتعيش على ذكريات ابنها وصوته الذي لا يزال يرن في أذنيها.
خلف القهوة، النيل يجري بهدوء كعادته، ورائحة الفول المدمس تمتزج بدخان الشيشة، وضحكة شوقي تقاطع همهمات عم فتحي بين الحين والآخر، الحياة هنا كانت بسيطة، تدور ببطء وتطحن القلوب دون أن يشعر أحد، كان الناس ينظرون إلى النيل كمرآة تعكس أحلامهم وخيباتهم في آن واحد.

فجأة، مرت عربة كارو تجرها حمارة عجوز، وصاحبها ينادي بصوت خشن: “رُوبابيكيا! رُوبابيكيا!” كان رجلاً في الأربعين، بشرته محروقة من الشمس، ويرتدي جلباب مليء بالثقوب، والعربة مكدسة بالأثاث القديم، كراسي مكسورة، أبواب صدئة، ومرايا مهشمة، كأنها جثث، نظر الحاج عبد الرحيم إلى العربة وابتسم ابتسامة خفيفة، ربما تمنى لو يبيع همومه مع تلك الأشياء البالية، لكن من يشتري ما لا يُرى؟ التفت إلى أبو السيد وقال: “الراجل ده بيشيل أحزان الناس وهو ما يعرفش” ضحك أبو السيد ضحكة خافتة وقال: “ومين فينا مش شايل يا حاج؟ كلنا روبابيكيا بطريقتنا”
في تلك اللحظة، دخلت فاطمة، البنت الصغيرة ابنة الحارس، إلى القهوة تحمل صينية شاي كبيرة، كانت في الثانية عشرة من عمرها، نحيفة، شعرها مربوط بمنديل أحمر، وعيناها تلمعان ببراءة لم تلوثها الدنيا بعد، كانت تساعد والدها، عم مصطفى، في خدمة الزبائن مقابل بضعة قروش، وضعت الصينية على الطاولة بمهارة، ثم ركضت إلى الحاج عبد الرحيم وقالت بنبرة مليئة بالحماس: “يا حاج، احكيلي حكاية عن زمان، عن أيام الحرب” كانت تحب قصصه عن الماضي، حين كان شاباً يحمل السلاح ويحلم بوطن، وكانت تستمع إليه كأنها ترى تلك الأيام تتحرك أمام عينيها.
ابتسم الحاج وقال: “زمان كان فيه رجالة يا فاطمة، دلوقتي بقينا ذكريات” ثم بدأ يحكي عن ليلة قصف القاهرة في الحرب، حين كان الناس يختبئون في البيوت، يضعون الراديو بجانب السرير ويستمعون إلى الأخبار في خوف وأمل، “كنا بنسمع صوت الطيارات فوق راسنا، والناس بتصلي في الظلمة” قال وهو ينظر إلى النيل كأنه يرى تلك الليالي، “كنت لسه شاب، عندي عشرين سنة، وكنت بحلم أشوف مصر حرة، بس الحرية دي كانت زي السراب، كل ما نقرب منها تبعد” استمعت فاطمة بعينين مفتوحتين، وكأنها ترى الطائرات والناس في مخيلتها، بينما كان شوقي ينظر إليه بنصف اهتمام، وعم فتحي يهز رأسه وكأنه يعيش تلك اللحظات من جديد.
بينما كان الحاج يحكي، دخلت امرأة جديدة إلى القهوة، كانت زينب، بائعة الخضار التي تقف كل يوم في السوق الصغير بجوار المسجد، كانت في الأربعين من عمرها، ممتلئة الجسم، وجهها كان شاحباً كأنّ الهم أكل منه، اقتربت من الحاج عبد الرحيم وقالت بصوت مرتجف: “يا حاج، شفت بنتي سعاد؟ من الصبح وأنا بدوّر عليها، مش لاقياها” كانت سعاد ابنتها الصغرى، بنت في الخامسة عشرة، تعمل معها في السوق لبيع الخضار، لكنها اختفت منذ الصباح دون أن تترك أثراً.
نظر الحاج إليها بعينين متعبتين وقال: “ما تقلقيش يا زينب، سعاد بنت شاطرة، أكيد راحت تشتري حاجة وهترجع” لكن زينب لم تقتنع، كانت تهز رأسها وتمسح دموعها بطرف منديلها، “دي ما بتسيبش السوق من غير ما تقوللي، أنا خايفة عليها يا حاج، الدنيا بقت وحشة” التفت أبو السيد إليها وقال: “ما تقلقيش، أنا هبعت شوقي يدوّر عليها في الحواري، يمكن تكون عند أي دكان” نهض شوقي على الفور، كأنه يبحث عن فرصة ليُثبت شيئاً لنفسه، وقال: “ما تخافيش يا ست زينب، أنا هلاقيها وأجيبها”
خرج شوقي إلى الشارع، يسأل هنا وهناك، ينظر في الحواري الضيقة ويدخل الدكاكين الصغيرة، كان الحي مليئاً بالحركة في ذلك الوقت، أطفال يلعبون بالكرة بين العربات، نساء يحملن سلال الخضار على رؤوسهن، ورجال يدخنون السجائر أمام البيوت، بعد ساعة من البحث، عاد شوقي ومعه سعاد، “كانت عند الحاجة نادية بتشتري خيط وإبرة عشان تصلح جلبابها المقطوع” قال شوقي وهو يتنفس بصعوبة من كثرة المشي، احتضنت زينب ابنتها وقالت: “كده يا سعاد تخليني أموت من الخوف؟” ابتسمت سعاد بخجل وقالت: “ما كنتش عايزة أروح السوق بجلباب مقطوع، الناس هتبص عليا”
ضحك أبو السيد وقال: “البنت دي زي أمها، ما بتسيبش حاجة لغيرها تعملها” هدأت زينب قليلاً، لكن عينيها ظلتا تبحثان في وجه ابنتها عن شيء لم تقله.
مع اقتراب الظهيرة، بدأ الحر يشتد، والناس يتجمعون في القهوة يبحثون عن ظل، جاء عم مصطفى، حارس العمارة المجاورة ووالد فاطمة، ليجلس مع الرجال، كان في الخمسين، قوي البنية، وفي يده عصا يستخدمها لتخويف الأطفال الذين يعبثون بالباب، “الدنيا بقت نار يا حاج” قال وهو يمسح العرق عن جبهته، “الواد محمود ابني الكبير قاعد في البيت من غير شغل، وأنا مش عارف أعمل إيه” كان شاباً في الثلاثين، تخرج من كلية التجارة لكنه لم يجد عملاً، وصار يقضي أيامه في البيت يدخن السجائر ويتذمر من الحياة.
نظر الحاج عبد الرحيم إلى عم مصطفى وقال: “اصبر يا مصطفى، الرزق بيجي في وقته، المهم الصبر” لكن عم مصطفى هز رأسه وقال: “الصبر ده كان زمان يا حاج، دلوقتي الواحد بيصبر لحد ما ينسى هو بيستنى إيه” سكت الجميع للحظة، كأنّ كلماته سقطت كحجر في بركة هادئة، ثم عادوا إلى حديثهم عن الطقس والأسعار.
في تلك الأثناء، كان الحاج عبد الرحيم ينظر إلى النيل ويتذكر زوجته نعمة، التي رحلت قبل عشرين عاماً، كانا يجلسان معاً على ضفة النيل في أيام الصبا، يحلمان ببيت صغير وأولاد يملؤون حياتهم سعادة، لكنهما رزقا بابن واحد، سمياه علي، مات صغيراً من الحمى، ثم تبعته نعمة بعد سنوات قليلة، والآن، لم يبق له سوى القهوة، النيل، وذكريات تتسلل إليه كلما هدأت الضوضاء.
مر اليوم ببطء، كعادة الأيام في الحي، ظل الحاج عبد الرحيم جالساً حتى الغروب، ينظر إلى الماء ويفكر فيما مضى، يتذكر ليالي الشتاء الباردة حين كانت نعمة تُحضر له كوباً من السحلب وتجلس بجانبه، يتبادلان الحديث عن أخبار الحي والناس.
قبل أن يغادر، اقتربت أم كامل مرة أخرى، تحمل كيس صغير من البلح الأصفر، وقالت: “خد دول يا حاج، كنت باكلهم مع كامل زمان وقلت أجيبلك منهم” أخذ الحاج البلح بيد مرتجفة، ونظر إليها بعينين دامعتين، تذكّر كيف كان كامل يأتي إليه وهو صغير، يحمل حبات بلح ويقول: “يا حاج، خد دي أحلى من السكر” لم يقل الحاج شيئاً، لكن قلبه كان يعرف أنّ الحياة، رغم قسوتها، لا تزال تحمل لحظات صغيرة من الدفء، رفع عينيه إلى النيل وقال في نفسه: “الدنيا زي ما هي، إحنا اللي بنتغير”


أضف تعليق