إيمان عابد

رحيلكِ أمي، وهمٌ ضلّ طريقهُ إلى القلبِ، وريبٌ نأى عن التسليمِ لهولِ الخطبِ؛ فبين أضغاثِ حلمٍ ويقظةِ عقلٍ، أَتيهُ بين تصديقٍ وتكذيبِ، أرقبُ عودتكِ إلى الوجودِ، يتلاعبُ بي أملٌ بأن تكتحل عيناي بمرآكِ من جديدِ، ويعصفُ بي ألمٌ لسماع صوتكِ يصافحُني، ولو مرةً من بعيدِ.

أو تُراها الذكريات تتقاذفني عن يسارٍ وعن يمينِ، تسلّمني إلى أيامٍ كانت تجود عليّ بساعاتٍ، كنتُ أنفقها معكِ من حينِ إلى حينِ. تصغرُ الدنيا تزولُ تتلاشى عندما كنتِ تبتسمين للقائي، وبمجيئي تسعدين، أناطحُ السحاب، أطيرُ فرحاً وابتهاجاً عندما كنتِ تترضَّينَ عنّي وتدعينَ، ولم يخلُ الأمرُ يوماً أن يضيقَ صدري، ولا ينطلقُ لساني عندما كنتِ تغضبينَ أو تَتعتّبين.

كم وددتُ لو ملكتُ العالمَ كله أُسدلهُ بين يديكِ عندما كنتِ تتمنّين وتطلبين!

كم وددتُ أن أزيد عمرك عمراً من عمري! آهٍ، لو تعلمين!

كلّ عام وأنتم بخيرٍ…

لمن أسوقُ كلماتي هذه؟! وقد هلّ هلالُ الشهرِ الفضيلِ. ثمّ أراني أحملها أهديها إليكِ، على صوتِ وشاحٍ من حريرِ؛ فتعود إليّ – تستميحني عذراً – خاليةَ الوفاض من  ردٍّك الجميلِ.

فإذا بالحقيقة تساورني، توقظني، تُعيدني إلى رشد اليقينِ: من شهورٍ مضت  قد آثرتِ الرحيل عنا إلى جوار ربّ العالمين.

لمن أسوقُ كلماتي هذه؟! وأنتِ الأحبّةُ كلهم، لمن أسوقُ كلماتي هذه؟! والحياةُ لا تحلو بسواكِ، ولا أجدُ ما يعوّضني عن طلب رضاكِ، وتقبيلِ يمناكِ.

أمي… سأفتقدكِ دوماً، وأحنُّ إليكِ أبداً ما دام في عروقي نبضُ حياة. سأبقي ألهج بدعائي لكِ آناء الليل وأطراف النهارِ؛ فلربّما تصفو بمُرّها بعدَ غيابكِ السنون والأيام، ولعلي أدثّركِ بحفظ الرحمنِ؛ لتكوني في أكرم نُزُلٍ، وأسعدِ حالٍ وخيرِ مآلِ، ويجمعني بكِ ربي العليُّ القديرُ في روضةٍ من رياضِ الجِنانِ.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “هاجس فراق”

  1. صورة أفاتار محمد فوزي
    محمد فوزي

    كلمات تنكأ الجراح النائمة…. رحم الله جميع الأمهات و أسكنهم فسيح جناته و جمعنا بهم في مستقر رحمته.

    Liked by 1 person

أضف تعليق