إيمان عابد
في ذاكرة جرح الوطن الحزين، لم يحدث أن أخطأتْكِ عين (الكاميرا) يوماً؛ كنتِ دائماً متواجدةً في قلب كل حدثٍ ومعتركٍ وميدان، حاضرةً في كل صولةٍ وجولةٍ وصدام، شاخصةً كشاهد عصرٍ، صامدةً كمعقلِ رباطٍ أمام صنوفِ العدوانِ والطغيان.
فأنتِ أم ُّ الشهيد، وأختُ البطل، وابنةُ الأسير، وحفيدةُ القسام وأحمد ياسين.
أنتِ الثكلى والأرملةُ والمكلومةُ والصامدة ُوالمقاومة، نذرتِ نفسَكِ وكلّكِ للوطن الغالي؛ فغدوتِ طيّةً من طيّاتِهِ المجبولةِ بالعنفوان، دوحةً تُدني بظلالها على ربوعهِ الشامخة، تبذرُ ترابَ الأرضِ غراساً من الشرفاءِ والأحرار، ترويهم لبان العزة والأنَفَة والإباء، فلا جبنَ ولا خنوعَ، ولا هوانَ يليقُ بمن ملَّكتِهم مفاتيحَ حبِّ الشهادةِ والتضحيةِ والإقدام.
هذا قانونك يا سيدة هذه الأرض، هذا طريقُكِ الشائكُ الذي اخترتِهِ عن طيب نفسٍ؛ لتمضي فيه بكلِ شجاعةٍ وعزيمةٍ وإصرار.
قد ترصدُ عين (الكاميرا) دمعاً رقراقاً يجولُ في عينيكِ الكحلاوينِ، يحارُ في إيجاد طريقهِ عبرَ أخاديدِ وجهكِ الأسمر. لكن هيهات، هيهات، أن ترصدَ ألماً دفيناً يقبعُ هناك في الأعماق، لو خرجَ من مخبئه، وتنفّسَ عن وجعِهِ لضاقت عليه الأرضُ بما رحبت، ولَأَسمعتْ زفراتُهُ أرجاءَ المعمورةِ، وكلَّ مَن عليها من قاصٍ ودان.
أنتِ ملحُ الأرضِ، وقصبُ سكّرِها، توقدينَ تارةً الغضبَ، وأخرى تضمدينَ الجراحَ والآلام، جمعتِ في ثناياكِ دفءَ الشمسِ وأجيجَ النيران، تنسابُ بكفّيكِ مياهُ النهرِ، وتهدُر بين جنبيك أمواجُ البحار، تروّضينَ زمنَ الاحتلالِ، وتتجرّعينَ مُرَّ القهرِ في كلِ وقتٍ وآن.
بالرغم من ذلك كلهِ، نراكِ اليومَ ماضيةً تحثّينَ الخُطى في ركبُ الطوفان، فلك منّا يا سيدة هذه الأرض، ومن عين (الكاميرا) ألفُ تحيةِ إجلالٍ وإكبار.


أضف تعليق