كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟

عبدالله عباس

تتدفق الكلمات، تلك التي يختلط فيها الماضي بالحاضر والذكريات والأحلام، من تلك الأعماق السحيقة التي تشكّلت من طبقات الزمن المتراكمة والخبرات المتشابكة مثل جذور الأشجار العتيقة في في أرضٍ لا تعرف الحدود، تُطل الكتابة الصادقة، تلك التي تخاطب القلب لأنها نبعت من القلب، كنهر يحمل في مياهه الحكايات.

نسأل أنفسنا مراراً: كيف نكتب من القلب؟ كيف نجعل الآخرين يشعرون بما نشعر به؟ كيف نطلق العنان لهذا الدفق الداخلي من الأحاسيس والأفكار والرؤى ليصل إلى القارئ نقياً، صافياً، مؤثراً؟ هنا لا تأتي الإجابة في مدى التزامك بالتقنيات أو القواعد الجامدة – تلك الأشياء التي يتعلمها المرء من الكتب، تأتي الإجابة من المعاناة، الصدق، والشجاعة في سبر أغوار النفس البشرية واستخراج الحقيقة المُرة المؤلمة منها.

عندما تجلس أمام الورقة البيضاء، أو أمام الشاشة الفارغة، لتكتب، لا تسأل نفسك ما الذي سيعجب الآخرين، أو ما الموضوع الذي سيلقى رواجاً، أو كيف يمكنك أن تحاكي أسلوب كاتب آخر أعجبك، أو كيف يمكن للكلمات أن تصنع لك مجداً أو شهرةً أو مالاً، اسأل نفسك فقط: ما الذي يجعل قلبي ينبض بقوة؟ ما هي تلك المشاعر المتضاربة، المتصارعة، التي تتزاحم في داخلي؟ ما هي تلك الصرخة الكامنة التي تريد أن تخرج، ذلك الصوت الذي ينبعث من ذلك المكان المظلم العميق الذي تتشكّل فيه الحقائق الأولية للوجود البشري؟

عندما تكتب عن الخيال، عن المستحيل، عن الكائنات العجيبة، عليك أن تكون صادقاً في مشاعرك، في كشف الذات البشرية، في تصوير ذلك الصراع الأبدي في داخل الإنسان، فالقارئ لا يرى الكلمات، بل يرى ما وراء الكلمات، لا يستمع إلى ما تقوله، بل إلى الصوت المرتجف خلف ما تقوله، إلى التردد أو الثقة أو الألم أو الإيمان، إلى تلك النبرة التي لا تُكتب ولكنها تُقرأ بين السطور.

الكتابة الحقيقية، الصادقة، والمؤثرة، لا تأتي من العقل وحده، ولا من القلب وحده، بل من ذلك المكان الغامض الذي يتلاقى فيه كل شيء: الماضي والحاضر والمستقبل، الواقع والخيال، المنطق والعاطفة، الصوت والصدى، النور والظلام، العقل والقلب، من ذلك المكان حيث يتداخل الوجود المادي بالوجود الروحي، ويتجلى الإنسان بكل تناقضاته وآلامه وعظمته وضعفه وسقوطه ونهوضه، من هذه النقطة المحورية في الروح البشرية، تتدفق الكتابة التي تمس القلوب وتبقى حية بعد موت كاتبها، لأنها تُعبر عن الحقيقة الإنسانية الخالدة، تلك التي لم تتغير منذ أن وطئت قدم الإنسان الأولى هذه الأرض.

لستُ أتحدث هنا عن كتابة المذكرات أو السير الذاتية، بالرغم من أنها يمكن أن تكون صادقة أيضاً، بل أتحدث عن كل أنواع الكتابة: القصة، الرواية، الشعر، المقال، حتى البحث العلمي، لأنّ كل كتابة جيدة، مهما كان نوعها أو موضوعها، هي تعبير صادق عن تجربة إنسانية، ويمكن أن تكون الكتابة خيالية تماماً، عن عوالم لم توجد أبداً وشخصيات لم تعش يوماً، ومع ذلك تكون صادقة، لأنها تُعبر عن حقائق إنسانية ثابتة.

عندما تكتب عن الخيال، عن المستحيل، عن الكائنات العجيبة، عليك أن تكون صادقاً في مشاعرك، في كشف الذات البشرية، في تصوير ذلك الصراع الأبدي في داخل الإنسان، فالقارئ لا يرى الكلمات، بل يرى ما وراء الكلمات، لا يستمع إلى ما تقوله، بل إلى الصوت المرتجف خلف ما تقوله، إلى التردد أو الثقة أو الألم أو الإيمان، إلى تلك النبرة التي لا تُكتب ولكنها تُقرأ بين السطور.

لاحظتُ خلال سنوات عملي في الكتابة أنّ الناس لا يقرؤون بعقولهم فقط – هم يقرؤون بقلوبهم، بذكرياتهم، بآمالهم ومخاوفهم، لذلك تجد أنّ القصة نفسها يمكن أن تلمس قارئاً وتترك آخر، ليس لأنّ أحدهما أكثر ذكاءً من الآخر، بل لأنّ الكلمات أثارت في الأول صدى عميقاً مع تجاربه الخاصة، مع مخاوفه وأحلامه، هذا هو سر الكتابة المؤثرة – تثير في القارئ مشاعر حقيقية لأنها نبعت من مشاعر حقيقية.

ولكن كيف تصل إلى تلك المشاعر الحقيقية؟ كيف تُخرج ما بداخلك على الورق؟ هناك – كما أعتقد – عدة طرق، لكن جميعها تتطلّب الشجاعة، مواجهة الذات، رؤية الحقيقة القاسية، الاعتراف بالضعف والخطأ والفشل والخوف، تجاوز ما هو مطلوب اجتماعياً والغوص في أعماق الذات لاستخراج اللآلئ الحقيقية.

أولاً، عليك أن تتخلص من فكرة “الكمال”، من فكرة الكتابة “الصحيحة” أو “الجيدة” حسب معايير الآخرين، الكتابة من القلب لا تخضع لقواعد اللغة الصارمة أو لتوقعات القراء أو النقاد، هي تدفق حر للأفكار والمشاعر، مثل نهر جارف في موسم الفيضان، يحمل معه كل شيء: الأشجار المقتلعة والجذور العارية والطمي، يخلط الطيب بالقبيح، النظيف بالقذر، كل شيء يندفع معاً في تيار واحد، قوي ومتدفق ولا يمكن إيقافه.

ثانياً، عليك أن تسمح للوقت أن يتلاشى، يذوب، يتداخل الماضي بالحاضر والمستقبل في لحظة كتابية واحدة، فالكتابة من القلب لا تعترف بتسلسل زمني صارم، إنها أشبه بتيار الوعي، تتشابك فيه الذكريات مع الآمال، والمخاوف مع الرغبات، ويمكن للسطر الواحد أن يحتوي على صور من الطفولة وتطلعات المستقبل معاً، هذا ليس خطأً أو نقصاً، بل هو جوهر التجربة الإنسانية، حيث لا يعيش الإنسان في لحظة واحدة أبداً، بل هو دائماً في مكان ما بين الماضي والمستقبل، بين ما كان وما سيكون.

ثالثاً، عليك أن تتعامل مع اللغة كأنها كائن حي، يتنفس، ينمو، يتغير، لا تكتب بالكلمات المتداولة والعبارات الجاهزة والصيغ المستهلكة، ابحث عن كلماتك الخاصة، عن طريقتك في وصف الشمس أو المطر أو الخوف أو الحب، اسأل نفسك: ما هو الإحساس الحقيقي الذي أشعر به عندما أرى غروب الشمس؟ ليس كما يصفه الآخرون، ليس كما تعلمته في المدرسة، بل كما أراه أنا، بعيني وقلبي، ربما تحتاج إلى اختراع استعارات جديدة، تراكيب جديدة، حتى كلمات جديدة لتُعبر عن ذلك، لا بأس – فاللغة ليست قالباً جامداً، هي نهر متدفق، متغير، ينمو بنمو التجربة الإنسانية.

رابعاً، عليك أن تستمع إلى صوتك الداخلي، لتلك الهمسات الغامضة التي تأتي من أعماق اللاوعي، حتى لو لم تفهمها تماماً، حتى لو بدت غريبة أو غير منطقية، الكتابة من القلب ليست دائماً واضحة أو مباشرة أو منظمة، أحياناً تأتي الحقيقة في صور غامضة، في استعارات غريبة، في جُمل متقطعة، في لمحات سريعة كالبرق في ليلة مظلمة، لا تحاول أن تفرض منطقاً صارماً على هذه الإشارات، اتركها تتدفق كما هي، ثق بأنّ لها منطقها الخاص، منطق القلب والروح، الذي قد يختلف عن منطق العقل الواعي.

الكتابة الصادقة لا تتظاهر بالمثالية، ولا تقدم صورة مُبتسرة أو مشذبة للإنسان، بل تُظهره بكل تناقضاته وعيوبه وجماله، بكل صراعاته الداخلية وجروحه العميقة وانتصاراته الصغيرة.

خامساً، عليك أن تواجه الظلام في داخلك، الكتابة الصادقة لا تتجنب المناطق المظلمة في النفس البشرية، بل تستكشفها، لا تخاف من الغضب أو الشهوة أو الحسد أو النفور أو حتى الكراهية، هذه مشاعر إنسانية حقيقية، جزء من التجربة البشرية الكاملة، الكتابة الصادقة لا تتظاهر بالمثالية، ولا تقدم صورة مُبتسرة أو مشذبة للإنسان، بل تُظهره بكل تناقضاته وعيوبه وجماله، بكل صراعاته الداخلية وجروحه العميقة وانتصاراته الصغيرة.

سادساً، عليك أن تعي أنّ الكتابة من القلب هي عملية مستمرة، غير منتهية، لأنّ القلب نفسه في حالة تغير وتطور دائم، ما كتبته بصدق اليوم قد لا يكون صادقاً غداً، لأنك ستكون شخصاً مختلفاً، بخبرات وتجارب جديدة، لذلك، الكتابة الصادقة هي دائماً في حالة بحث، استكشاف، تغير، لا تخف من تغيير رأيك، من رؤية الأشياء بطريقة مختلفة، من الاعتراف بالخطأ والتناقض، هذا ليس ضعفاً، بل هو علامة على النمو، على الصدق مع الذات ومع القراء.

وأخيراً، عليك أن تتذكر دائماً أنّ الكتابة من القلب ليست عملاً فردياً منعزلاً، بل هي جسر يربط بين الكاتب والقارئ، بين إنسان وإنسان، حتى في أكثر لحظات الكتابة خصوصية وحميمية، حتى عندما تكتب عن أكثر تجاربك الشخصية، أنت تمُد يدك عبر الفراغ نحو قارئ مجهول، تقول له: “أنا مثلك، أشعرُ مثلك، أخافُ مثلك، أحلمُ مثلك” عندما تكتب من قلبك، تخلق جسراً من التعاطف والفهم والمشاركة الإنسانية، تقول للقارئ: “لستَ وحدك” وهذه ربما هي أعظم هدية يمكن أن تقدمها الكتابة.

الكتابة من القلب ليست تقنية أو أسلوب، هي طريقة في رؤية العالم وفهم الذات، ورحلة شاقة، متعبة، مؤلمة أحياناً، لكنها في النهاية الطريق الوحيد للوصول إلى جوهر ما يعنيه أن تكون إنساناً، عندما تكتب من قلبك، لا تكتب فقط كلمات على ورق، بل تقدم قطعة من روحك، جزءاً من وجودك، بصمة لا يمكن تكرارها، وهذا، في النهاية، هو ما يجعل الكتابة تستحق كل هذا العناء.

ولأنّ العالم لا يحتاج إلى كتابات أخرى باردة، خالية من الحياة، يحتاج العالم إلى صوتك الفريد، رؤيتك، قصتك، حقيقتك، يحتاج إلى الكلمات التي تنبع من ذلك المكان العميق بداخلك، الذي لا تنفصل فيه الأفكار عن المشاعر، وينصهر كل شيء في بوتقة واحدة، ليُخرج منها ذهب الكتابة الحقيقية، الكتابة التي تعبُر الزمن وتبقى حية لأجيال قادمة، لأنها تحمل في طيّاتها شيئاً من جوهر الحياة نفسها.

اكتب من قلبك، بكل صدق وشجاعة، وثق أنّ كلماتك ستجد طريقها إلى القلوب التي تنتظرها، حتى لو لم تكن تعرف بعد أنها تنتظر.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق