يوسف الخطيب
حين تتعرض الأمم لاحتلال أراضيها وتدمير مؤسساتها وتهديد ثقافتها، يصبح الإبداع الفني والأدبي واحداً من أقوى سبل المقاومة وأكثرها تأثيراً، فعندما تصمت البنادق أو تُكمَّم الأفواه، تبقى الكلمة والريشة والقلم أدوات تصرخ في وجه الاحتلال وترفض الاستسلام للواقع المفروض.
أدب المقاومة هو ذلك التعبير الإبداعي الذي ينبثق من قلب المعاناة، ليصور الواقع المأساوي ويتجاوزه في آن واحد، إنه ليس مجرد توثيق للألم، بل هو صرخة احتجاج، وأمل متجدد، ودعوة للصمود والتحدي، وهو إبداع يمتزج فيه الوطني بالإنساني، والذاتي بالجماعي، ليشكل تعبيراً أصيلاً عن هوية شعب يرفض الذوبان.
في فلسطين، ظهر أدب المقاومة كضرورة وجودية أمام محاولات طمس الهوية الفلسطينية وتزوير التاريخ، فمنذ النكبة عام 1948، والإبداع الفلسطيني يحمل هموم شعب مشرد ومحتل، ويُعبر عن تطلعاته للحرية والعودة، وتنوعت أشكال هذا الإبداع لتشمل الشعر والرواية والقصة والمسرح والكاريكاتير، وغيرها من وسائل التعبير.
يتميز أدب المقاومة الفلسطيني بخصائص عديدة، فهو أدب ينبع من تجربة مُعاشة، ويُعبر عن معاناة حقيقية، كما أنه يتجاوز البُعد المحلي إلى البُعد الإنساني، يخاطب ضمير العالم، ويطرح قضايا الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهو أدب متطور، يتفاعل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية، ويستجيب للتحديات المتجددة.
ظهر تأثير أدب المقاومة الفلسطيني بوضوح في جوانب متعددة، فعلى المستوى الفلسطيني، ساهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز روح الصمود والمقاومة، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني، وعلى المستوى العربي، شكل رافداً مهماً للأدب العربي المعاصر، وألهم العديد من الأدباء والمفكرين العرب، أما على المستوى العالمي، فقد نجح في جذب انتباه الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية، وتقديمها بصورة إنسانية بعيداً عن الدعاية السياسية.
لم يكن هذا الأدب تعبيراً عن الواقع وحده، بل كان عاملاً مؤثراً في تشكيله أيضاً، فقد ألهمت الكلمات والصور النضال الفلسطيني، وساهمت القصائد والروايات في تعبئة الجماهير وتحفيزها على المقاومة، وأصبحت بعض القصائد والمقولات الأدبية شعارات تُرفع في المظاهرات وعلى جدران المخيمات.
في هذه المقالة، سنتناول تجارب أربعة من أبرز رموز أدب المقاومة الفلسطيني: غسان كنفاني الذي وضع الأساس النظري لأدب المقاومة، وناجي العلي الذي حوّل الكاريكاتير إلى سلاح للمقاومة، وعبدالرحيم محمود الذي جمع بين الشعر والنضال المسلح، ومحمود درويش الذي أعطى للمقاومة صوتاً شعرياً خالداً، ومن خلال هذه النماذج، سنرى كيف استطاع الإبداع الفلسطيني أن يرسم ملامح الهوية الوطنية، ويواجه محاولات طمسها وتشويهها.
وكما قال غسان كنفاني يوماً: “إن أدب المقاومة ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو محاولة لتغييره”، ولذلك فهو لا يكتفي بتصوير المأساة، بل يسعى إلى تجاوزها، ولا يقتصر على توثيق الهزيمة، بل يحلم بالنصر، ولا يغرق في البكاء، بل يصر على الأمل.
غسان كنفاني: مؤسس نظرية أدب المقاومة
لم يكن غسان كنفاني مجرد روائي وكاتب، بل كان مفكراً مقاوماً ومنظراً للأدب الفلسطيني المقاوم، ففي عام 1966، أطلق كنفاني دراسته الرائدة “أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966” التي سعى من خلالها إلى “كسر الحصار المضروب حول أوضاع العرب في الأرض التي احتلت عام 1948 وإضاءة كل موضع صمود فيها” كان كنفاني يدرك بعمق أهمية الأدب في مقاومة المحتل، وأن فعل المقاومة بالقلم والكلمة لا يقل أهمية عن المقاومة بالسلاح.

ووصف كنفاني أدب المقاومة بأنه “أدب لا ينوح ولا يبكي، لا يستسلم ولا ييأس”، لأن رؤيته “لم تكن ارتجالاً عاطفياً، ولكن وعياً عميقاً مسؤولاً”، في روايته “رجال في الشمس” التي تعتبر أشهر أعماله، قدم كنفاني صورة بارعة لمعاناة الفلسطينيين وتشتتهم وموتهم في الحر اللاهب، في صندوق سيارة تهريب، بينما يقف العالم العربي صامتاً، وكانت صرخته المدوية في نهاية الرواية “لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟” تعبيراً عميقاً عن ضرورة المقاومة والرفض.
لم يكتفِ كنفاني بالروايات والقصص، بل اتجه إلى الدراسات النقدية ليحلل ظاهرة الأدب المقاوم ويضع أسسها النظرية، وأعقب دراسته الأولى بدراسة ثانية بعنوان “الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968” عام 1968، ثم دراسة ثالثة بعنوان “في الأدب الصهيوني” عام 1967، وهو بذلك يكون قد جمع بين الإبداع والنقد، بين الإنتاج الأدبي والتنظير له.
كانت نظرته للمقاومة شاملة، تتجاوز حدود المفاهيم الضيقة، فكتب: “إننا نُزوِّر العالم كي نفهمه”، في إشارة عميقة إلى دور الأدب في إعادة تشكيل الواقع وتحويله من مجرد وقائع مأساوية إلى رؤية للتغيير والمقاومة، وتحول أدب المقاومة في رؤيته “بعد الخمسينيات من الحماسة إلى الحزن العميق”، لكنه ظل محتفظاً بجذوة الأمل وضرورة الفعل.
ناجي العلي: المقاومة بريشة الكاريكاتير
إذا كان غسان كنفاني قد أسس للمقاومة بالكلمة، فإن ناجي العلي كان رائد المقاومة بالخط واللون عبر فن الكاريكاتير الذي تحول على يديه إلى سلاح قوي ضد الاحتلال والقمع والتخاذل.

رسم ناجي العلي نحو 40 ألف كاريكاتير خلال مسيرته الفنية، “وكانت ريشته مشرطاً يحاول استئصال كل الأورام الخبيثة في الجسم العربي”، تميزت رسوماته بالجرأة والصراحة، وملامسة هموم الناس وتوجهات الشارع العربي، وخصوصاً معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال والتشرد.
ولعل أبرز ما يميز فن ناجي العلي هو ابتكاره لشخصية “حنظلة”، ذلك الطفل الفلسطيني الذي وُلد في سن العاشرة عام 1969، والذي “لن يكبر أو يدير وجهه إلا عندما يحين استرداد الكرامة العربية” كما قال عنه العلي نفسه، كان حنظلة رمزاً للطفولة الفلسطينية المغتصبة، وللمراقب الصامت الذي يشهد على كل جرائم الاحتلال وتخاذل العرب.
قال ناجي العلي يوماً عن حنظلة: “حنظلة رمز لذاتي أنا، ليس لديه استعداد للمراوغة في ما يخص الحقيقة، وأصبحت له هوية إنسانية، هو غير قادر ولكنه غير مستسلم، هو رمز لرفض واقع معين”، وكانت شخصية حنظلة تقف في معظم رسومات ناجي العلي شاهدة على الأحداث، تدير ظهرها للمشاهد وتشبك يديها خلف ظهرها في دلالة على رفض الاستسلام.
لم يكن ناجي العلي يهادن أو يجامل في رسوماته، بل كان ينتقد بشدة الاحتلال الإسرائيلي والأنظمة العربية المتخاذلة على حد سواء، وكان يقول: “كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي، أنا أعرف خطاً أحمراً واحداً”، ودفع حياته ثمناً لهذه الجرأة غير المسبوقة، حيث تم اغتياله في لندن عام 1987، ليصبح شهيد الكلمة والريشة.
ولعل أبرز ما يميز فن ناجي العلي هو ابتكاره لشخصية “حنظلة”، ذلك الطفل الفلسطيني الذي وُلد في سن العاشرة عام 1969، والذي “لن يكبر أو يدير وجهه إلا عندما يحين استرداد الكرامة العربية”.
عبدالرحيم محمود: شاعر الفداء والشهادة
في عالم الشعر والمقاومة، يبرز اسم عبدالرحيم محمود كأحد أبرز شعراء فلسطين الشباب الذين جمعوا بين القول والفعل، بين الكلمة والبندقية. وُلد عبدالرحيم محمود في بلدة عنبتا بقضاء طولكرم عام 1913، وكان شاعراً ومناضلاً في آن واحد، حيث شارك في ثورة 1936-1939 ضد الاحتلال البريطاني، وقاتل حتى استشهد في معركة الشجرة عام 1948.

اشتهر عبدالرحيم محمود بقصيدته الرائعة “الشهيد” التي تُعد من أجمل ما كُتب في الشعر العربي المقاوم، والتي تنبأ فيها باستشهاده:
“سَأَحمِلُ روحي عَلى راحَتي
وَأَلقي بِها في مَهاوي الرَّدى
فَإِمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَديقَ
وَإِمّا مَماتٌ يَغيظُ العِدى”
كان عبدالرحيم محمود في هذه القصيدة يُعبر عن استعداده للتضحية والفداء، ويؤكد على قيمة الشهادة في سبيل الوطن، وأن الحياة لا معنى لها بدون حرية وكرامة، ويواصل:
“أَرى مَقتَلي دونَ حَقّي السَليب
وَدونَ بِلادي هُوَ المُبتَغى
يَلِذُّ لِأُذني سَماعُ الصَليل
يَهيِّجُ نَفسي مَسيلُ الدِّما”
هذه الروح الفدائية جعلت الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا يصفه بأنه “الشاعر الشهيد”، حيث لُقب بالشهيد قبل أن ينال الشهادة، وقال عنه: “عبد الرحيم محمود من أبرز شعراء فلسطين الشباب، وهو إلى ذلك المناضل المجاهد الذي افتدى وطنه بنفسه”.
قدم عبدالرحيم محمود نموذجاً فريداً لشعر المقاومة والقتال من أجل الحرية، وربط بوعي بين الموقف والمعنى، فقاتل بسلاحه حتى نال الشهادة، وخلد اسمه في سجل الأدب الفلسطيني المقاوم، وتجسدت في شعره قيم الفداء والتضحية والبطولة، في صور شعرية قوية وعميقة، تعكس إيمانه بالحرية وحقه في الوطن.
محمود درويش: صوت فلسطين الشعري
يعد محمود درويش (1941-2008) أشهر شعراء فلسطين المعاصرين، وأكثرهم قدرة على التعبير عن قضية شعبه ومعاناته، بدأ محمود درويش شعر المقاومة منذ أيام شبابه مع ديوانه “أوراق الزيتون” عام 1964، ثم “عاشق من فلسطين” عام 1966، حيث نال بعدهما لقب “شاعر مقاومة فلسطيني”.

من أشهر قصائد محمود درويش في أدب المقاومة، قصيدة “سجل أنا عربي” التي أصبحت أيقونة شعرية تُعبر عن الهوية الفلسطينية والعربية في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء، يقول فيها:
“سجّل، أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانية
وتاسعهُم سيأتي بعدَ صيفْ
فهلْ تغضب؟”
وتتألق في هذه القصيدة مفردات البساطة والطبيعة والأرض، التي تشكل جوهر الهوية الفلسطينية، ويؤكد درويش على ارتباطه العميق بجذوره:
“جذوري قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ
وقبلَ تفتّحِ الحقبِ
وقبلَ السّروِ والزيتونِ
وقبلَ ترعرعِ العشبِ”
ومن قصائده المشهورة أيضاً “على هذه الأرض” التي يقول فيها: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، وقصيدة “عاشق من فلسطين”، وقد تميز شعر درويش برمزيته العالية، ولغته الغنية بالصور الشعرية المبتكرة، وقدرته على مزج الهم الوطني بالإنساني، والخاص بالعام.
استطاع محمود درويش أن يحوّل المأساة إلى جمال، وأن يصنع من الألم شعراً يتغنى به الملايين، كان صوتاً للمقاومة بامتياز، وكانت قصائده تُردد في المظاهرات والمناسبات الوطنية، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وكان همه الأساسي هو البحث عن فلسطين التي تحولت في شعره إلى رمز للحرية والعدالة.
يقول الناقد والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: “إن الأدب يلعب دوراً مركزياً في تشكيل الهوية الفلسطينية، وفي مقاومة المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى محو هذه الهوية وإلغائها”.
تشكيل الهوية الفلسطينية
حين نتأمل في إبداعات هؤلاء الفنانين والأدباء، نجد أنها تُشكّل معاً فسيفساء غنية للهوية الفلسطينية، تجمع بين الكلمة والصورة، بين الشعر والنثر، بين الواقع والرمز، وقد استطاع كل منهم، من خلال أسلوبه الخاص، أن يساهم في تشكيل ملامح هذه الهوية وترسيخها في الوجدان العربي والعالمي.
فالكاريكاتير عند ناجي العلي كان يخاطب الوجدان الشعبي بلغة بصرية مباشرة، تُعبر عن هموم الناس البسطاء وآلامهم، وتفضح زيف السياسات والشعارات، بينما كانت قصائد عبدالرحيم محمود تمثل روح الفداء والتضحية، والاستعداد للموت في سبيل الوطن، أما محمود درويش فجسد بشعره العميق البُعد الإنساني للقضية الفلسطينية، وربطها بقضايا الحرية والكرامة في العالم أجمع.
وقد كان غسان كنفاني هو الجامع لهذه الروافد، من خلال تنظيره لأدب المقاومة، ومن خلال إبداعه الروائي الذي صور معاناة الفلسطينيين بعمق وإنسانية.
يقول الناقد والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: “إن الأدب يلعب دوراً مركزياً في تشكيل الهوية الفلسطينية، وفي مقاومة المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى محو هذه الهوية وإلغائها”. فالأدب ليس ترفاً، بل هو ضرورة وجودية للشعب الفلسطيني، “يعمل على توثيق الماضي وتسجيل الحاضر واستشراف المستقبل، ويساهم في تعزيز الانتماء والصمود في وجه محاولات الطمس والتهويد”.
وقد استخدم المبدعون الفلسطينيون رموزاً متعددة للتعبير عن هذه الهوية، مثل الزيتون والبرتقال والمفتاح والكوفية، وكلها رموز ارتبطت بالأرض والتراث والتاريخ الفلسطيني، كما ارتبطت هذه الإبداعات بالمكان الفلسطيني، سواء المحتل منه أو المفقود، وحاولت الحفاظ على ذاكرة هذا المكان ضد محاولات التزوير والطمس.
أدب المقاومة وتحديات المستقبل
إن أدب المقاومة الفلسطيني، بكل أشكاله وتجلياته، يواجه اليوم تحديات كبيرة في ظل استمرار الاحتلال وتصاعد وتيرة الاستيطان والتهويد، لكنه يظل هو الحصن الأخير للهوية الفلسطينية، والصوت الذي لا يمكن إسكاته مهما اشتدت المحاولات.
وإذا كان غسان كنفاني قد اغتيل، وناجي العلي قد اغتيل، وعبدالرحيم محمود قد استشهد، ومحمود درويش قد رحل، فإن إبداعاتهم تظل حية في وجدان الأجيال، تلهمها وتدفعها للاستمرار في طريق المقاومة والنضال من أجل الحرية والعودة.
ويبقى هذا الإبداع المقاوم هو شهادة الميلاد الحقيقية للهوية الفلسطينية، وهو السجل الذي لا يمكن تزويره أو طمسه، كما يبقى غسان كنفاني هو الرائد الذي منح هذا الإبداع اسمه ونظريته، وربط بين الكلمة والبندقية، بين الفكر والفعل، مؤكداً أن المقاومة لا تكتمل إلا بهما معاً.
وكما قال غسان كنفاني يوماً: “إن أدب المقاومة ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو محاولة لتغييره”، ولذلك فهو لا يكتفي بتصوير المأساة، بل يسعى إلى تجاوزها، ولا يقتصر على توثيق الهزيمة، بل يحلم بالنصر، ولا يغرق في البكاء، بل يصر على الأمل.


أضف تعليق