سارة خالد – الجزائر
في الصّباح الباكر يمضي الصيادون في مجموعات يختلف عدد أفرادها في ساعة واحدة نحو البحر الذي يمتد بزرقته مطمئناً، وعلى ضفافه تركن القوارب منتظرةً أصحابها الذين لا يتأخرون عنها بدقيقة واحدة أو يزيدون، يجهزون عُدّة الصيد ويطلقون قواربهم في عرض البحر لينطلقوا في رحلتهم الصباحية التي تدوم حتى ساعات متأخرة من اليوم، ولا يعودون حتى آخرالمساء بشباك محملة بالأسماك يمضون بها إلى الأسواق لبيعها، وكان من بينهم الإخوة الثلاث حازم وناصر ومنصور، يشتركون في صيدهم على قارب واحد كان هو كل ما تبقى لهم من إرث والدهم الذي كان بدوره يوماً صياداً، يهرعون إلى البحر كل صباح بأجساد قوية تتمتع بطاقة وحيوية لا تنفذ وأعين تتطلع بحرارة إلى البحر الراسخ وبأنفسهم ثقةٌ بأنّ البحر صديق لا يخون، يعرف وجوههم ويألف أيديهم التي اعتادت على أن تلقي بحزم من الشباك في عمقه فتعود محملة بالأسماك ثم يستمرُ في سكونه المهيب يتماوج برفق حتى يرسو القارب إلى الشاطئ بسلام، وكلما أنهوا مهمتهم في الصيد رجعوا إلى كوخهم الذي يقع على مسافة غير بعيدة من الشاطئ، ينزعون ثياب العمل ليستبدلوها بعباءات زرق ثم يلقوا بصيدهم الوفير في صناديق يحملونها على ظهورهم ويمضون بها إلى السوق ليبيعوها ثم يبتاعون بثمنها لوازم يحتاجونها، وقد مضت حياتهم على هذا النحو حتى لاحظ الناس عادتهم المتكررة في ارتداء العباءات الزرق كلما ذهبوا إلى السوق فلا يغفلون عن ارتدائها يوماً أو ينسون ذلك، الشيء الذي جعلَ الأصوات ترتفع متسائلة عن السرّ الذي ينطوي عليه هذا الفعل الغريب واجتمعت أفراد من الصيادين، فقال أحدهم:
إنهم يفعلون هذا كل يوم، الأمر لا يمكن أن يكون صدفة بأي حال، ثم إنهم يبيعون كل ما في الصناديق من أسماك..
وقال آخر:
أجل، لماذا اللون الأزرق تحديداً؟ أكاد أجزمُ أنه سرٌّ غامض لا يريدون أن يُطلعوا عليه أحداً.
وقال آخر:
ربما يكون لوناً جالباً للحظ، ربما يجلبُ اللون الأزرق الزبائن تماماً كما يجلب البحر الصيادين.
وقطعَ حوارهم الذي بلغ غايةً من الحرارة والأهمية صوتُ حميد الرجل الثمل أبداً والذي لا يكاد يصحو من سكرته حتى يذهب في سكرة ثانية:
وما شأنكم بهم؟ دعوا الناس في شؤونهم.. إنكم حمقى.. حمقى..
وانطلق في مشيته المترنحة هائماً، ولم يكن أحد ليهتم بكلامه وقد استمروا في موجة العجب التي حيّرت عقولهم حتى قال واحد منهم:
لديّ فكرة حتماً ستنجح وستحلُّ كل هاتهِ الحيرة.
وبصوتٍ واحد منتظرين الإجابة قالوا:
تكلم.. ما هي؟
سنفعل ما يفعلون، سنعود من الصيد لنرتدي عباءات زُرق ونمضي بها إلى السوق.
غيّم اللونُ الأزرق في اليوم التالي على السوق بأكمله وامتلئت أعينهم بالترقب لشيء مُنتظرٍ ثم تقدّم الإخوة الثلاث منهم، وقال ناصر بعجب:
هذا حقاً رائع، جيّدٌ ما فعلتم، العباءاتُ بلونها الأزرق لن تبدو عليها أي أوساخ حتى ولو تمّ غطسها في صندوق كامل من السمك فلن يظهر عليها شيء، لقد كان عليكم يا رفاق أن تفعلوا هذا منذ زمن تماماً كما نفعل نحن..


أضف تعليق