إيمان عابد
ما هي أحلامك وأمنياتك في العام الجديد 2025؟
هزّني السؤال، طرق مسامعي مدوّياً، علامات التعجب تعجّ وتثور في مخيلتي، المئات المئات من علامات الاستفهام تحتشد حائرة على شفتي.
تُرى بمَ قد يجيب أطفال غزة؟! وهم لم يحلموا يوماً بأكثرَ من حياة كالحياة، ماذا يمكن أن يحمل العام الجديد بحُلته هذه خلاف ما ذاقوه في سالف الأعوام؟! كيف ستكون أحلامهم وما زال شبح العدوان والقتل والتهجير والتشريد يطاردهم في كل مكان، يقتفي آثارهم، يعدّ عليهم أنفاسهم، يسرقُ قمر لياليهم، ويغتال شمسهم في وضح النهار.
هل بقي لهم بعد ذلك أحلام ينسجونها، أو أمنيات يتمنَّونها؟! يستنقذون العالم، يستصرخونه، فيجعل أصابعه في آذانه، ويستغشي ثيابه مستكبراً مصراً على الخذلان، فما من سامع، ولا من مجيب يلبي النداء.
أطفال غزة ولدوا ليحيَوا شهداء عند ربهم يرزقون، أحلامهم تناطح السحاب، لا يحيطها تصوّر، ولا يحدّها خيال، حبُّ الوطن والفداء والتضحية، والمقاومة، ورفض الذلّ، وكسر القيد تحتاج أحلاماً ليست كالأحلام؛ النصر لا ينبتُ إلا حيث يروي الدم عروق الأوطان، والحرية ميدانها سماء العزة والإباء، وموطنها أعالي الجبال حيث الصقور والنسور تحلق لا الغربان.
في غزة يولد الأحرار، ويُصنعُ الرجال، منذ نعومة أظفارهم يَجبلون بصَلَد الصبر والعنفوان، ليكبروا ميامين أبطالاً؛ فلا هوانَ في غزة ولا صَغار.
ربما كان الأجدر بالمذيع أن يلقي بقميص سؤاله على مكان غير هذا المكان، ربما الأنسب أن يلقيَه على شوارع شيكاغو، أو أحياء لندن أو باريس، أما أن يجول به في غزة فلا بدّ أنه أخطأ العنوان.
أحلام أطفال غزة لا تصلح لعالم تحكمه الغيلان، دُنِّست فيه المبادئ والقيم والمُثُل، وديست فيه الحقوق والأنظمة، ليقتلوا في كل واحد منهم الطفولة، ويحكموا بشرائع ما أنزل الله بها من سلطان.
من الحروب العالمية إلى الانتداب والاستعمار، إلى الحرب الباردة، إلى إشعال الفتن والحروب الأهلية في أصقاع الأرض، إلى عصر العولمة، ثم نصلُ أخيراً إلى بهمنة العالم (تحويله إلى بهائم مسخرة لخدمة بني إسرائيل) ما زالت تدور رحى الظلم والعدوان، تسحق تحت أقدام الطغاة كل شيء ينبض حتى أحلام الصغار.
كان حسبُ المذيع أن ينظر في وجوه أطفال غزة؛ ليجد جواباً عن ذلك السؤال، وقتها لاستطاع أن يقرأ في عيونهم أنً الاحلام وحدها لا تفي بعهد العدل والأمن والسلام، أين الأحبة والأهل والأصحاب يتقاسمون معهم الآمال؟! أين الذكريات تدفئ قلوبهم الحرّى؟! أين الوطن يرتمون بين ذراعيه؛ ليجدوا في حضنه الأمان؟!
عندها ستخبره نبرة صوتهم أنّ رحم الأيام عقيم، وبالرغم من ألمهم وجرحهم الذي يكبر بطيّ صفحات العام بعد العام، والسنة بعد السنة، هم سيبقون يحفرون الصخر، ويكابدون القهر، ويواجهون الظلم، حتى يلوح عام نصرهم وتحريرهم خافقاً مع صوت الآذان.
فكما تتفتّح الورود بين الأشواك، وتزهُر البراعم رغم الرعود والصواعق وتورق الأغصان، سينشقُّ ظلام الليل عن شمس الصباح، وتسبح في سماء الوطن الغالي أسراب الحمام، ويزدان طريقهم بأشجار الزيتون، وأكاليل الغار، ويشمخُ من جديد شجر السنديان، وتصدح زغاريد النساء، وتعلو دبكات الرجال في كل حارة وزقاق وميدان، لن يعود هناك متّسع للأحزان والآلام، فقد عاد إلى أصحابه مفتاح الدار، وآنَ أن تغفوَ في حضن الوطن الحبيب عيون الأطفال؛ تراودهم أحلامٌ كباقي الأحلام.


أضف تعليق