غسان كنفاني: الكلمة التي صارت قضية

يوسف الخطيب

أحفر في ذاكرة التاريخ لأستخرج من باطنها قصة إنسان حمل قلمه كسيف في معركة الكلمة، أتصور وجهه الممتلئ بتعابير الألم والأمل فوق صفحة الزمن، يطل عليّ من بين سطور رواياته وقصصه التي حملت نبض فلسطين منذ نصف قرن وأكثر.

غسان كنفاني، ليس مجرد اسم عابر في قائمة الشهداء أو الكتّاب، بل هو قضية متجسدة في هيئة إنسان، كيف أكتب عنه وكلماتي تبدو باهتة أمام حضوره الطاغي؟ وكيف أحوِّل سيرته إلى كلمات بينما هو من حوَّل الكلمات إلى حياة؟

يا للغرابة! كم من الأموات يرقدون في قبورهم وهم أحياء، ويا للعجب كم من الأحياء يمشون على الأرض وهم أموات! غسان كنفاني رحل جسداً، لكن روحه ما تزال تتنفس في كل كلمة كتبها، في كل فكرة ناضل من أجلها، في كل شخصية رسمها في أعماله الأدبية، هو من استيقظ باكراً في ذلك الصباح المشؤوم ليقدم دمه شهادة على صدق كلماته.

الطفولة مع المنفى

ولد غسان كنفاني في عكا بفلسطين يوم التاسع من أبريل عام 1936، في زمن كانت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني، لكن الزمن لم يمهله طويلاً ليترعرع في أرضه، إذ كان في الثانية عشرة من عمره عندما اجتاحت النكبة الفلسطينية وطنه عام 1948، ليعيش بعدها مع عائلته لاجئاً في سوريا.

تلك البداية المبكرة مع التشرد شكّلت بذرة وعيه السياسي والفكري، لم يكن غسان طفلاً عادياً، كان يحمل في عينيه الواسعتين صورة وطن سُلب منه فجأة، وفي ذهنه الصغير أسئلة كبيرة عن العدالة والظلم، عن الوطن والمنفى، عن الهوية المسلوبة والحق المغتصب.

في المنفى السوري، بدأت رحلة التعليم والمعرفة، والتي لم تكن سهلة على طفل لاجئ، درس في دمشق، وعمل مدرساً في مدارس وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) في دمشق ثم في الكويت، وفي هذه الفترة بدأت تتشكّل شخصيته الأدبية والفكرية، ليكون صوتاً للاجئين، وقلماً للقضية الفلسطينية.

كان غسان كنفاني متيماً بالمعرفة، متعطشاً للثقافة، يقرأ كل ما تقع عليه يداه من كتب وروايات ومقالات، ليشكّل لنفسه عالماً فكرياً خاصاً به، وكانت بداياته الأدبية مبكرة، إذ بدأ الكتابة في الصحف السورية واللبنانية في سن مبكرة، ليتحوّل فيما بعد إلى أحد أبرز الأصوات الأدبية والفكرية العربية.

إذا نظرنا إلى كلمات غسان كنفاني، لوجدناها تنبض بالثورة والتمرد والرفض، لم يكن أديباً تقليدياً يبحث عن الجمال المحض أو يتغنى بالطبيعة والحب، بل كان أديباً ملتزماً بقضية وطنه، يمزج في كتاباته بين الفن الروائي الرفيع والالتزام السياسي العميق.

كتب غسان كنفاني مجموعة من الروايات والقصص القصيرة التي لا تزال تُقرأ وتُدرس حتى يومنا هذا، نذكر منها: “رجال في الشمس” (1963)، “ما تبقى لكم” (1966)، “أم سعد” (1969)، و”عائد إلى حيفا” (1970)، إضافة إلى مجموعات قصصية مثل “موت سرير رقم 12″ (1961) و”أرض البرتقال الحزين” (1963) و”عن الرجال والبنادق” (1968).

كان غسان كنفاني متيماً بالمعرفة، متعطشاً للثقافة، يقرأ كل ما تقع عليه يداه من كتب وروايات ومقالات، ليشكّل لنفسه عالماً فكرياً خاصاً به، وكانت بداياته الأدبية مبكرة، إذ بدأ الكتابة في الصحف السورية واللبنانية في سن مبكرة، ليتحوّل فيما بعد إلى أحد أبرز الأصوات الأدبية والفكرية العربية.

تميزت كتاباته بأسلوب سردي محكم، وقدرة فائقة على التصوير، وعمق في تحليل الشخصيات، وبراعة في نسج الحبكات الروائية، لكن ما يميز أدب غسان كنفاني حقاً هو تلك القدرة الفذة على تحويل المأساة الفلسطينية من مجرد حدث سياسي إلى تجربة إنسانية عميقة تلامس وجدان القارئ وفكره.

في “رجال في الشمس” مثلاً، صوّر مأساة ثلاثة فلسطينيين يحاولون الهروب من واقعهم المرير عبر التسلل في خزان شاحنة إلى الكويت، ليموتوا مختنقين في صحراء الوطن العربي، وفي ختام الرواية يطرح السؤال الصادم: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” وهو سؤال لم يوجهه فقط إلى أبطال روايته، بل إلى كل فلسطيني ولكل عربي: لماذا السكوت؟ لماذا الاستسلام؟

أما في “عائد إلى حيفا”، فيصور لنا قصة سعيد، الذي يعود إلى مدينته حيفا بعد حرب 1967 ليبحث عن ابنه الذي فُقد أثناء النكبة، ليكتشف أنه أصبح جندياً في الجيش الإسرائيلي، تربى على يد زوجين يهوديين، هنا يغوص كنفاني في أعماق التراجيديا الفلسطينية، ويطرح أسئلة جوهرية حول الهوية والانتماء والوطن.

ولم يكتف غسان كنفاني بالإبداع الروائي والقصصي، بل كان أيضاً صحفياً بارعاً، عمل في عدة صحف ومجلات عربية، وأسس مجلة “الهدف” التي كانت منبراً للفكر الثوري الفلسطيني، كما كان ناطقاً رسمياً باسم “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، التي كان من مؤسسيها مع جورج حبش وغيره من المناضلين الفلسطينيين.

غسان كنفاني كان أديباً بالمعنى الشامل للكلمة، كتب في النقد الأدبي، ونشر دراسة نقدية مهمة بعنوان “في الأدب الصهيوني”، تناول فيها بالتحليل والنقد الأدب الذي يخدم الأيدولوجية الصهيونية، كما كتب النصوص المسرحية، ومارس الرسم والكاريكاتير، وأنجز دراسات اجتماعية وسياسية مهمة حول القضية الفلسطينية.

هذا التنوّع في نتاجه الفكري والأدبي يُظهر شخصية غسان كنفاني الموسوعية، وقدرته الفائقة على التعبير عن قضيته بمختلف الأشكال الأدبية والفنية، لم يسجن نفسه في قالب أدبي معين، بل كان متحرراً من القيود الشكلية، باحثاً دوماً عن القالب الأمثل للتعبير عن فكرته.

ولعل ما يميز إنتاج غسان كنفاني الأدبي هو تلك القدرة الفذة على المزج بين الواقعية والرمزية، بين الحس الإنساني العميق والفكر السياسي الرصين، بين جمال اللغة وقوة المضمون، جعلت هذه المزايا من أدبه جسراً بين الثقافات المختلفة، وترجمت أعماله إلى أكثر من 17 لغة، ونالت اهتماماً واسعاً من النقاد والقراء في مختلف أنحاء العالم.

الموت الذي لم يكن مفاجئاً

في صباح الثامن من يوليو عام 1972، انفجرت سيارة غسان كنفاني في بيروت، ليرتقي شهيداً مع ابنة شقيقته لميس نجم البالغة من العمر سبعة عشر عاماً، كانت يداً إسرائيلية هي من وضعت العبوة الناسفة تحت سيارته، بعد أن أصبح صوته وقلمه خطراً على المشروع الصهيوني.

إن كان الموت عادة يأتي مفاجئاً، فإنّ غسان كنفاني كان على موعد معه، كان يعرف أنّ الكلمة التي يحملها تساوي الرصاصة في خطرها على العدو، وأنّ القلم الذي يُمسكه لا يقل تهديداً عن البندقية، ولذلك كان يقول قبل استشهاده: “ليس المهم أن يموت الإنسان قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت”.

لقد كان غسان كنفاني مدركاً أنّ مصيره مرتبط بمصير قضيته، وأنّ طريقه محفوف بالمخاطر، لكنه لم يتراجع أو يتردد، بل ظل مناضلاً بالكلمة حتى آخر لحظة من حياته.

بعد أكثر من خمسين عاماً على رحيله، ما يزال غسان كنفاني حاضراً في وجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية، أعماله الأدبية ما تزال تُقرأ وتُدرس، وأفكاره ما تزال ملهمة للأجيال الجديدة من الكتّاب والمناضلين، ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، وتحولت بعض رواياته إلى أفلام سينمائية ومسرحيات، مما أتاح لها الانتشار على نطاق أوسع.

استطاع غسان كنفاني، في عمره القصير الذي لم يتجاوز السادسة والثلاثين، أن ينجز ما يعجز عنه كثيرون في أعمار مديدة، استطاع أن يجعل من الأدب سلاحاً في معركة التحرير، وأن يحول الكلمة إلى رصاصة، والقلم إلى بندقية.

وربما كان أهم ما يميز إرث غسان كنفاني هو تلك القدرة على تجاوز الزمن والمكان، فرغم أنّ كتاباته كانت مرتبطة بواقع محدد وزمن معين، إلا أنها استطاعت أن تتحول إلى نصوص إنسانية عابرة للحدود الزمنية والمكانية، تخاطب كل إنسان يناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة، في أي زمان ومكان.

إن كان الموت عادة يأتي مفاجئاً، فإنّ غسان كنفاني كان على موعد معه، كان يعرف أنّ الكلمة التي يحملها تساوي الرصاصة في خطرها على العدو، وأنّ القلم الذي يُمسكه لا يقل تهديداً عن البندقية، ولذلك كان يقول قبل استشهاده: “ليس المهم أن يموت الإنسان قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت”.

كان غسان كنفاني يؤمن بأنّ الكلمة الصادقة هي التي تنبع من عمق التجربة الإنسانية، وليست مجرد تنظير فكري أو ترف ثقافي، لذلك كانت كتاباته صادقة وعميقة، تمس شغاف القلب وتخاطب العقل في آن واحد.

لقد عانى غسان كنفاني من التشرد والمنفى، فكتب عنهما بصدق وألم، وعاش مأساة شعبه، فصوّرها بواقعية وعمق، وآمن بحتمية النصر والتحرير، فبَشر بهما بثقة ويقين، إنّ كلمات غسان كنفاني هي دماء تنبض بالحياة، وروح تتنفس الحرية.

وإذا كان المبدعون يختلفون في رؤيتهم للعالم وللفن، فإنّ غسان كنفاني كان واضحاً في رؤيته: الأدب ليس نزهة ثقافية أو ترفيهاً فكرياً، بل هو موقف وقضية والتزام، الأدب، في نظره، هو شكل من أشكال المقاومة، ووسيلة من وسائل التحرير.

أي رسالة تركها غسان كنفاني للأجيال القادمة؟ إنها رسالة الأمل رغم الألم، والإيمان رغم المعاناة، والمقاومة رغم كل المحن، رسالة تقول إنّ الكلمة الصادقة لا تموت، وإنّ الحق لا يضيع، وإنّ الظلم لا يدوم.

رسالة تقول إن الفلسطيني ليس رقماً في قوائم اللاجئين، أو ضحية تستجدي العطف، بل هو إنسان كامل له كرامته وحقوقه وتاريخه وثقافته، له ماضيه وحاضره ومستقبله.

رسالة تقول إنّ فلسطين ليست مجرد بقعة جغرافية، أو قضية سياسية، بل هي حلم وهوية وذاكرة وتاريخ وثقافة، هي قيمة إنسانية تستحق أن يناضل من أجلها كل محب للحرية والعدالة.

كان غسان كنفاني ضميراً حياً للقضية الفلسطينية، وصوتاً للضمير الإنساني، كان وسيظل رمزاً للكلمة الصادقة التي لا تهادن الظلم، ولا تساوم على الحق، ولا تتنازل عن الكرامة.

في ذكرى استشهاده، نقف إجلالاً لقامته الثقافية والنضالية، ونتعهد بالسير على دربه، والاستمرار في حمل رسالته، حتى يتحقق حلمه بفلسطين حرة كريمة.

وكما قال غسان كنفاني: “أنا مناضل قضية”، فلنكن جميعاً مناضلي قضية، نحمل الراية التي حملها، ونمضي في الطريق الذي سار عليه، حتى تتحقق الحرية والعدالة للشعب الفلسطيني، ولكل الشعوب المضطهدة في هذا العالم.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق