هاروكي موراكامي
ترجمة: عبدالباسط شمسان
في صباح ربيعي هادئ، جلستُ أحتسي فنجاناً من القهوة السوداء وأتأمل رسالة وصلتني من قارئ، كانت رسالة غريبة، قال فيها إنه قرأ إحدى رواياتي وفهمها بطريقة لم تخطر على بالي قط، فسّر أحداثها تفسيراً مختلفاً تماماً عما قصدت، ورأى في شخصياتها رموزاً لم أكن أعني أن تكون كذلك، للحظة، شعرتُ كأنّ شخصاً غريباً دخل منزلي، وأعاد ترتيب الأثاث بطريقته الخاصة، ثم غادر.
هل أخبره أنه أساء فهم روايتي؟ أم أن فهمه لها، مهما كان مختلفاً، أصبح جزءاً من الرواية نفسها؟
الأمر يشبه تلك القصة الصينية القديمة عن الفنان الذي رسم تنيناً بديعاً، فكان كلما أكمل تفصيلة فيه، أصبح التنين أكثر حيوية، حتى جاء يوم قفز فيه من اللوحة وطار بعيداً، ربما هذا ما يحدث مع كل نص نكتبه، ما إن ننتهي منه، حتى يقفز من بين أيدينا، ويصبح شيئاً مختلفاً في عيون كل قارئ.
عندما كنت في السابعة عشرة، كنتُ مفتوناً بـ”غاتسبي العظيم”، وكنت أرى فيها قصة عن الحلم الأميركي المشوه، ثم بعد سنوات، قرأتها مرة أخرى، فإذا بها قصة عن الحب غير المكتمل والوحدة، والآن، أراها قصة عن الزمن، وكيف لا يمكننا أبداً استعادة الماضي.
هل تغيرت الرواية؟ بالطبع لا، الكلمات هي نفسها، ما تغير هو أنا، كل قراءة كانت تعكس حالة مختلفة كنتُ فيها، مرحلة مختلفة من حياتي، وهكذا، فإنّ النص، أي نص، هو مثل تلك البحيرة اليابانية القديمة التي كانت ترسم صوراً مختلفة مع كل تغير للضوء والطقس، رغم أنّ ماءها ظل كما هو.
نحن، ككتّاب، نميل إلى التفكير في نصوصنا كصناديق نضع فيها ذكرياتنا وأفكارنا وتجاربنا، لكن ما إن ينتهي القارئ من قراءة النص، حتى يصبح الصندوق ملكاً مشتركاً، القارئ يفتحه ويجد فيه أشياء لم نضعها هناك أبداً، يجد ذكرياته هو، وأفكاره هو، وتجاربه هو، وهذا ليس خطأً أو سوء فهم، بل هو جوهر عملية القراءة نفسها.
كنتُ ذات مرة في مقهى صغير في طوكيو، أراقب المطر من النافذة وأكتب، جلست امرأة شابة على الطاولة المجاورة، تقرأ كتاباً، لاحظتُ أنها كانت تبكي بصمت، وأنها كانت تمسح دموعها بمنديل، وهي مستغرقة تماماً في عالم الكتاب، تساءلت: ما الذي في هذا الكتاب جعلها تبكي هكذا؟ أي كلمات كانت قادرة على اختراق حجاب الواقع، والوصول إلى ذلك المكان العميق في داخلها؟
الكلمات، عندما تُكتب، تتحوّل إلى شيء آخر تماماً، تتحوّل إلى صور وأصوات وروائح، تتحوّل إلى ذكريات وأحلام ومشاعر، وتعبر في صمت وهدوء، لتزرع بذوراً في أرض غريبة، هناك شيء ساحر في هذه العملية، شيء يتجاوز فهمنا المحدود للواقع.
ثمة فكرة شائعة مفادها أنّ النص الأدبي يجب أن يُقرأ وفقاً لمقاصد كاتبه، لكن ماذا عن تلك الأفكار التي تتسلل إلى النص دون وعي من الكاتب؟ تلك المعاني التي تظهر فجأة، كزائر غير مدعو في حفلة، لكنه يصبح روح الحفلة بمرور الوقت؟
أثناء كتابتي لإحدى رواياتي، كنتُ أكتبُ عن شخصية رجل يعيش وحيداً في شقة صغيرة ويجمع الساعات القديمة، لم أكن أعتقد أنني كنتُ أكتب عن نفسي بأي شكل من الأشكال، ثم جاءتني رسالة من صديق قديم قرأ الرواية، قال فيها: “لم أكن أعرف أنك تشعر بهذه الوحدة العميقة”، حينها فقط، أدركتُ أنّ الرجل الذي يجمع الساعات كان انعكاساً لجزء مني، جزء لم أكن على دراية به أو لم أكن مستعداً للاعتراف به.

هناك ثقب أسود يفصل بين ما يقصده الكاتب وما يفهمه القارئ، هذا الثقب ليس فراغاً، بل هو فضاء ممتلئ بالاحتمالات، إنه المكان الذي يولد فيه المعنى الحقيقي للنص، ولأنّ هذا المعنى يولد في منطقة وسطى، فلا الكاتب ولا القارئ يمكنه ادعاء الملكية الكاملة له.
تخيل معي قارئاً يجلس في غرفة مظلمة، يقرأ كتاباً على ضوء مصباح صغير، كلما قلب صفحة، ارتسمت الكلمات في ذهنه كصور متحركة، عالم كامل يتشكّل في خياله، عالم له روائح وأصوات وملمس، الشخصيات تكتسب لحماً ودماً، والأحداث تجري كما لو كانت حقيقية.
من ناحية أخرى، هناك كاتب يجلس في غرفة أخرى، وفي مدينة بعيدة، أو في زمن آخر تماماً، يكتب كلمات على ورق، محاولاً تجسيد عالم يراه في ذهنه، الشخصيات تعيش في خياله، تتحدث إليه، تُخبره بقصصها، وهو ينقل ما يسمعه ويراه إلى الورق، بكل ما أوتي من مهارة وحساسية.
بين هاتين الغرفتين، بين هذين العالمين، يقف النص كمرآة ذات وجهين، كل وجه يعكس عالماً مختلفاً، عالم الكاتب، وعالم القارئ، وبينما قد تبدو هذه العوالم متشابهة، فإنها في الحقيقة مختلفة تماماً، إنها ليست نسخاً متطابقة، بل هي انعكاسات، ترجمات، تأويلات.
أعرف كاتباً كان يغضب كثيراً عندما يسيء القراء فهم رواياته، أو عندما يرون فيها معاني لم يقصدها، كان يكتبُ مقالات طويلة يشرح فيها المعنى “الصحيح” لأعماله، ويهاجم النقاد الذين يقدمون تفسيرات مختلفة، ثم في يوم من الأيام، قرر أن يختفي تماماً، توقف عن إعطاء المقابلات، وعن كتابة المقالات، وعن الظهور العلني، ترك نصوصه تتحدث عن نفسها، وابتعد إلى جزيرة نائية حيث يعيش الآن بسلام.
لقد فهم أخيراً أنه بمجرد نشر النص، لم يعد ملكاً له، لقد أصبح مثل طائر أطلقه من قفصه، يمكنه أن يراقبه وهو يُحلق بعيداً، لكنه لا يستطيع إعادته، ولا يستطيع تحديد المسار الذي سيتخذه.
الكتابة، بهذا المعنى، هي عملية تخلٍّ مستمر، تخلٍّ عن السيطرة، عن الملكية، عن المعنى النهائي، الكاتب الحقيقي هو الذي يدرك هذه الحقيقة ويتقبلها، هو الذي يفهم أنّ النص، في نهاية المطاف، ليس ملكاً لأحد، بل هو كائن مستقل يعيش حياته الخاصة.
في مساء هادئ من مساءات الشتاء، كنتُ أحاول كتابة فصل جديد من رواية، كان الفصل يدور حول رجل يكتشف رسالة قديمة في جيب معطف ورثه عن جده، كنتُ أرى هذا الرجل في ذهني بوضوح تام، كنتُ أعرف كيف يبدو، وكيف يتحدث، وكيف يفكر، كنتُ أعرف تفاصيل حياته، حتى تلك التي لن تُذكر أبداً في الرواية.
ثم، بعد شهور من نشر الرواية، تلقيتُ رسالة من قارئة تقول فيها إنها تخيّلت هذا الرجل بصورة معينة، ووصفت تفاصيل كثيرة عنه لم أذكرها في الرواية، بعض هذه التفاصيل كانت قريبة مما تخيّلته، وبعضها كان مختلفاً تماماً، لكن ما أدهشني حقاً هو كيف أصبح هذا الرجل، هذه الشخصية الخيالية، حقيقياً تماماً بالنسبة لها، كان حاضراً في ذهنها، يعيش ويتنفس، تماماً كما كان في ذهني.
هذا هو الفرق بين الكلمات المكتوبة والكلمات المقروءة، الكلمات المكتوبة هي رموز، إشارات، تلميحات، أما الكلمات المقروءة، فهي عوالم كاملة، حية ونابضة بالحياة، ما يحدث بين الكتابة والقراءة هو تحوّل كيميائي، تحوّل من عنصر إلى آخر، وهذا التحوّل لا يحدث في الكتاب نفسه، بل في العقل البشري الذي يستقبل الكلمات ويحوّلها إلى صور ومشاعر وأفكار.

ذات مرة، سألني صحفي: “لمن تكتب؟”، كانت الإجابة المتوقعة هي “للقراء” أو “لنفسي”، لكنني قلت له: “أكتب للفراغ”، نظر إليّ بدهشة، ولم يفهم ما أعنيه، ما كنتُ أحاول قوله هو أنّ الكتابة الحقيقية تحدث في تلك المنطقة الوسطى بين الكاتب والقارئ، في ذلك الفضاء المفتوح حيث يمكن للمعنى أن يتشكّل بحرية.
الكتابة، بهذا المعنى، تشبه ركوب قطار ليلي، أنت لا تعرف من سيكون رفيقك في الرحلة، ولا تعرف تماماً أين ستنتهي بك الرحلة، كل ما تعرفه هو أنك على متن القطار، وأنه يتحرك في الليل، نحو مدينة ما، قد تكون المدينة التي قصدتها، وقد تكون مدينة أخرى تماماً.
القارئ، من ناحية أخرى، هو ذلك المسافر الذي يستقل القطار نفسه، لا يعرف من رحل فيه قبله، ولا يعرف بالضبط أين سينتهي به، كل ما يعرفه هو أنه في رحلة، وأنّ هذه الرحلة ستأخذه إلى مكان ما، قد يكون المكان الذي توقعه، وقد يكون مكاناً آخر تماماً.
وهكذا، فإنّ النص ليس ملكاً للكاتب ولا للقارئ، إنه ملك للرحلة نفسها، لتلك التجربة الفريدة التي تحدث عندما تلتقي كلمات الكاتب بخيال القارئ.
ثمة شيء غريب يحدث أحياناً عندما أكتب، أجد نفسي أكتبُ كلمات لم أخطط لكتابتها، أجد شخصيات تفعل أشياء لم أتوقع أن تفعلها، أجد القصة تأخذ منعطفات لم أكن أعرف أنها ستتخذها، كأنّ هناك قوة خفية تسيطر على يدي، وتملي عليّ ما يجب كتابته.
هذه التجربة، التي يشاركني فيها كثير من الكتّاب، تشير إلى أنّ الكتابة ليست عملية خطية بسيطة، ليست مجرد نقل لأفكار موجودة مسبقاً من عقل الكاتب إلى الورق، بل هي عملية استكشاف، عملية اكتشاف، الكاتب، في أثناء الكتابة، يكتشف النص في الوقت نفسه الذي يخلقه فيه.
وبالمثل، فإنّ القراءة هي عملية نشطة، خلاقة، القارئ، في أثناء القراءة، يخلق النص من جديد، يُعيد تشكيله، يملؤه بمعاني وصور ومشاعر لم تكن موجودة فيه أصلاً، وهكذا، فإنّ النص الذي يوجد في حالة من التكوّن المستمر، ليس كياناً ثابتاً، بل هو دائماً في حالة صيرورة، كلما قرأه قارئ جديد، أو كلما أعاد قارئ قديم قراءته، يتغير ويتحوّل ويتطوّر.
تخيل معي قفلاً معقداً على باب قديم، المفتاح الذي يفتح هذا القفل هو النص، والقفل نفسه هو عقل القارئ، عندما يدخل المفتاح في القفل، يحدث شيء سحري، الباب ينفتح، ليكشف عن عالم كامل وراءه.
كل قارئ يدخل البيت بطريقته الخاصة، يرى أشياء قد لا يراها الآخرون، يتفاعل مع المكان بطريقة فريدة، قد يحب بعض الغرف أكثر من غيرها، قد يتخيل أثاثاً لم يضعه الكاتب، قد يشعر بمشاعر لم يقصدها الكاتب.
لكن هنا تكمن المفارقة: كل قارئ لديه قفل مختلف قليلاً، والمفتاح نفسه، النص، يتكيّف بطريقة غامضة ليناسب كل قفل، وكل باب يفتح على عالم مختلف قليلاً، هكذا، فإنّ النص الواحد يمكن أن يفتح أبواباً لا حصر لها، تؤدي إلى عوالم لا حصر لها.
هذا لا يعني أنّ كل قراءة صحيحة بالضرورة، بعض المفاتيح لا تناسب بعض الأقفال، بعض القراءات تسيء فهم النص بشكل جوهري، لكنه يعني أنّ هناك دائماً مساحة للتأويل، للفهم الشخصي، للتفاعل الفريد بين النص والقارئ.
ما يهم ليس من يملك النص، بل ما يفعله النص، هل يفتح أبواباً جديدة في عقل القارئ؟ هل يوسع آفاق فهمه؟ هل يعمق تجربته للعالم؟ هذه هي الأسئلة التي تهم حقاً.
في نهاية المطاف، النص ليس مملوكاً لأحد، ولا هو حر تماماً، إنه أشبه ببيت مفتوح للضيوف، الكاتب هو الذي بنى البيت، لكنه لا يعيش فيه وحده، يدعو القراء للدخول، للمكوث، لاستكشاف غرفه وزواياه.
كل قارئ يدخل البيت بطريقته الخاصة، يرى أشياء قد لا يراها الآخرون، يتفاعل مع المكان بطريقة فريدة، قد يحب بعض الغرف أكثر من غيرها، قد يتخيل أثاثاً لم يضعه الكاتب، قد يشعر بمشاعر لم يقصدها الكاتب.
لكن في الوقت نفسه، فإنّ البيت يظل هو البيت، له جدران وأبواب ونوافذ، له هيكل أساسي لا يمكن تغييره، وهذا الهيكل هو ما وضعه الكاتب، وهكذا، فإنّ النص هو فضاء مشترك بين الكاتب والقارئ، فضاء يخلقه الأول ويُعيد خلقه الثاني، فضاء ليس مملوكاً لأحدهما، بل هو مملوك للتجربة المشتركة بينهما، للحوار الصامت الذي يحدث عبر الزمان والمكان، للرحلة التي يقومان بها معاً، وإن كان كل منهما في عالمه الخاص.
وفي النهاية، فإنّ سؤال “من يملك النص؟” قد يكون سؤالاً خاطئاً، فالنص، في جوهره، لا يُملَك، إنه يُعاش، يُختبَر، يُحس، مثل نسمة الهواء التي تمر بك في صباح ربيعي، أو مثل قطعة موسيقية تستمع إليها في الظلام، لا يمكنك امتلاكها، لكن يمكنك أن تجعلها جزءاً من تجربتك للعالم، وربما هذا كل ما يهم حقاً.
* عبدالباسط شمسان مترجم يتميز بحس أدبي دقيق، يجيد نقل روح النص الأصلي بلغة عربية سلسة وأنيقة، مع حفاظه على وضوح المعنى وثراء الأسلوب.


أضف تعليق