خورخي لويس بورخيس
ترجمة: عبدالباسط شمسان
لم أعرف لنفسي حياة خارج حدود الكتب وأبجديتها، كانت المكتبة القديمة في منزل أسرتي أول بيت أقطنه حقاً ونافذة مفتوحة على العوالم الكامنة وراء المألوف، ربما لأنني، منذ سنواتي المبكرة في بوينس آيرس، كنت قلقاً على الدوام إزاء فكرة أنّ الحياة أكبر كثيراً من واقعنا، وأنّ الكتب هي الباب الصامت نحو هذا الاتساع اللامحدود.
كثيرٌ ما يُسأَل الكاتب أو القارئ، كيف ينبغي أن نقرأ كتاباً؟ ورغم بساطة السؤال، فإنّ كل جواب عليه يجرّ خلفه كتلاً من الذكريات، العادات، المتع الشخصية، والفلسفية التي تتجاوز الكتاب ذاته إلى جوهر علاقتنا بالمعرفة والمتعة والوجود.
أذكر جيداً أنني لم أتعلم كيف أقرأ في المعنى التقني فحسب، بل كيف أعيش بالقراءة، كان والدي، وهو أستاذ للفلسفة والأدب، يعلمني – ربما دون أن يقصد – أنّ العلاقة بين القارئ والكتاب علاقة شراكة لا استعباد، وأنّ القارئ ليس عبداً للنص يدور في فلكه بلا حول، بل هو المغامر الأول، والمفسر، والخالق الثاني لمعنى النص وحياته الجديدة.
في طفولتي، أبحرتُ عبر القصص الأسطورية والإلياذة والألف ليلة وليلة ودواوين الشعر الإسباني، كنتُ كل مرة أقرأ فيها نصاً، يتملكني شعور بأن أكتشفه على نحو لا يشبه طريقة أي قارئ آخر، هذه القناعة، كما لاحظتها لاحقاً أثناء عملي في المكتبة الوطنية، كانت تزداد رسوخاً: ليس هناك طريقتان متطابقتان لقراءة أي كتاب على الإطلاق.
تُقاس الكتب، في حقيقتها، بعدد القراءات التي تُعيد خلقها، لا بعدد النسخ المطبوعة منها
الكتاب كمتحف مفتوح
الكتب، كما أراها، تشبه المتاحف المفتوحة على مصراعيها ـ ندخلها من حيث نشاء، ونقيم في قاعاتها لأزمان تختلف بين قارئ وآخر، لم أومن يوماً بأنّ على المرء أن يقرأ من الصفحة الأولى حتى الأخيرة دفعة واحدة، أو أن يحفظ أسماء المؤلفين والفصول والشخصيات ليكون قارئاً “جيّداً” بالمعنى التقليدي.
كان من أعذب تجاربي أن أترك كتاباً جانباً لسنوات، ثم أعود إليه في لحظة خاطفة فأجد داخله نَفَساً جديداً وحكمة لم أنتبه إليها من قبل، بعض الكتب تبدو شفافة عند القراءة الأولى، ثم تتحوّل، بفعل التكرار والنضج، إلى مدن منتظمة الأسوار ومزدحمة الأسرار.
إنّ دار الكتب، أي مكتبة الكون، لا تحُدها قارات ولا أزمنة… إنها حلم الإنسان المُقَدَّر أن يكون قارئاً أبدياً
ما يجعل كل قراءة للكتاب تجربة متفرّدة هو القارئ ذاته؛ أفكاره السابقة، وهمومه الشخصية، وحتى درجة انشغاله أو فراغه تلك الليلة، من هنا أؤمن أنّ القراءة الحقة ليست مجرد محاولة لفهم “ما يريد الكاتب قوله”، بل هي لحظة يبدع فيها القارئ نصاً جديداً على أنقاض النص الأصلي.
كثيراً ما يخاطبني البعض، بطلب توصية لكتب “يجب” قراءتها، أو يسألون عن لائحة “الأعمال الكبرى” التي تضمن لهم المعرفة أو المتعة، أعتقد حقاً أنّ لكل قارئ قائمة خفية ومكتبة ضمنية من أمراء الخيال ورواده، لا يشاطرها مع غيره مهما بلغ التشابه بين ذوقين، القراءة ليست إجابة بل سؤال متجدد.
ونتيجة لمروري بأنواع الكتب كلها، من الفلسفة إلى علم النفس، ومن التاريخ إلى القصّة القصيرة، تعلمتُ أنّ على القارئ ألا يغلق باباً بسبب هيبة نوع أدبي على حساب آخر، فكم مرة شاهدتُ القارئ يهرب من الشعر خوفاً من غموضه أو يغفل عن الرواية بدعوى استنزافها للوقت!
لكن الحقيقة أنّ كل نوع يحمل هدية متفردة، الشعر يحُض القارئ على الحضور الذهني والإحساس بالدلالة؛ أما السرد الروائي فيمنحه فسحة من التشكّل ضمن مصائر الشخصيات؛ فيما الكتب الفكرية معابر ضرورية إلى فلسفة الذات والعالم.
ربما لأنني نشأتُ في بيت يمزج بين الأدب والفن والفلسفة والموسيقى، اكتشفتُ مبكراً أنّ القراءة الحقة لا تنعزل عن الفنون الأخرى، حين كان بصري يضعف، صارت الكلمات أشبه بظلال تتراقص أمام الضوء، كنت أجد في قراءة القصائد وسماع الموسيقى، وإمعان النظر في لوحة فنية، تجربةً مركبة، تزوّد كل لحظة بعمق لم تكن لتملكه منفردة.
ما من قارئ عاشق للكتب إلا ويحمل معه، ولو بالخيال، مكتبته الخاصة؛ هي ليست رفوفاً بل حدائق ذكريات، ومرافئ أمل، وأصوات كتّاب أحبهم، ولم يلتقي بهم إلا على ورق الصفحات
في تجربتي الطويلة بالمكتبات، لم تكن متعتي الكبرى في قراءة الكتب الأكثر شهرة، بل في التنقيب داخل مخطوطات مجهولة وشذرات عابرة، أتحسس في سطورها عبقرية مهملة أو طرافة دُفنت في غبار الزمن.

في سنواتي الأخيرة، بعدما فقدتُ بصري بشكل شبه كامل، تغيّرت علاقتي بالكتب، وأصبحتُ أقرأ عبر أصوات الآخرين، لم يكن الأمر حرماناً كما يظن البعض، بل كشفاً لطريقة جديدة في تلقي النصوص، كان كل قارئ يقرأ لي بصوته، يمنحني كتاباً مختلفاً ولو تكرر النص ألف مرة، أدركتُ يومها عُمق العلاقة بين الكلمة المنطوقة والخيال.
كتابتي نفسها تلوّنت بتجربتي تلك، بتّ أشعر أنّ على القارئ – حتى المُبصر منهم – أن يطالع النص ليس بعينيه فقط، بل أيضاً بقلبه وحواسه كلها، أن يصغي للصمت بين الكلمات، ويراقب المسافة بين تردد الحروف وومض الصور الكامنة.
في محاضراتي، كنت أكرر دوماً أنّ الكتاب لا يكتمل إلا إذا وجَد قارئه الحقيقي، كل كتاب يولَد بحلم خفي: أن يعيد أحدهم تأويله أو رفضه أو التأثر به حد التفكيك، ولذا قلتُ مرة – وأعني كل كلمة – إنّ أعظم مؤلف للكتاب ليس دائماً مؤلفه الأصلي، بل قارئه الأكثر شغفاً.
نحن، معشر القرّاء، نمنح الكتب هويتها الجديدة… ربما لأننا، في سرائرنا، نتوق أيضاً إلى أن يكون لنا نص واحد خاص في مكتبة الكون
هذا الشعور بالانتماء إلى مكتبة أكبر من زماننا وأماكننا، يجعل القراءة فعل مشاركة كونية، حتى حين نمارسه في عزلاتنا الحميمة.
خبرتي الطويلة تشير إلى أنّ أجمل الكتب ليست تلك التي أقرؤها للمرة الأولى، بل تلك التي أعود إليها وأعيد قراءتها على فترات متباعدة، القراءة للمرة الأولى تُذهل، أما الإعادة فتعمّق وتكشف طبقات جديدة لم تكن مرئية.
ولا أخجل أن أقول: أحياناً أنسى تفاصيل كتاب أو قصيدة أحببتها كثيراً، أعود إليها فتُلاقي تجربتي الجديدة مزيجاً من النسيان والدهشة، هنا يتجلى سحر النسيان كرفيق للقراءة، لأنّ النسيان لا يمحو، بل يسمح للقصة أن تولد فينا مرات ومرات.
مع تقدّمي في السن، صرتُ أقل حرصاً على توصية الآخرين بكتب معينة أو بإتباع طرق “صحيحة” للقراءة، نصيحتي الجوهرية الآن: لا تقرأ كتاباً إلا إذا دعتك روحك إليه، ولا تواصل القراءة إن لم تستشعر نشوة الاكتشاف الأولى.
اختر الكتب كما تنتقي من حدائق الأحلام ما تطمح فيه للدهشة، لا تحقّر من شأن الكتب الصغيرة أو المهملة، فالكثير منها تشكّلت في عشرات القصص القصيرة والهوامش العابرة.
اقرأ بحب، أعد القراءة باندهاش، ودع الكتاب الداخلي فيك يُعيد ولادة كل نص تلمسه يداك
حلم الكتاب الأخير
حين تخال نفسك قارئاً “جيداً” أو “عالماً” أو “مُحترفاً”، توقف للحظة وتذكر: كل قراءة جديدة هي اكتشاف أول، وكل كتاب، مهما بدا عابراً، هو احتمال غير متوقع للحكمة، في مكتبة الكون العظمى ثمة مكان لكل قارئ ونص، وكل لحظة تقضيها في القراءة هي انتصار صغير للخيال على رتابة العالم.
كنتُ أرى نفسي دوماً، في الحلم واليقظة، خيطاً بين الكتب والقرّاء، بين الحروف والمعنى، فلتقرأ أجل، لكن لا تقرأ لتصبح آخر غيرك؛ اقرأ لتكتشف نفسك بين الأسطر، ولا تمل أبداً من إعادة الولادة على ضفاف الكتاب القادم.
كل قارئ… هو أيضاً كاتب بَصمتُه متفردة في كتاب الحياة والعالم.
هل ترى الرواية التي تنتظرك، تلك القصة الكامنة في عقلك، تبحث عن من يرسمها بالكلمات؟
“رحلة السرد في 90 يوماً”
ليست مجرد عنوان، هي وعد بأن تتحول فكرتك إلى عالمٍ ينبض بالحياة، وإلى رواية تترك أثرها في قلوب القرّاء.



أضف تعليق