في عينيها تسكن الحكاية، وعلى جدران بيوتها المهدمة تُكتب الأساطير، لم تكن فلسطين قطعة من الأرض تكالبت عليها أطماع المحتلين، هي روح تسري في عروق التاريخ، وحكاية عشق أبدية بين الإنسان وترابه، هي الوطن المقدس الذي طالما تغنى به الشعراء، وبكى على جراحه الأدباء، وسطر ملاحم صموده الثوار والشهداء.

فلسطين: الأرض، الإنسان، والقصيدة

يوسف الخطيب

في عينيها تسكن الحكاية، وعلى جدران بيوتها المهدمة تُكتب الأساطير، لم تكن فلسطين قطعة من الأرض تكالبت عليها أطماع المحتلين، هي روح تسري في عروق التاريخ، وحكاية عشق أبدية بين الإنسان وترابه، هي الوطن المقدس الذي طالما تغنى به الشعراء، وبكى على جراحه الأدباء، وسطر ملاحم صموده الثوار والشهداء.

تتنفس فلسطين في كل حجر من حجارتها رائحة التاريخ، هنا مشى الكنعانيون قبل خمسة آلاف عام، زرعوا الزيتون وأسسوا المدن، وأقاموا الحضارة على أرض كانت دائماً منارة للإنسانية، هنا خط العرب أبجديات وجودهم منذ فجر التاريخ، وعلى هذه الأرض تعاقبت قوافل الفاتحين والغزاة، ولكنها ظلّت عصية على الذوبان، محتفظة بهويتها العربية الأصيلة رغم كل محاولات التزوير والطمس.

يقول محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”،تلك الكلمات البسيطة التي تختصر حكاية شعب بأكمله مع وطنه، حكاية عشق لم تنطفئ جذوتها رغم كل محاولات الاقتلاع والتهجير، فلسطين في عيون درويش ليست وطناً مغتصباً، هي “تفاصيل صغيرة” كما يصفها، هي رائحة الخبز والقهوة في الصباح، ونسمة الهواء العليل في المساء، وطقوس الحياة اليومية التي حاول المحتل أن يسلبها من أصحابها الشرعيين.

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ:

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ.

كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين.

صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين.

سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ.

محمود درويش

وعلى الطريق ذاته، سار غسان كنفاني حاملاً همّ وطنه في قلبه وكلماته، كتب “رجال في الشمس” ليروي للعالم حكاية المعاناة الفلسطينية، حكاية شعب اغتصبت أرضه، وشُرد عن دياره، وأصبح غريباً في وطنه ولاجئاً في المنافي، سأل كنفاني سؤاله المدوي: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟” ليتردد صدى هذا السؤال في وجدان كل فلسطيني وكل إنسان حر في هذا العالم، يدعونا للثورة ضد الظلم والصمت.

تتجلى عروبة فلسطين في كل شبر من ترابها، في أسماء مدنها وقراها التي تنطق بالعربية منذ آلاف السنين، في عادات أهلها وتقاليدهم، في أغانيهم وحكاياتهم، في زخارف ثيابهم وألوان تطريزها، في طعامهم وفنونهم وموسيقاهم، فلسطين عربية بشهادة التاريخ والجغرافيا والآثار، عربية بشهادة كل من نظر إليها بعين الحقيقة لا بعين الأطماع والأوهام.

هنا باقون،

في صدوركم كالجدار،

وفي حلوقكم كقطعة الزجاج،

وفي عيونكم كعاصفة من نار

توفيق زياد

يصف إدوارد سعيد فلسطين بأنها “آخر القضايا الاستعمارية في العالم”، قضية شعب تعرض لظلم تاريخي لم يُرفع عنه حتى يومنا هذا، يكتب سعيد عن “المسألة الفلسطينية” ليكشف للعالم زيف الرواية الصهيونية التي حاولت أن تصور فلسطين كأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، يفضح سعيد بقلمه الرصين آليات الهيمنة والاستعمار، ويدافع عن حق الشعب الفلسطيني في العيش بحرية وكرامة على أرض آبائه وأجداده.

وفي القدس، مدينة الأنبياء، مدينة الصخرة والأقصى، يسطر الفلسطينيون ملاحم الصمود اليومي في وجه سياسات التهويد والتطهير العرقي، يكتب توفيق زياد عن القدس قائلاً: “هنا باقون، في صدوركم كالجدار، وفي حلوقكم كقطعة الزجاج، وفي عيونكم كعاصفة من نار”، كلمات تختصر إصرار الفلسطيني على البقاء، على أن يكون شوكة في حلق المحتل، على أن يتشبث بأرضه مهما كان الثمن.

فلسطين في عيون أدبائها هي قضية الإنسان في صراعه مع القهر والظلم، هي رمز للحرية المسلوبة والكرامة المهدورة والحق المغتصب، يكتب عنها سميح القاسم ليؤكد أنّ انتصار الحق على الباطل هو سنة كونية لا تتبدل، وأنّ فجر الحرية آت لا محالة مهما طال ليل الاحتلال: “لا يمكن للسجان أن يسجن الفجر القادم”.

وتتجلى عظمة الأدب الفلسطيني في قدرته على تحويل المعاناة إلى إبداع، والألم إلى أمل، والموت إلى ولادة جديدة، فرغم كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني من قمع واضطهاد وتهجير، استطاع أن ينتج أدباً عالمياً، يخاطب وجدان الإنسانية، ويحكي قصة شعب رفض الموت والنسيان، وأصر على أن يكون له مكان تحت الشمس.

وحين تتحدث عن فلسطين، لا يمكنك إلا أن تستحضر صورة المخيم، ذلك الفضاء المكاني الذي تحول إلى رمز للمأساة الفلسطينية وللصمود في آن واحد، في المخيم كتب جبرا إبراهيم جبرا روايته “السفينة”، وفيه نسج إميل حبيبي حكايات “المتشائل”، وفيه صاغ إبراهيم نصر الله ملحمته الروائية “زمن الخيول البيضاء”، المخيم في الأدب الفلسطيني لم يكن فقط مكاناً للجوء المؤقت، بل هو شاهد على مأساة تاريخية مستمرة، ورمز للحلم بالعودة إلى الديار التي هُجر منها الآباء والأجداد.

لقد حاول المحتل على مدار عقود طويلة أن يمحو اسم فلسطين من الخرائط، وأن يطمس هويتها العربية، وأن ينكر وجود شعبها، حاول أن يزور التاريخ ليدعي أن له حقاً تاريخياً في هذه الأرض، لكن صوت فلسطين ظل مدوياً في وجدان الإنسانية، يرفض الصمت والنسيان، وها هي اليوم تعود لتحتل صدارة اهتمام العالم، ليس فقط كقضية سياسية، وإنما كقضية إنسانية وأخلاقية بالدرجة الأولى.

في عيون شعراء فلسطين، تتحول المرأة الفلسطينية إلى رمز للأرض والوطن، إلى رمز للعطاء الذي لا ينضب، وللصمود الذي لا ينكسر، هي أم الشهيد التي تزغرد في جنازة ابنها، وهي زوجة الأسير التي تنتظره سنوات طويلة، وهي الفتاة التي ترفض التخلي عن حقها في التعليم رغم كل الحواجز والمعيقات التي يضعها الاحتلال في طريقها، هي المرأة التي تحمل هم وطن بأكمله على كتفيها، وتصر على أن تنجب جيلاً جديداً يحمل راية الحرية والكرامة.

الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي يكتب عن فلسطين: “حين يموت الناس من أجل فكرة، فتلك هي الحقيقة”، ويقول كأنما يخاطب أطفال فلسطين: “كل طفل فيكم يحمل حجراً، ووراء الحجر قصيدة”، هكذا تتحول المقاومة الفلسطينية في عيون الأدباء إلى فعل إبداعي، إلى قصيدة تكتب بالدم والصمود، إلى هتاف يخترق جدران الصمت والتواطؤ.

وفي أزقة المدن الفلسطينية، وبين بساتين الزيتون، وعلى ضفاف البحر في غزة، تكتب حكايات البطولة اليومية، هنا امرأة ترفض مغادرة بيتها رغم أوامر الهدم، وهناك فلاح يصر على زراعة أرضه رغم جدار الفصل العنصري، وهنا طفل يرفع حجره في وجه الدبابة، وهناك أسير يتحدى السجان بصموده وإضرابه عن الطعام، صور يومية للصمود، يحولها الأدب الفلسطيني إلى ملاحم خالدة، تحكي للأجيال قصة شعب أبى أن ينكسر.

فلسطين ليست قضية، بل هي وجع يسكن الروح، وجع يتردد صداه في قلب كل من آمن بعدالة قضيتها، وشرعية حقها في الوجود، وجع يستنفر الضمير الإنساني، ويدعوه للوقوف في وجه الظلم والاضطهاد.

في مواجهة محاولات تزوير التاريخ، يقف المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي ليروي للعالم قصة “كي لا ننسى”، قصة القرى الفلسطينية التي دمرها الاحتلال وهجَّر سكانها، يوثق الخالدي بالتفاصيل حياة هذه القرى قبل النكبة، أسماءها ومواقعها وعدد سكانها ومساحة أراضيها، ليقول للعالم إنّ هذه الأماكن كانت موجودة، وإنّ هؤلاء الناس كانوا يعيشون هنا منذ آلاف السنين قبل أن تأتي المجازر الصهيونية لتقتلعهم من جذورهم.

وفي سماء فلسطين، تحلق أغاني مرسيل خليفة وأحمد قعبور والشيخ إمام، تغني للثورة والصمود والعودة، “راجعين يا هوى”، و”فلسطينية هويتي”، و”جفرا”، وغيرها من الأغاني التي تحولت إلى تراث شعبي يتناقله الفلسطينيون جيلاً بعد جيل، ليظل حلم العودة حياً في الوجدان، يأبى الموت والنسيان.

وإذا كانت فلسطين قد غابت عن الخرائط السياسية، فإنها ظلّت حاضرة في قلوب الملايين، حاضرة في أغاني الأطفال ومواويل النساء وحكايات الشيوخ، ظلّت حاضرة في أسماء المولودين الجدد، وفي طقوس الحياة اليومية، وفي رموز التراث والهوية التي يحرص الفلسطينيون على الحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة، تتنفس في حبات الزيتون، وفي ثمار البرتقال، وفي سنابل القمح، تتنفس في قباب المساجد وأجراس الكنائس، في قباب المقامات وأضرحة الأولياء، تتنفس في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية التي حاول المحتل أن يسرقها ويزيفها وينسبها لنفسه، تتنفس في كل قطرة ماء من نهر الأردن، وفي كل نسمة هواء من جبال الجليل، وفي كل موجة من أمواج بحر غزة.

الأدباء والمفكرون من كل أنحاء العالم الذين زاروا فلسطين، وشاهدوا معاناة شعبها، لم يتمالكوا أنفسهم من التعبير عن تضامنهم مع قضيتها العادلة، الكاتبة البريطانية فيكتوريا بريتين تكتب: “زرت فلسطين، وعدت وأنا أحمل في قلبي جرحاً لن يندمل، جرح شعب يتعرض لظلم تاريخي لم يرفع عنه حتى اليوم”، الكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي يقول: “ما يحدث في فلسطين هو إحدى أكبر جرائم عصرنا، جريمة يتواطأ العالم على صناعتها بصمته وتغاضيه”.

وكما تغنى الشعراء بفلسطين الوطن والقضية، تغنوا أيضاً بفلسطين المرأة، رمز الصمود والعطاء والتضحية، يكتب نزار قباني: “يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي لأجلك، يا بلدي يا بلد السلام، يا منارة الشرائع، يا طفلة جميلة محروقة الأصابع”، ويكتب محمود درويش: “أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي، وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم، وأعشق عمري لأني إذا مت، أخجل من دمع أمي”.

يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي لأجلك،

يا بلدي يا بلد السلام،

يا منارة الشرائع،

يا طفلة جميلة محروقة الأصابع

نزار قباني

في عيون شعراء فلسطين، تتحول المرأة الفلسطينية إلى رمز للأرض والوطن، إلى رمز للعطاء الذي لا ينضب، وللصمود الذي لا ينكسر، هي أم الشهيد التي تزغرد في جنازة ابنها، وهي زوجة الأسير التي تنتظره سنوات طويلة، وهي الفتاة التي ترفض التخلي عن حقها في التعليم رغم كل الحواجز والمعيقات التي يضعها الاحتلال في طريقها، هي المرأة التي تحمل هم وطن بأكمله على كتفيها، وتصر على أن تنجب جيلاً جديداً يحمل راية الحرية والكرامة.

وإذا كان المحتل يراهن على عامل الوقت، معتقداً أنّ الأجيال الجديدة من الفلسطينيين ستنسى وطنها وحقها فيه، فإنّ ما يشهده العالم اليوم يؤكد أنّ هذا الرهان خاسر، فالجيل الجديد من أبناء فلسطين، الذي ولد في المخيمات والمنافي، والذي لم ير فلسطين إلا في الصور وفي حكايات الآباء والأجداد، هو اليوم أكثر تمسكاً بحقه، وأكثر استعداداً للتضحية والفداء.

وستبقى فلسطين حاضرة في وجدان الإنسانية، شاهدة على مظلومية شعب وعدالة قضية، ستبقى حاضرة في قصائد الشعراء وروايات الكتّاب وأغاني المغنين ولوحات الفنانين، ستبقى حاضرة في صلوات المؤمنين ودعاء المصلين، ستبقى فلسطين رمزاً للحرية والكرامة، رمزاً للأمل الذي يأبى الانطفاء رغم كل الرياح العاتية.

أما غزة، تلك البقعة الصغيرة التي تختصر مأساة شعب بأكمله، فستبقى شاهدة على صمود أسطوري في وجه آلة عسكرية لا ترحم، غزة، التي وصفها إدوارد سعيد بأنها “أكبر سجن في الهواء الطلق على وجه الأرض”، تثبت اليوم أنها أكثر من ذلك بكثير، إنها ملحمة إنسانية تعيد إلى الأذهان أنبل قيم الإنسانية: الصمود في وجه الظلم، والتشبث بالحق، والإصرار على الحياة رغم كل محاولات القتل والإبادة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق