إيمان عابد

عالَمٌ أعمى، أصمُّ، أبكمُ، أَكْسَحُ، أبلدُ، لكنّ غزّةَ وحدها علّمته أن يرى ويسمع ويقف، علّمتهُ أن ينطق ويألف.

غزّةُ وحدها من علّمته أن يرى الشجاعة والبطولة في أسمى وأجلّ معانيها، وأن يسمع دويّ الخطابات والبيانات بلسانٍ عربيٍّ عزيزٍ كريمٍ مبين، في أدقّ وأبلغ مراميها، وأن يُردّد أسماء علت بها حناجر الجماهير الحرّة رمزاً خالصاً، يُنير للإنسانية عتمة لياليها.

الطوفان، القسام، الياسين… كلماتٌ تطرقُ كلّ لحظةٍ مسامعَ العالم، كما طرقتها سابقاً الانتفاضة المباركة، وأطفال الحجارة، والبنيان المرصوص… فما أشبهَ اليومَ بالأمس، فما زال في جعبة غزّة خيرٌ كثيرٌ يتدفّق بإذن باريها.

على قدمٍ وساق، هكذا علّمت غزّةُ العالم أن يقف أمام طوفان الأقصى، الذي فاض على البلاد والعباد، وطاف الأرجاء والأصقاع في أدنى الأرض وأقاصيها.

وحدها غزّةُ علّمت العالم أن يألف بأسها وشدّتها، وردّ صاعِ العدوانِ الهمجيّ بصاعَين، سلاحاً مقاوماً، وسيفاً مُشرَعاً في وجهِ من يعاديها، كما ألِفَ شبحَ الموتِ ووحشيته يصول ويجول في نواحيها.

عالمٌ عليه أن يُقرّ ويعترف أنّ غزّة أفعالٌ لا أقوال؛ فقد رسمت طريقها الشائك، وسلكت دربها الماجد، بعدما أخذت على عاتقها إنقاذَ شرفِ الأمة بمهجِها ومآقيها، غزّة وحدها من تصنع الأمل وتحييه فينا.

تعلّمنا أن ننظر دوماً من الكأس إلى النصف الملآن، أمَا علموا أن للنصفِ الفارغِ صنوفاً من العذابِ والألم، وله من التنكيلِ أشكالٌ وألوان، ما زالت غزّةُ تتجرّعُه في كلّ وقتٍ وآن؟! لقد غابَ عنهم أن غزّة وحدها هي من عبّأت كؤوسَنا بالنصفِ الملآن، هي من صنعت لنا من الأملِ الواحد آلافَ الآمال.

عندما شحذنا مشاعرنا، وأحاسيسنا، ونبضَ قلوبِنا، وفورةَ دمِنا غضباً لغزّة؛ هذا أملٌ صنعته غزّة فينا.

عندما توحّدت أفكارُنا، وآراؤُنا، ومنشوراتُنا، وتغريداتُنا، ولايكاتُنا، ومشاركاتُنا، وخُطبُنا، حتى رسوماتُ أطفالِنا، وأغاني صغارِنا، وأهازيجُ كبارِنا، عندما كنّا نلهج بأدعيتنا وصلواتنا في جوف الليل من أجل غزّة، هذا أملٌ صنعته غزّة فينا.

عندما نرى تضامنَ المحتوى الرقميّ والورقيّ، والإعلامِ المسموع والمقروء والمرئيّ، ومواقعِ التواصل الاجتماعيّ، مؤيّدةً مساندةً لغزّة، عندما نرى أسطحَ المنازل، وجدرانَ الحاراتِ والأزقّةِ والشوارع، وزجاجَ المركبات، وواجهاتِ المحلّات قد ازدانت جميعُها بالملصقات واللوغات والشعارات الداعمة لغزّة، هذا أملٌ صنعته غزّة فينا.

عندما نراقب التفافَ الأفراد في أسرِنا ومجتمعاتِنا وفي وطنِنا العربيّ الكبير، وعالمِنا الإسلاميّ، متحلّقين جميعاً، يملؤهم الشغفُ والأملُ لسماع خطابِ الملثّمِ الهُمام في وقتٍ واحدٍ وخافقٍ واحد، عندما تتمحور أحاديثُ مجالسِنا وحواراتُنا رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً حول غزّة، هذا أملٌ صنعته غزّة فينا.

عندما نرى أمجادَ ماضينا قد استيقظت على وقع خطى غزّة؛ لتتصل بحاضرِنا، وتغيّر من ملامحِ حياتِنا، حين نكتشف هشاشةَ واقعِنا، وزيفَ معاييرِنا، وأكاذيبَ ما أوهمونا به عن مستقبلِنا، هذا أملٌ صنعته غزّة فينا.

عندما جاد علينا طوفانُ الأقصى باسترجاعِ قدواتِنا، وقيمِنا، وأخلاقِنا، ومبادئِ دينِنا، ومعتقداتِنا، وسننِ نبيّنا ﷺ، وأحيا في ذاكرةِ أبنائِنا قضيتَنا، وحقَّنا في استرجاعِ قدسِنا وأقصانا، وتحريرِ كلِّ شبرٍ مغتصبٍ من أراضينا، هذا أملٌ تصنعه غزّة من وقتٍ لآخر فينا.

هذا طرفُ الخيط تهديه لنا غزّة، فلنتمسّك به، ونحرص بالغَ الحرصِ على حمايةِ وتحصينِ مثلّثِنا الأحمر (الأسرة، التعليم، القدوة) – مدخلُ أعدائنا لتقويضِ دعائمِ أمّتنا، وهدمِ حصونِنا – ولنمشِ في ركبِها، نَشُدُّ من أزرِها، ونحمِ ظَهرَها، عندها لن ننتظر الأمل، بل سنصنع نحن الأمل، تتقدّمنا غزّةُ بشموخٍ وكبرياء، وعزمٍ يُعانق السماء، وصولاً إلى نهايةِ النفق حيث تشرق شمسُ عروبتِنا وإسلامِنا من جديد، ويعلو وجهُ عالمِنا السلامُ والضياء.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق