ظلال كاتب يشبه همنغواي يراجع نصه

التحرير: جوهر الكتابة الحقيقية

إرنست همنغواي
ترجمة: عبدالباسط شمسان

حين يُسأل الكتّاب عن جوهر الكتابة الأدبية، لا يسعني إلا أن أبتسم وأتذكر واحدة من أعزّ العبارات التي لازمتني طوال مسيرتي: “المسودّة الأولى لأي شيء هي هراء”، قلة من يمضون في رحلة الكتابة يدركون أنّ التحرير، ذلك العمل “غير المرئي” الذي يقبع خلف الكواليس، هو في الحقيقة كتابة أكثر جوهرية وصدقاً من المسودات الأولى، لا يولد الأدب كاملاً من الوهلة الأولى، بل يولد مشوشاً، ومعقداً، وشديد القبح أحياناً، فما إن تبدأ لحظة التحرير حتى تُشرق شمسه الحقيقية.

كانت الخطوة الأولى في حربي مع اللغة حين كنت صبياً صغيراً، في مكتبة منزلنا في أوك بارك، إلينوي، كنتُ أكتب وأمحو وأحرّر في دفاتري المدرسية، آنذاك ظننت أنّ ما يخطّه القلم هو الحقيقة بعينها، وأنّ المخطوط الأول سيبقى شاهداً على عبقرية كامنة في الأعماق، لم أعرف بعدُ أنّ أولى بشائر الأدب العظيم تبدأ من الشك والارتياب في كل جملة أكتبها، وأنّ التحرير هو ساحة الاختبار.

“كل كتابة ليست إلا تحريراً متواصلاً للنص من ذاته… أنت تزيل كل ما هو فائض حتى تصير القصة كقالب جليدي صلب لا يمكن كسره” — إرنست همنغواي

ثمة أسطورة يرددها غير الكتّاب: أنّ العظماء يكتبون روائعهم بسلاسة، الحقيقة هي أنّ الكلمات الأولى غالباً لا تستحق القراءة إلا كي تُمحى وتُعاد كتابتها مراراً، لم أكتب «العجوز والبحر» من أول محاولة، بل ظللتُ شهوراً وأنا أحرّرها وأختصرها وأحذف من لحمها الزائد حتى صارت متقشفة وانسيابية.

أحتفي بإعادة الكتابة، فلكل نص في عقلي أكثر من مسودة، أحياناً عشر أو عشرون، أحرّر كل مرة بذهن جديد، متجرداً من حبي لمسوداتي القديمة، أقصّ منها وأضيف إليها بحذر وجسارة في وقت واحد، حتى أصل لما يُشبه العظم، أو أصل بالحكاية إلى قلبها الحقيقي.

ليس التحرير مجرد حذف للكلمات، ولا هو ثأر وحشي من النص الأصلي، بل هو مغامرة اكتشاف ثانية، مع كل جولة تحرير، أكتشفُ طبقات غير مرئية من المعنى، وأدركُ أني في عملي هذا لا أزيل الزوائد وحدها بل أفتح ممراً للنور بين الجمل، وأعيد ترتيب الموسيقى في النص، أبحث عمّا تُخفيه اللغة في ثنايا البساطة، كما يبحث الصياد عن أسماكه في البحر العميق.

“جمال الكتابة يتجلّى في وضوحها، والوضوح لا يُكتسب إلا عبر التحرير الصارم والشجاع” — إرنست همنغواي

لا أنسى لحظتي الأولى في تحرير نصوصي: كانت رعباً وحيرة، وقد بدت لي كل جملة كأنها طفل لا أملك إلا أن أحنو عليه، لكن بعد كل جولة تحرير، أدركتُ أنّ الحنان الحقيقي هو ما أصل به الجملة إلى أقصى درجات اختزالها دون أن تجف عاطفياً أو تفقد طراوتها، كنتُ أحرّر كتبي بيد صارمة وقلب محب، وأستثمر الوقت في مراجعة كل سطر مرات ومرات، أحرّر صباحاً وأعيد قراءة ما كتبت عند المساء، فأحدّث الجُمل وأُسقط ألفاظًا، لأنني كنتُ أطلب الدقّة التي أؤمن أنها جوهر الأدب العظيم.

ذات مرة، قال لي صديق: “لماذا تتعب نفسك في المراجعة وأنت همنغواي؟” قلت له: “لأنّ همنغواي لا يتحقق إلا من خلال التحرير”، لطالما شعرتُ أنّ الكتّاب العظام من يكتبون أكثر من مرة كما لو أنهم يرتبون أحجار فسيفساء حتى يظهر المعنى بأوضح صورة له.

أرى النص ككائن حي، يبدأ جنيناً سريع النبض، مشاغباً، كثير الحركة، متعطشاً للمعنى، ثم ينمو مع كل جولة تحرير، يكتسب أعضاء جديدة ويخسر اندفاعه الطفولي لصالح نضج مكتسب، وبينما يكتسب النص بعضاً من جمال العفوية، يكتسب بتحريره عُمق الرصانة ودقّة الإحكام، ما علمتني إياه السنوات الطويلة في الصحافة والحرب والكتابة تحت ضوء الشمس الإسبانية الساطعة أنّ الكلمات غير المحررة ليست إلا جزءاً من مهمة الخلق.

“ثمة فرق بين كتابة نص وخلق أدب خالد، الأول فعل عابر والثاني نتاج تحرير حتى الإنهاك” — إرنست همنغواي

وعندما أشرع في التحرير، تنقلب عيناي إلى ناقد عنيف: أعيد قراءة السطر الأول حتى أجعله خير عتبة للقارئ، ثم أتتبع وقع كل كلمة — هل تخدم الهدف؟ هل تجلب موسيقاها الخاصة أم تثقل المعنى؟ كنتُ أضع النص لأيام ثم أرجع إليه لاحقاً، وأجد متعة عظيمة في إسقاط الجمل الباهتة كما يُسقط الرسام ألواناً لا تليق بلوحته الرئيسية.

مكتب كتابة قديم عليه أوراق ممزقة ومسوّدات كثيرة.

التحرير نظام من الدقة والانتباه: كررتُ دوماً أنّ على الكاتب أن يثق في قوة القارئ العقلية، فلا يشرح أكثر مما يجب ولا يبخل بما ينبغي أن يُقال، لذلك، كنتُ أشطب كل عبارة متخمة أو زائدة أو بلا ضرورة.

جربتُ في كتابتي الإخلاص للواقعية، ووجدتُ أنّ الصدق لا يظهر إلا حين أكون قاسياً على لغتي، فلا أقبل جملة أو عاطفة مصطنعة، التحرير هنا هو آلية فرز للمشاعر المزيفة، وينفض النص من شوائب البلاغة المشوهة، كثيراً ما بدا لي التحرير مثل عملية التقطير في الكيمياء: أضع المادة الخام ثم أنقيها، فأستخلص الجوهر الخالص الذي يمنح القصة صدقها وفرادتها.

“الكتابة الجيدة أصعب من الكتابة السريعة، الأولى تهزم الثانية بالحذف والإضافة والصبر” — إرنست همنغواي

من يظن أنّ الكتابة تبدأ حين تجلس إلى مكتبك وتنتهي حين تضع القلم، لم يجرب التحرير بعد، في كل كتاب لي كانت مرحلة التحرير هي الأطول والأكثر إرهاقاً والأشد إثارة، هي قطعاً لبّ الأدب الحقيقي لا قشرته، فكلما انتهت جولة، بدأت أخرى جديدة، وكل جولة أقرب إلى الحقيقة، إلى جوهر النص وكأنك تنحت تمثالاً من صخرة صماء، لهذا كانت الحكمة التي أرددها دائماً: لا تحب نصك حد العمى، فالمحبة الحقيقية هي ما يجعلك قادراً على قتله وإحيائه ليولد من جديد أكثر صدقاً وجمالاً.

إنّ أي أدب عظيم لم يولد دفعةً واحدة، بل هو نتاج التجربة المتأنية والصبر، وآلام التبديل والاختصار والتنقيح، كم من نصوص كنتُ أظنها كاملة ثم كشفت جولة تحرير بسيطة أنها غير جديرة إلا بالمزيد من التشذيب، التحرير ليس مهمة مملة بل هو النضال الحقيقي في حياة الكاتب، ذلك النضال الذي يحتمل الألم من أجل ميلاد النص الأجمل وأصدق تعبير للذات.

نصيحتي — وأنا الذي قضى من العمر ما يكفي ليفهم معنى الصنعة — أن تكتب باندفاع، ثم تحرر بقسوة، وتحيا بين هاتين الحالتين، هذه الجدلية هي ما تخلق نصاً عظيماً، وتجعل من الكاتب صانعاً للحياة لا مجرد راوي قصص عابرة.

* عبدالباسط شمسان مترجم يتميز بحس أدبي دقيق، يجيد نقل روح النص الأصلي بلغة عربية سلسة وأنيقة، مع حفاظه على وضوح المعنى وثراء الأسلوب.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق