في مكانٍ ما على هذا الكوكب، تُغتال الطفولةُ مراراً، لا بفعل الزمن ولا بسبب القدر، بل بأصابع بشرٍ قرّرت أن تُجهز على كل ما هو بسيط، وعذب. في غزة، لا تموت الأحلام بسبب الخوف، بل تموت قبل أن تُولد. في غزة، يُقتل الأطفال كهواية، كأنّ الأمر لعبة، أو تسلية لمن سقط من أن يكون انساناً إلى هاوية الوحشية.

في بلادٍ يموت فيها الأطفال

إسراء سلامة

في مكانٍ ما على هذا الكوكب، تُغتال الطفولةُ مراراً، لا بفعل الزمن ولا بسبب القدر، بل بأصابع إنسانٍ قرّر أن يُجهز على كل ما هو بسيط، وعذب. في غزة، لا تموت الأحلام بسبب الخوف، بل تموت قبل أن تُولد. في غزة، يُقتل الأطفال كهواية، كأنّ الأمر لعبة، أو تسلية لمن سقط من أن يكون انساناً إلى هاوية الوحشية.

لكَ أن تتخيّل.
أن يستيقظ طفلٌ على قصفٍ لا يفرّق بين سريرٍ وهدفٍ عسكري.
أن يفتح عينيه في الظلام، لا ليبحث عن أمه، بل ليتأكد إن كانت لا تزال على قيد الحياة.
لك أن تتخيّل، ولو للحظة، أنّ العالم يستمرّ في الدوران، بينما قلب هذا الطفل يتوقف، فجأة، بصمت، دون ذنب، دون وداع.

إنه ليس مشهداً من رواية سوداوية، ولا مقطعاً من فيلم عن نهاية العالم، بل هو الواقع الذي تعيشه غزة كلّ يوم.
واقعٌ يجعلنا نتساءل: ما الذي يُفقد الإنسان آدميته؟ ما الذي يجعل جنوداً مدججين بالسلاح يَروْنَ في أجساد الأطفال أهدافاً مشروعة؟ ما الذي يجعل رصاصةً لا تُخطىء هدفها في شقّ صدر صغير إلى نصفين؟!

هم لا يقتلون بالمصادفة، بل بنيةٍ باردة.
لا يرتكبون الجريمة في لحظة طيش، بل يُنفّذونها كما يُؤدَّى الواجب.
ينظرون إلى الطفل، ثم يصوّبون نحوه، وكأنهم يطفئون نجماً في السماء كي لا يضيء.
وكأنّ النور، ذاته، عدوٌ يجب أن يُمحى.

ما أقسى أن تُصبح البراءةُ تُهمة، والضحكُ جريمة، والنومُ على سريرٍ بسيط مغامرة لا يُضمن النجاة منها.
ما أبشع أن يكون العدوّ قادراً على استهداف أكثر ما في الإنسان نقاءً، وأضعف ما فيه جسداً، ثم لا يشعر بالخجل.
أن يرى الدم، وأن يسمع الصراخ، ثم لا يرتجف له رمش، ولا يتصدّع في قلبه شيء.

إنّ هذا الذي يحدث ليس حرباً، بل طقساً مكرراً من طقوس الجريمة.
ليس صراعاً بين قوتين، بل مجزرة بين من يملك كلّ شيء، ومن لا يملك حتى جداراً يقيه من الشظايا.
هنا لا تدور المعركة على خرائط الجيوش، بل في أروقة البيوت، في دفاتر الرسم، في ألعابٍ متناثرة على أرضٍ دمّرها القصف.

حين يقتل العدوّ الأطفال، فهو لا يستهدف فقط الحياة، بل يستهدف المستقبل.
يريد أن يطمس الحكايات قبل أن تبدأ.
أن يمحو الأسماء من على دفاتر المدرسة قبل أن تُحفظ في الذاكرة.
يريد منّا أن ننسى، أن نصدّق أنّ هذه الدماء عادية، أنّ هذه النهايات لا تستحق البكاء.

لكننا لا ننسى.
نحفظ الأسماء، نُطيل التأمل في صور الشهداء الصغار، ونقول في داخلنا:
“كان من الممكن أن يكبر، أن يركض في باحة المدرسة، أن يحبّ، أن يحلم، أن يخطئ ويتعلم، أن يكون إنساناً كاملاً.”

وحدهم المجرمون لا يرون ذلك.
وحدهم الأوغاد لا يفرقون بين بندقية ولعبة، بين خندق وسرير، بين عدو وطفل.

في غزة، يتكرّر الموت بلا مبرر.
لكنّ الحياة أيضاً تتكرّر هناك رغم كل شيء.
ينبت طفلٌ آخر، ويُرفع اسمٌ جديد، وتُكتَب قصيدةٌ أخرى.
والقلب، وإن انكسر ألف مرّة، لا يتوقّف عن الخفقان.

في غزة، تُحاصر الحياة، لكنها لا تستسلم.
تُقصف الأحلام، لكنها تنجو بشقّ النفس.
يُقتل الأطفال، لكنّ أرواحهم لا تُمحى، بل تُصبح نجوماً في سماء المدينة، تدلّنا على الطريق نحو المعنى، نحو العدالة، نحو الإيمان بأنّ هذا الليل، مهما طال، سينتهي.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق