إسراء سلامة
أنامُ في الفِكرةِ ذاتِها مُنذُ أعوامٍ، لا أحلمُ، لا أصحو، لا أفكّرُ في النّجاةِ، بل أغُوصُ فيها كما يَغوصُ مَن يَبحثُ عن شَيءٍ فَقَدَهُ ولم يكُن لهُ أصلاً.
ليستِ الأحلامُ ما يُوقِظُني، فالأحلامُ هجرَتْني مُنذُ صار النّومَ مَمرًّا مُغلقاً، بل فِكرةٌ وَحيدة لا تُغادرُ رأسي، لا صَوتَ لها، ولا ظِلّ، لكنّها تُقيمُ في داخلي كما يُقيمُ الضّوءُ في مَصبَاحٍ مُنطفئ.
فِكرةٌ لا جَمالَ فيها، لا قُبحَ يَردَعُها، لا جِدَّةَ تُثِيرُني، ولا قُدرةَ لها على إخافَتي.
هي ليست فِكرةً مُهمّةً، ولا عابِرةً، ولا مَوسِميّةً، فِكرةٌ عَلِقَتْ في رأسي كَشَوكَةٍ دَقيقةٍ في اللَّحمِ الرَّهيفِ للذّاكرة، لا تُؤلِمُني حينَ ألمِسُها، بل حينَ أغمِضُ عَيني.
كأنّها لا تَحتاجُ أن تُصوّرَ لي فقداً أو خَسارةً لتُؤلِم، بل تَكتفي بوُجودِها الصّامتِ الذي يُراوِغُني عندَ أطرافِ النّوم.
أغفو، فأجِدُني دائماً في المَكانِ ذاتِه، المَسافةِ نَفسِها، بينَ الحَنينِ الذي لا يَعودُ، والنّسيانِ الذي لا يَأتي.
أشعُرُ بها، بتلكَ الفِكرةِ الغريبةِ – التي لم تَنضُجْ يوماً، ولم تَمتْ – وهيَ تَجلِسُ القُرفُصاءَ في زاوِيةِ نومي، تُحدّقُ بي كأنّها تَنتظِرُني أنا، لا الحُلم.
تَنتظِرُني، لا لتُحادِثَني، بل لأدرِكَ أنّهُ لا مَفرَّ منها.
أحاوِلُ أن أهرُبَ إلى اللاشيء، إلى ظلامِ الغُرفةِ الهادِئ، إلى شَخيرٍ بَعيدٍ يَصنَعُ وَهْماً بالأنسِ، إلى حُلمٍ مُتعثّرٍ أرمِّمُهُ كي أعلَقَ فيه.
لكنّني لا أفلِح، ولا أعلَقُ إِلا في ذاتِ الفِكرةِ الّتي صارتْ تَعرفُني أكثَرَ من نَفسي.
أنامُ في الفِكرةِ ذاتِها مُنذُ أعوامٍ…
كأنّ رأسي غُرفةٌ صَغيرةٌ، لا تُؤجَّرُ إِلا لخيبةٍ واحِدةٍ، تَعرفُ كيفَ تَكتُبُ على الجُدرانِ، وتُنقّطُ سَقفَ الرُّوحِ بالتَّسرُّبِ.
كأنّني لا أسكُنُ في جَسَدي، بل أقيمُ في تلكَ الزّاويةِ، أتَقوْقَعُ حَولَها، أهدهِدُها حيناً، وأصرُخُ فيها داخليًّا حيناً آخر، ثم أسْكُت.
غريبةٌ هي هذه الفِكرةُ… لم أعُدْ أذكرُ متى وُلِدَت، لكنّني أذكُرُ جيّداً كيف كَبُرَت.
كَبُرَتْ داخلي، ربّتتْ على كَتِفي، واسْتقرّتْ في مَلامِحي، صِرتُ أشبِهُها.
تَسلَّلتْ إليَّ كما يَتسلَّلُ الحُزنُ في آخرِ اليومِ، بلا سُؤالٍ، بلا اسْتِئذانٍ.
كَبُرَتْ، ولا أحدَ رآها، لا أحدَ سَمِعَها، لكِنّ الكُلّ لاحَظَ أنّني لم أعُدْ كما كُنتُ.
أخبَروني، بصوتٍ فيهِ شَيءٌ من الثّقةِ الزّائِفة، أنّ الوقتَ كفيلٌ بكلّ شيء.
لكنّهُ لم يَكفِنِي، لم يُنقِذْني، لم يُحرِّرْني من شَيء.
أعرِفُ الوقتَ جيّداً… أعرفهُ في زَمنِهِ الخارجيّ، حينَ يَلبَسُ بَدلتَهُ الأنيقة، ويَعدُ النّاسَ بالمَواعيدِ، بالمُفاجَآتِ، بالبداياتِ الجديدة.
لكنّني أعرفهُ في داخلي أيضاً…
هُناكَ، في أعماقِ هذا الرأسِ المُثقل، الوقتُ مُهمَلٌ، مُترهّلٌ، يَنسَى، يُؤجّل، يَتهرّبُ من مَسؤوليّتهِ.
يتركُ النّاسَ – أمثالي – نائمينَ في أفكارٍ لا تَنتَهي.
أنا نائمٌ… مُنذُ أعوامٍ،
لا زِلتُ في المكانِ ذاتِه، على السّريرِ نَفسِه، في الظِّلّ نَفسِه،
أحمِلُ في رأسي الفِكرةَ ذاتَها…
ولا أحَدَ يُوقِظُني.
لا جَرسٌ يَدُقُّ، لا يَدٌ تَمتَدُّ، لا صَوتٌ يُناديني بالاسمِ.
وأنا لا أطرُقُ باباً، لا أصرُخ، لا أطلبُ شيئاً.
كأنّني اكتَفيتُ بأن أكونَ شاهداً على انغِماسي، صَديقاً لِمُعاناتي، أو ربَّما، فقط، شخصاً تَصالحَ مع فكرةِ ألا يُفيق.
أنامُ في الفِكرةِ ذاتِها مُنذُ أعوامٍ،
وأخشى، أحياناً، أنّني لو استَيقظتُ فجأةً… لن أجِدَ نَفسي.


أضف تعليق