عبدالله عباس
لا تصلح الكلمات دائماً للتعبير عن ألم الشعوب، ولا تستطيع الدموع أن تغسل تاريخاً من الدم المسفوك بين فلسطين والمنافي، لكن الرواية، تلك المساحة الممتدة بين الواقع والخيال، قد تكون الملاذ الأخير للذاكرة التي تأبى النسيان، هكذا تأتي “الطنطورية” لرضوى عاشور، كوثيقة تسجّل تاريخاً، وصرخة تُبدد الصمت، ومرآة تعكس صور القرى الفلسطينية التي مُحيت من الخرائط لكنها بقيت حاضرة في القلوب.
تلك الرواية التي صدرت عام 2010 عن دار الشروق، تحكي قصة “رقية الطنطورية” ورحلتها الممتدة من قرية الطنطورة على ساحل فلسطين إلى المنافي المتعددة، لتصبح شاهدة على تاريخ ممتد من الألم الفلسطيني منذ النكبة وحتى مطلع الألفية الثالثة، إنها ليست سيرة فردية، بل هي سيرة شعب بأكمله من خلال امرأة واحدة.
كل فلسطيني يحمل معه وطنه في حقيبة سفره الأبدية، وكل فلسطينية تعلّق مفتاح بيتها حول عنقها كتميمة تصل الماضي بالحاضر، هكذا “رقية” ابنة الطنطورة، القرية التي استباحها الاحتلال في مذبحة مروعة عام 1948، لتبدأ رحلة التشرد من الوطن إلى لبنان، ومن لبنان إلى الإمارات، ومن الإمارات إلى مصر، في دورة متصلة من الضياع الجغرافي الذي لا ينتهي.
المكان في الرواية، ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو شخصية محورية، فالطنطورة – القرية الساحلية القريبة من حيفا – تتحول من فردوس هادئ إلى جحيم في ليلة واحدة، عندما اجتاحت العصابات الصهيونية أرضها واستباحت دماء أهلها، تقول رقية:
“في تلك الليلة، كان صوت البحر مختلفاً، وكانت النجوم أكثر قتامة، كأنّ السماء تعلم ما سيحدث لنا، لكنها لم تُخبرنا”.
هذا المكان المسروق يظل حاضراً في الذاكرة، والبعيد جغرافياً لكنه قريب وجدانياً، تحمله رقية معها في كل محطات حياتها، وتورّثه لأبنائها وأحفادها، أما الزمن فيتحرك في الرواية بين ماضٍ مُستعاد بالذاكرة، وحاضرٍ مُثقَل بالألم، ومستقبلٍ لا يزال يحمل شعلة الأمل.
سؤال الوجود الفلسطيني
ما معنى أن تكون فلسطينياً في عالم يتعامى عن وجودك؟ وما معنى أن تكون لاجئاً لعقود من الزمن دون حل يلوح في الأفق؟ وكيف يمكن الحفاظ على هوية تحارب لأنها موجودة؟
تطرح “الطنطورية” هذه الأسئلة بحدة وعمق، وتجعل من شخصياتها المختلفة تجسيداً لتنوعات الإجابة عليها، ففي الرواية نرى كيف يتعامل أبناء رقية الثلاثة (صادق وحسن وعبدالرحمن) مع هويتهم بشكل مختلف.

صادق يختار طريق الثراء المادي ويصبح رجل أعمال في الإمارات، فيما يختار حسن طريق الفكر والكتابة في باريس، أما عبدالرحمن فيتجه نحو القانون ليدافع عن شعبه بالكلمة والحق، إنهم يمثلون وجوهاً متعددة لنفس الهوية التي تسعى للبقاء.
“أتعرفون ما أصعب من فقدان الوطن؟ أن تقنع الآخرين بأنك فقدته أصلاً، وأنه كان موجوداً قبل أن يُسرق منك”.
هكذا تسأل رقية ابنها حسن الذي طلب منها أن تكتب سيرتها، لا لتوثق حياتها فحسب، بل لتوثق حياة شعب بأكمله يحارب النسيان.
تنتقل رواية “الطنطورية” بقارئها عبر المحطات الكبرى في تاريخ القضية الفلسطينية، بدءاً من مذبحة الطنطورة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948، حيث فقدت رقية والدها وأخويها، ثم مرحلة اللجوء الأولى في لبنان، مروراً بالنكسة والحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا المروعة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد أوسلو.
تتحدث الرواية عن هذه المحطات، ليس من منظور الكتب المدرسية أو التحليلات السياسية الباردة، بل من خلال عيون امرأة عاشت هذه الأحداث بكل تفاصيلها المؤلمة، امرأة فقدت العديد من أفراد عائلتها عبر هذه المراحل، واستشهد زوجها في مجزرة صبرا وشاتيلا، وتفرق أبناؤها في منافي الأرض.
تصور رضوى عاشور مذبحة الطنطورة من خلال مشهد مؤثر حين تُجبَر رقية وأمها على الخروج من القرية ضمن مجموعة من النساء والأطفال:
“كانوا عدة مئات من النساء والأطفال والشيوخ، تم حشرهم في شاحنتين، وفجأة صرخت وجذبت ذراع أمي، مشيرة بيدي إلى كومة من الجثث”.
هكذا ببساطة قاسية تصور الرواية كيف تغير معالم الحياة في لحظة، وكيف تتحوّل الطفولة الهانئة إلى كابوس لا نهاية له.
يحضر المفتاح في الرواية كرمز محوري للهوية الفلسطينية والحق في العودة، تحمله أم رقية حول عنقها، ثم تورّثه لابنتها بعد وفاتها، لتحمله رقية بدورها وتنقله في النهاية إلى حفيدتها الصغيرة “رقية”، في مشهد ختامي مؤثر يوحي بانتقال الأمانة من جيل إلى آخر، ويؤكد على أن الذاكرة لا تموت، وأن الحق لا يضيع مهما طال الزمن.
“أخلع من على جيدي الحبل الذي أعلق فيه مفتاح الدار التي تهدمت، وأضعه حول رقبة الرضيعة”… بهذه الجملة البسيطة والعميقة تختتم الرواية، معلنة أن الأجيال قد تتعاقب، لكن الوطن سيبقى في القلب والذاكرة، وسيظل الأمل بالعودة قائماً.
في “الطنطورية”، نلتقي بشخصيات متعددة، كل منها تمثل وجهاً من وجوه المأساة والمقاومة الفلسطينية، لكن رقية، البطلة المحورية، تظل الصوت الأقوى والأكثر حضوراً في الرواية، هي امرأة تصارع لتبقى صامدة رغم كل شيء.
رسمت رضوى عاشور شخصية رقية بعمق ودقة، منذ طفولتها في الطنطورة وحتى شيخوختها، رأيناها فتاة صغيرة تشهد فظائع المجزرة، ثم لاجئة في لبنان، ثم زوجة للطبيب أمين ابن عمها، وأماً لثلاثة أبناء وفتاة تبنتها، ثم أرملة بعد استشهاد زوجها، وأخيراً جدة تحاول أن تنقل تراث الماضي وألمه للأجيال القادمة.
تتميز رقية بصمودها الهادئ وإصرارها على الحياة رغم كل المآسي، إنها تمثل ملايين النساء الفلسطينيات اللواتي يحملن على أكتافهن عبء الحفاظ على الهوية والتراث، اللواتي يربين أجيالاً في ظروف قاسية، ويحافظن على جذوة الأمل في عودة ما سُلب.
أبو الصادق، والد رقية، الذي يرفض فكرة الرحيل عن الطنطورة، يمثل التشبث بالأرض حتى اللحظة الأخيرة، أما أمها زينب، فتمثل الصدمة التي تعيشها المرأة الفلسطينية بعد فقدان أحبائها، تعيش بقية عمرها تقول للناس إن زوجها معتقل وولديها هربا إلى مصر، رافضة تصديق استشهادهم.
وهناك شخصية وصال، صديقة رقية منذ الطفولة، التي تجسد امتداد الألم الفلسطيني عبر الأجيال، حيث جاءت لاجئة إلى الطنطورة قبل سقوطها بعد سقوط قريتها قيسارية، ثم أصبحت لاجئة مرة أخرى بعد سقوط الطنطورة نفسها.
تعالج “الطنطورية” ببراعة ظاهرة التشظي التي أصابت الشعب الفلسطيني بعد النكبة، فمن عائلة واحدة متماسكة في قرية الطنطورة، تتشتت عائلة رقية في كل الاتجاهات، ويعيش أفرادها في بلدان مختلفة وظروف متباينة.
تقول رقية في إحدى لحظات تأملها: “ما الذي يجمعنا نحن الفلسطينيين غير الشتات؟ قريبون جداً في الألم، بعيدون جداً في الجغرافيا”.
هذا التشظي ليس محصوراً في المكان فقط، بل يتعداه إلى الهوية والانتماء واللغة والثقافة، فأبناء المنافي يعيشون حالة من التمزق الداخلي بين الجذور الفلسطينية وثقافات البلدان المضيفة، وهو ما تعكسه الرواية ببراعة من خلال حوارات الأجيال المختلفة.
تمتاز رواية “الطنطورية” بتقنية سردية فريدة تجمع بين القص الروائي المتخيل والتوثيق التاريخي، فهي تمزج بين الخيال الأدبي والوقائع التاريخية الموثقة، بين شخصيات متخيلة وأحداث حقيقية، بين السرد الشخصي للبطلة رقية وشهادات حقيقية من الناجين من المجازر الصهيونية.
تعتمد الرواية على تقنية استرجاع الذكريات، فرقية – البالغة من العمر سبعة وسبعين عاماً – تسترجع حياتها منذ طفولتها بناء على طلب ابنها حسن الذي يريد توثيق تاريخ العائلة، وعبر هذا الاسترجاع، تعود بنا الرواية إلى محطات مختلفة في تاريخ القضية الفلسطينية، من النكبة وحتى الألفية الثالثة.

اللغة في الرواية غنية بمفردات وتعبيرات من اللهجة الفلسطينية، مما يمنحها طابعاً توثيقياً للتراث الشعبي الفلسطيني المهدد بالاندثار، ويخلق إحساساً بالواقعية لدى القارئ، كما تتضمن الرواية مقاطع من الأغاني والأهازيج الفلسطينية، والأمثال الشعبية، وحكايات الجدات، مما يجعلها سجلاً ثقافياً شاملاً، وليس مجرد سرد للأحداث.
هذا المزج بين الذاتي والموضوعي، بين المتخيل والتاريخي، يعكس طبيعة التجربة الفلسطينية نفسها، التي تتداخل فيها المأساة الشخصية مع المأساة الجماعية، وتتشابك فيها ذكريات الفرد مع تاريخ الأمة.
“الطنطورية” هي حالة من المقاومة الثقافية، فالرواية تنتمي إلى ما يسمى “أدب المقاومة” الذي أسّس له الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، وهو أدب يقوم على “المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف”.
ولا تكتفي الرواية بتصوير المأساة الفلسطينية، بل تتجاوزها إلى مستوى الرفض والمقاومة، وإلى التشبث بالهوية والجذور، فشخصيات الرواية تقاوم محاولات طمس الهوية والذاكرة، وتصر على الاستمرار في الوجود رغم كل المآسي، وتحتفظ بالأمل في العودة إلى الوطن المسلوب.
ما تقدمه رضوى عاشور في “الطنطورية” هو توثيق للذاكرة الفلسطينية من منظور إنساني عميق، يتجاوز السياسة والشعارات، ليلامس جوهر المعاناة والحلم الفلسطيني، تكتب ضد النسيان، وضد محاولات تزييف التاريخ، وضد سياسات الطمس والمحو التي تمارس بحق الشعب الفلسطيني.
“لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها، نقتطع جزءاً من ساقها، نغرسه بلا جذور في أي أرض، لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة، ينمو من جديد، في أرض جديدة”
هذه الكلمات ليست من رواية “الطنطورية”، بل من رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي، لكنها تعكس جوهر القضية التي تعالجها روايتنا: مصير الإنسان المقتلع من جذوره، والمجبر على التأقلم مع واقع جديد، الفرق أن الفلسطيني، كما تصوره رضوى عاشور، لا يقبل بالاقتلاع، ولا يرضى بالتجذر في أرض جديدة، بل يظل متمسكاً بحقه في العودة مهما طال الزمن.
عندما تعود رقية الطنطورية في نهاية الرواية إلى الحدود الفاصلة بين لبنان وفلسطين، وتحمل حفيدتها الصغيرة رقية بعد تمريرها من بين الأسلاك، ثم تخلع من على جيدها مفتاح الدار وتضعه حول رقبة الرضيعة، فإنها تختصر في هذا المشهد جوهر الحلم الفلسطيني: العودة إلى البداية، إلى الوطن، إلى الجذور، والأهم: استمرار هذا الحلم من جيل إلى آخر.
“الطنطورية” رواية لا تنتهي برحيل رضوى عاشور عام 2014، بل تستمر في قلوب قرائها، وتتجدد في ضوء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من مآسٍ جديدة، وفي كل مرة يغزو فيها الاحتلال غزة، في كل مجزرة جديدة تضاف إلى سجل المجازر الطويل، في كل تهجير يتعرض له الفلسطينيون في القدس والضفة، تعود “الطنطورية” للواجهة مجدداً، لتذكرنا أنّ التاريخ يعيد نفسه، والمقاومة تولد من رحم المعاناة، والأمل يبقى ما بقي الإنسان متشبثاً بحقه وأرضه.
“الذاكرة لا تقتل، تؤلم ألماً لا يُطاق، ربما، ولكن إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه”.
هكذا تقول رضوى عاشور على لسان رقية، وهذا هو جوهر الدرس الذي تقدمه “الطنطورية”: أنّ الذاكرة ليست فقط وسيلة لتسجيل الألم، بل هي أيضاً أداة للبقاء والمقاومة، فما دامت الذاكرة حية، سيبقى الوطن حاضراً في القلوب، حتى وإن غاب عن الخرائط.
الرواية الفلسطينية، وفي طليعتها “الطنطورية”، تقوم بدور حاسم في معركة الوعي التي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، فهي تحفظ التاريخ من التزييف، وتصون الرواية الفلسطينية من التغييب، وتخلد في ذاكرة الأجيال حكاية شعب يقاوم لاستعادة وطنه المسلوب.
وأخيراً، “الطنطورية” هي مرآة تعكس صورة فلسطين كلها: بمأساتها وصمودها، بألمها وأملها، بماضيها ومستقبلها، وشهادة حيّة على أنّ فلسطين لا تموت في قلوب أهلها، وأنّ العودة – مهما طال الزمن – آتية لا محالة.


أضف تعليق