إسراء سلامة
لا شيءَ في هذهِ الأيّامِ يُكتَبُ بوضوحٍ.
كلُّ لحظةٍ تبدأُ، تنكَسِرُ قبلَ أن تكتملَ،
كما لو أنّ الزمنَ نفسهُ فقَدَ صبرَه، أو يده.
أستفيقُ، ولا أُدرِكُ إن كُنتُ استيقظتُ حقاً،
أم فقط خرجتُ من سطرِ نومٍ مُهلهَلٍ
لأدخُلَ في فقرةٍ رماديّةٍ من هذا اليومِ المكرور.
أسيرُ في يومي كأنّي سطرٌ مَشطوب،
كأنّني فِقرةٌ حذفتها الحياةُ في اللحظةِ الأخيرة،
ثمَّ تركت أثرَها بلا ندم.
الزوايا ذاتُها، الأبوابُ ذاتُها،
لكنّ الطرقاتِ لا تَصِلُ.
الوجوهُ التي ألقاها على عجلٍ
تبدو وكأنّها مجرّد تعليقاتٍ جانبيّة
في روايةٍ لا أعرفُ بَطلَها.
كلُّ شيءٍ ناقص،
اللقاءاتُ قصيرةُ النَّفَس،
الكلماتُ تخرجُ من فمِ الناسِ متردِّدةً
كما لو أنّها تخشى أن تقولَ أكثرَ مما يجب.
والحلمُ حينَ يزورني،
ينسى اسمَهُ في منتصفِ الطريق،
ويضيعُ في دهاليزِ رأسي مثل نداءٍ خافتٍ في عاصفة.
كأنَّ الوقتَ يكتُبُني بقلمٍ مكسور،
لا سطورَ مستقيمة،
ولا نقاطَ في النهاية،
فقط شَخبَطَةُ محوٍ فوق محوٍ،
وخطٌّ رفيعٌ بالكاد يُرى،
يجرُّني من يومٍ إلى آخر،
دون أن أستطيعَ أن أضعَ فاصلةً، أو ألتقطَ نَفَسي.
أحاولُ أن أستعيدَ وضوحي، أن ألمّ ما تفرّقَ منّي،
لكنّي مُجزّأ، مبعثرٌ مثل أوراقٍ سقطت من دفترٍ مفتوحٍ في مهبِّ الريح.
لا أملكُ جملةً كاملةً واحدةً تُشبِهني.
وكلُّ ما يُكتَبُ في قلبي،
كأنّه مُسَوّدةٌ لا تصلحُ للنشر.
أشعرُ أنّي تعليقٌ عابرٌ في دفترِ أحدهم،
كلمةٌ كُتِبَت على عَجلٍ ثمّ مُسِحَت،
أو جملةٌ ندمَ صاحبُها أن نطقها،
فأغلق فمَهُ عليها إلى الأبد.
وإن كُنتُ نَصًّا،
فأنا نصٌّ لا يُقرَأُ بصوتٍ عالٍ،
ولا يُنسَخ،
ولا يُقال.
أعيشُ في هامشِ الكلام،
أراقبُ المعاني وهي تُولَد في أفواهِ الآخرين،
ثم أعودُ إلى صمتي، وأكتفي بكوني لم أكن.
كأنَّني حاشيةٌ لا يقرؤها أحد،
كأنَّني ظلّ جملةٍ نُسِيَت،
أو جُزءٌ من روايةٍ لم يكمِلْها الكاتب،
أغلق دفّتَيها على استعجالٍ،
ثم ذهبَ ليشربَ قهوته،
ونسي أنّه تَرَكَني هناك،
مُعلّقًا بين “لكن” و”ربّما”.
وفي هذا الوقتِ الذي لا يكتب،
أشعرُ أنّي أعيشُ كقصيدةٍ مكسورةِ الوزن،
بلا قافيةٍ، ولا غاية،
كأنّ المعنى انسحبَ قبل أن أصلَ إلى نهايتي.
يقولون: “الوقتُ كفيلٌ بكلِّ شيء”،
وأنا لا أعرفُ ماذا كفَل لي الوقت؟
صورةً باهتة؟
أم فصلاً ساكناً لا يزول؟
أم حياةً تُعادُ بلا نُسخةٍ أصلية؟
هكذا تمضي الأيّام،
وأنا أمضي فيها،
لكنّي لا أمضي من نفسي.
أحملني كلّ صباحٍ كما يُحمَلُ حقيبةٌ قديمةٌ بلا وجهة،
أقفُ في منتصفِ الطرقاتِ،
ولا أدري إن كنتُ ذاهباً إلى مكان،
أم فقط أهرب من سكونٍ أشدَّ صخباً من الضجيج.
كأنَّ الوقتَ لا يريدُ أن يكتُبني أصلاً،
كأنّه يُجرِّبُ عليَّ ما لا يريدُ أن يكتبهُ لأحدٍ سواي.
يُبقي الجملةَ بلا نقطة،
والسطرَ بلا بداية،
والحكايةَ بلا راوٍ.
كأنّ الوقتَ، وهو يمرُّ بي،
نسي أن يُخبرني من أكون.
ونسيتُ أنا أن أسأله.


أضف تعليق