إسراء سلامة
أفتحُ عيني، لا لأنّي مستعدّ، بل لأنّ الضّوء أقوى من النيّة، كأنّ الضوءَ هو من يُقرّر عنّي، يوقظني قبل أن أطلب النجاة أو أرفضها، أُغمضُ عيني قليلاً، ثم أعيد فتحها، لا بحثاً عن يومٍ جديد، بل فقط لأتأكّد أنّني ما زلت هنا، حضورٌ غريب، لا ينتمي لي تماماً، ولا يرحل عنّي تماماً.
الستائر نصفُ مغلقة، كأنّها تخجلُ من إزعاجي، أو كأنها اعتادت وحدتي، تحفظ طريقتي في تجنّب الضوء الكامل، ذاك الضوء الذي يفضح ما لم أعد أرغب برؤيته: تفاصيل وجهي، تجاعيد لم أكن أعلم بوجودها، نظرةً كانت يوماً مليئةً بالحلم، وها هي الآن خاوية كأرصفة الشّتاء.
أتحرّك ببطء، لا أشعرُ أنّني استيقظتُ، فقط انتقلتُ من نومٍ أفقيّ إلى آخر عموديّ، لا فرق حقيقيّ بين الاثنين، سوى أنّ في الأوّل أهرب، وفي الثاني أؤجّل الهرب.
أنظر في المرآة، لا لأتفقّد ملامحي، بل لأتأكّد أنّي لم أختفِ، أنظر طويلاً، كأنّي أحاول استحضار اسمي من ملامحي، فلا أجده، الوجه كما هو، وربّما كما كان دوماً، لكن الاسم؟ الاسم ذلك الشيء الذي كان يشبهني، يتقدّم قبلي، يُقال بثقة، يُعلّق على الجدران أو على بطاقات الهوية… أين هو؟ من سرقه؟ وهل إذا ناداني أحد باسمي الآن، سألتفت؟ أم أنّني سأظنّه ينادي شخصاً آخر، كان يسكنني ذات يوم، ثم غادر دون وداع؟
في الصّباحات التي لا تختلف، يصبح كلّ شيء ضباباً شفيفاً، لا لون ولا طعم ولا وضوح، كأنّ العالم كلّه صُفّ على رفٍّ قديم، وغطّته طبقةٌ من الغبار لا تُرى، لكنّك تشعر بها على جلدك، في أنفاسك، في صوتك الذي لا يخرج من الحلق إلا مبحوحاً.
الفرشاة في مكانها، المعجون له نفس الطعم الباهت، القهوة مُرّة كما طلبتها من نفسي ألف مَرّة، نفس الفنجان، نفس اليد، نفس الرجفة، الباب يئنّ بنفس الطريقة، الحذاء لا يخطئ الطّريق إلى قدمي، كلّ شيء يعرف دوره ببراعة، كلّ شيء يُكرّر نفسه كأنّني ميت لم يدفن بعد، يزور طقوس الأحياء بتكرارٍ رتيبٍ بلا معنى.
لكنّي… أنسى.
أنسى ما يجعلني مختلفاً عن الأمس، أنسى ما حلمتُ به قبل عام، أنسى وجهي كما كان قبل أن تُطفئني الحياة بهدوء، أنسى الدّهشة، تلك التي كانت تسبقني إلى النّافذة، إلى الكتاب، إلى كلمةٍ في أغنية، إلى غيمةٍ تغيّر شكلها فجأة.
أنسى من كنت، أو ماذا أردتُ أن أكون، صرتُ ملامح تمشي، وإيماءات تُؤدّى دون رغبة، أفتح النّافذة ليس لأتنسّم صباحاً جديداً، بل فقط لأنني فعلت ذلك أمس، وقبله بأسبوع، وقبله بأشهرٍ لا تُعدّ.
كلّ صباح لا يُضيف إليّ شيئاً، بل يأخذ، يسحب منّي تفصيلاً صغيراً كلّ مرّة، عادةً دافئة، ابتسامةً كانت تلقائيّة، نكتةً كنتُ أقولها لنفسي فأضحك، ثم لا أعود أضحك، قطعةً تلو الأخرى، كأنني أتآكل بصمت، دون أن يلاحظ أحد.
وأنا لا أقاوم، أترك الأشياء تمضي كما لو أنّي خائف من التغيير، أو تائبٌ عن الرغبة، لم أعد أجرؤ على الرجاء، ولا على الحنين، ولا حتى على الحُلم، أعيشُ كأنّي في انتظار لا ينتهي، لا أعرف له سبباً، ولا أجلاً.
في الصباحاتِ التي لا تختلف، لا أعود أذكر لماذا استيقظتُ أصلاً، ولا ماذا كنتُ سأقول لو سألني أحد: “من أنت؟”
ربّما سأصمت، ربّما سأشير إلى مقعدٍ كان لي، أو مرآةٍ حفظت ملامحي أكثر منّي، ربّما سأقول: “أنا من تكرّر حتى تلاشى”.
لكن لا أحد يسأل.
ولا أنا أجيب.


أضف تعليق