إسراء سلامة
في الطريق، لا ظلٌ، ولا شجرة، فقط ترابٌ، وآثار أقدامٌ تسير، لا تعرف إلى أين، الشمس قاسية، لا ترحم، والريح لا تحمل غير الغبار، وما زال الطريق طويلاً.
المرأة تبكي، ولا تُصدر صوتاً، لم تعد تحمل رجاءً، كانت تضم بين ذراعيها شيئاً ما، قماشة ملفوفة على شكل جسد صغير، وربما لم يكن الجسد هناك، ربما كان مجرد ذكرى.
والشيخ العجوز كان خلفها، يسحب عربةً بعجلة معطوبة، فيها أشياء لا قيمة لها، بطانية مثقوبة، وعاء من الألمنيوم، صورة قديمة، وشيء ملفوف بكيس نايلون، لا يبدو مهماً لأحد غيره، كلّ خطوة تؤلمه، لكنّه لا يتوقف، لا مكان يعود إليه، والخروج، كما قالوا، أرحم من الموت في الداخل.
الصبي، كان وحده، يحمل جرن الماء، كان يحاول أن يكون قوياً، لكنّه ليس كذلك، تعثر، وسقط، انسكب الماء، وبكى الطفل، ولا أحد التفت، لا أحد يستطيع أن يساعده، لأنهم جميعاً، كانوا يسيرون كأشباح.
غريبٌ هذا العالم، حقاً غريب.
لا يسمع صرخة الأم التي دفنت ابنها بيديها، لا يهتم لأنين رجلٍ ودّع عائلته، لا يرى الصبي وهو ينظر إلى جرن الماء المسكوب كأنه فقد شيئاً من نفسه، كأنّ الماء كان شيئاً وحيداً يُعيد إليه الإحساس بأنه موجود.
العالم مشغولٌ بأشياء أخرى، بالأسواق، بالخطابات، بالبيانات التي تُقرأ دون أن تُشعر، أحدهم قال مرة: “نحن نراقب الوضع عن كثب”، لكنه لم يكن يرى.
ليس هناك ماء.
وليس هناك طعام.
الطريق طويل، والموت يترصد الجميع.
لا سيارات، لا حافلات، لا شيء يأتي، لا شيء يذهب، فقط أجساد تسير بأمر من العدو، قالوا لهم: “اخرجوا، لا نريد قتلكم”، فخرجوا، كي لا يُقتلوا.
لكنّهم يموتون وهم يسيرون، واحداً تلو الآخر، ببطء، دون رصاصة، دون قنبلة، يموتون بالسير، يموتون من غياب المعنى، من السؤال: لماذا؟
هل من الوقاحة أن يُطلب من المرء أن يترك بيته، لكي لا يُقتل؟
هل من الوقاحة أن يختار أحدهم أن ينجو، بينما لا طريق للنجاة؟
نعم، وقاحة.
العالم وقح، لأنه يرى، ويصمت.
يسمع، وينكر.
يتابع، ولا يفعل.
قال أحدهم: “نحن قلقون”.
قلق؟
الصبي سقط على وجهه، والماء سُكب على التراب.
هل هذا ما يقلقكم؟ أم أنّ القلق ليس إلا كلمة تقال كي تُقال؟
العجوز لم ينظر خلفه، يعرف أنّ من خلفه لا يحمل شيئاً، فقط الغياب.
والأم، توقفت لحظة، نظرت إلى القماشة بين ذراعيها، ربما تذكّرت أول يوم حملته فيه، حين ضحك لأول مرة، أو حين قالت له: “لا تخف، أنا معك”.
الآن، هو معها، لكنّه صامت، ساكن، لا يحتاج لحمايتها بعد الآن.
والطفل، قام، مسح وجهه، لم يبحث عن الجرن، فقط مشى، كأنّ المشي هو الشيء الوحيد الذي يُبقيه حياً.
العدو يعرف ما يفعله.
يدفع الناس إلى الخارج، ثم يتركهم يموتون في الطريق، الموت لا يحتاج لصاروخ، أحياناً، يكفي أن تأمر شخصاً بالمغادرة، دون أن تخبره إلى أين.
العالم يشاهد، يسمّي ذلك “أزمة إنسانية”.
لكنها ليست أزمة، هذا جرح، جرح نازف.
وهؤلاء ليسوا لاجئين، بل ناسٌ طُردوا من بيوتهم لأنهم وُلدوا في المكان الخطأ.
كان يمكن أن يكون المشهد مختلفاً.
كان يمكن أن يجد الطفل أحداً يُعيد إليه الماء.
أن يجد العجوز مكاناً يجلس فيه دون خوف.
أن تجد الأم من يربّت على كتفها.
لكن لا أحد يفعل.
في هذا العالم، تكون ضعيفاً فقط حين لا تملك شيئاً، وتُنسى، لأنك لا تستطيع أن تصرخ بصوتٍ مسموع.
وحتى إن صرخت، فإنّ الصوت يضيع.
يموت في الهواء.
مثل الماء.
مثل الطفل.
مثل الحكاية التي لا يريد أحد أن يسمعها.
وما زالوا يمشون.
وسحابة الغبار خلفهم.
والسماء لا تبكي.
والعالم ما زال… مشغولاً.


أضف تعليق