الصغير لا يقول شيئاً، يُمسك يد أبيه بإحكام، اليد صغيرة، لكنها تُمسك كما لو أنها آخر ما تبقى، وكأنها تريد أن تقول للعالم: لن تسقط، ما دمتُ هنا.

يدٌ صغيرة تُسند العالم

إسراء سلامة

لم يكن يمشي، كان يجرّ نفسه، والطفل بجانبه، يحاول أن يمنعه من السقوط.

الهواء من حولهما كان غباراً، والسماء، لا لون لها، الأرض مليئة بأشياء كانت ذات يوم بيوتاً، الركام لا يتكلم، لكنه يصرخ.

الأب أصيب بشظية، وربما جرح قديم فتَحَه القصف من جديد.

الصغير لا يقول شيئاً، يُمسك يد أبيه بإحكام، اليد صغيرة، لكنها تُمسك كما لو أنها آخر ما تبقى، وكأنها تريد أن تقول للعالم: لن تسقط، ما دمتُ هنا.

الأب لا ينظر للصبي، والدم على وجهه، في عينيه شيء من الخجل، لم يكن يريد أن يُرى على هذا النحو، ضعيفاً، منحني الظهر، يسنده من كان يسنده.

لكن الطفل لا يعرف شيئاً عن الكبرياء، يعرف شيئاً واحداً: هذا أبي، وإن سقط، سأسقط معه.

كانت الصورة صامتة، لكنها قالت كل شيء.

قالت إنّ الطفولة تُقتل بصمت، وإنّ الرجولة تُمنح في سنٍّ مبكرة حين لا يكون هناك وقتٌ للهروب، قالت إنّ العالم لا يرى إلا ما يناسب نشراته، وإنّ الكرامة تُنبت جذوراً حتى في الأرض المحروقة.

قالت، ببساطة، إنّ المظلوم لا يحتاج إلى شفقة، يحتاج إلى يد صغيرة، تمسك به، وإنّ النبل ليس قصة طويلة، بل لحظة قصيرة… مثل هذه.

لم يكن هناك شيء خارق في الصورة، لا قمر، لا بحر، لا سماء صافية.

مجرد شارعٍ محطم، أبٌ ينزف، طفلٌ يرفع العالم بكفّه.

ومع ذلك، كانت الصورة كاملة، كاملة مثل وجع لا ينقصه شيء.

الطفل لا يبكي، لأنّ البكاء ترف، ولأنّ البكاء لا يُنقذ أحداً.

ولا يتكلم، لأنه تعلّم مبكراً أنّ الكلام لا يُغيّر شيئاً.

هو فقط يُمسك يد والده، كأنّ يده هي من تُنقذه، أو شيء ما يُمسك به كي لا يغرق.

في أماكن أخرى، الأطفال يشاهدون الرسوم المتحركة، يضحكون على أشياء لا تُضحك، يسألون أسئلة ساذجة.

في غزة، الأطفال يتعلمون كيف يُسندون جسداً مثقوباً بالرصاص.

في غزة، لا وقت للطفولة، لا وقت للفرار من الوجع، هناك فقط: اللحظة، والجسد، والركام، والذراع الصغيرة التي لا تُسقط أحداً.

ربما سيمشي الأب بعد ذلك وحيداً، وربما لا يمشي أبداً، ربما سيموت، وربما ينجو.

لكن تلك اللحظة التي يتكئ فيها على طفله، كانت لحظة كاملة، لحظة حقيقية.

لحظة تقول شيئاً لا يستطيع أي شاعر قوله، ولا أي كاتب، شيء لا يُكتب، بل يُرى، ويُشعر.

في مكانٍ ما، سيجلس شخص خلف مكتب، يرتّب الأوراق، ويصدر بياناً عن “الكارثة التي تُصيب العالم”.

وفي مكانٍ آخر، سيكتب صحفي خبراً بارداً: “طفلٌ يُساعد والده الجريح في غزة”.

لكن ما حدث لم يكن خبراً، كان نبوءة، كان آية.

كان صوتاً لا يمكن كتابته.

أحياناً، يكون الصمت هو الحقيقة.

الصبي لم يقل شيئاً، ومع ذلك، كان صوته أعلى من كل الأصوات.

قال كل ما أراد أن يقوله أهل غزة منذ عقود.

قال: نحن لا ننتظر أحداً، نحن نسنُد بعضنا.

قال: أنا اليد الأخيرة التي تُمسك قبل أن يسقط كل شيء.

قال: هذا أبي.

قال: وهذا العالم لا يستحقه.

إنه ليس بطلاً، لا يحمل سلاحاً، ولا يعرف شيئاً عن الحروب.

لكنه يعرف أنّ هناك جسداً ضعيفاً يجب أن يُحمل، يعرف أنّ الوقت ليس مناسباً للبكاء.

ويعرف، دون أن يُخبره أحد، أنّ العالم لن يأتي.

ولذلك، مشى.

ورفع أباه.

هذه يدٌ صغيرة، لكنها أثقل من أي شيء.

هذه يدٌ لا تكتب التاريخ، لكنها تصنعه.

هذه يدٌ من غزة.

وغزة، حين تضعف، لا ترفع راية بيضاء.

بل ترفع طفلاً، يُسند أباه.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق