أقف أمام المرآة، لا لأتأمّل، بل لأتأكّد أنّني ما زلت هنا… لم أتبخّر بعد، لم أذُب في الفراغ المحايد الذي يبتلعنا حين نكفّ عن السؤال.

ليس لي وجهٌ في المرآة، بل تكرار وجوه

إسراء سلامة

أقف أمام المرآة، لا لأتأمّل،
بل لأتأكّد أنّني ما زلت هنا… لم أتبخّر بعد،
لم أذُب في الفراغ المحايد الذي يبتلعنا حين نكفّ عن السؤال.

أنظر، فلا أرى وجهي.
لا أعني الغياب التام، بل الغياب المشوّش…
شيء ما يُشبهني هناك، يتحرّك كما أتحرّك، يرفع حاجبه حين أندهش،
يميل برأسه حين أتعجّب،
لكنّه ليس أنا. أو ليس أنا تماماً.

أين وجهي الذي كنتُ أعرفه؟
ذلك الذي كنتُ أراه في الصور القديمة،
حين كانت الابتسامة تسبق الفكرة،
والعين لا تخاف النظر،
والجبين لم تُثقلْه التجاعيد… لا تجاعيد الزمن، بل تجاعيد المعنى.

الآن، كلّ ما أراه هو تراكم…
وجوهٌ مرّت بي، مرّت داخلي،
تسلّلت من اللحظات، من الانكسارات الصغيرة، من الخيبات التي لم أبكِها،
ثم اتخذت ملامحي مكاناً لها، واستقرّت.

وجوهٌ لمن صرخ في الخفاء،
من انتظر طويلاً على حافة اللامجيء،
من خاف أن يُكشف،
من انكسر دون أن يقول: “أنا أتألم”.

وجوهٌ لا أملك أسماءها،
لكنّها تحمل أثري،
تحمل آثار ما لم يُقل،
وذكريات ما لم يحدث.

كلّ يوم تتبدّل الزاوية.
أحياناً تضيء الملامح قليلاً،
فتُخيّل لي لحظة من صدق قديم، كأنّي أستعيد وجهي الحقيقي…
ثم يتلاشى،
ليعود ذاك المزيج: خليط من وجوهٍ ارتديتها كي أُكمّل،
كي لا يُقال إنّي غبت.

أضحك،
فتضحك المرآة، لكنني لا أصدّق هذا الضحك.
أشعر أنّه مسجون في وجه تعلّم أن يضحك كي لا يُسأل.
وحين أحزن،
لا تنعكس ملامحي فقط، بل ملامح نسخٍ كثيرة حزنت قبلي،
حزنوا من خلالي،
وبقوا هناك، في تفاصيل التعب، في انعطاف العين، في ميل الحاجب نحو الأسفل.

أنا لا أنتمي لهذا الوجه.
أشعر أنّني استعرتُه.
أو لعلّي ورثته عن نسخٍ سابقة من نفسي…
نسخٍ تراكمت، ولم تُغلق أبوابها حين غادرت،
فصار وجهي مرآة لمرآة، وظلاً لظل.

المرآة لا تقول الحقيقة.
هي فقط تفتح الباب…
تُشرّع الزجاج لما تراكم داخلي،
فتخرج الوجوه، واحدة تلو الأخرى،
كلّها تسكنني،
كلّها تمشي معي في الطريق،
تبتسم مع ابتسامتي،
تتنهّد حين أتعب،
لكنّها لا تتركني وحدي لأكون أنا.

أين أنا؟
ذلك الذي كنتُه قبل أن تتورّط روحي في التجربة؟
قبل أن يتسرّب الآخرون إلى ملامحي؟
قبل أن أصير مزيجاً من ردود الفعل، من الدفاعات، من النجاة المتكرّرة؟

أنا لا أكره هذه الوجوه،
فهي شاهدة.
هي التي ساعدتني على الاستمرار،
هي التي ارتديتها حين تعرّيتُ من الثقة،
حين كنتُ أحتاج لملامح لا تُفضح،
لا تُفضَح.

لكنّني الآن أبحث عنّي.
عن الوجه الذي لا يقلّد،
ولا يحاكي،
ولا يستعير ملامحه من ماضٍ خائف.

ربما لن أراه مرةً واحدة.
ربما سأجده متسللاً في طرف عينٍ تطلّ بنُعاس،
أو في لحظة لا وعيٍ حين أتنهّد دون انتباه.
ربما سيأتي في الحلم،
حلم لا يُشبه ما أعرف،
ولا يُعيد ما مرّ.

ليس لي وجهٌ في المرآة،
بل تكرار وجوه…
وجوهٍ عاشت داخلي حتى نسيتني.
حتى نسيتُ أنا نفسي: كيف كنتُ حين كنتُ فقط أنا.

لكنّي ما زلت أقف.
كلّ صباح، أقف.
أنظر، أتأمّل، أجرّب أن أُميّز ظلّي من ظلّي،
أن ألمح في الزجاج البارد
وجهي الحقيقي، أو على الأقل…
شوقي إليه.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق