إسراء سلامة
الناس تقول: “الوقت يمضي”، كأنّه قطار لا ينتظر أحداً، أو موجةٌ لا ترجع إلى الوراء.
لكنّي لا أشعر أنّه يمضي.
أشعر أنّه يتجاوزني، يعبُر من جواري دون أن يلتفت، كأنّه نهرٌ أعرف مجراه، وأعرف صوته، وأعرف برودته حين يلامس الجلد، لكنّي لا أعرفُ كيف أسبح فيه. لا أعرف إن كنتُ غريقاً أم مجرد عابر ينظر إلى الماء من شرفة عالية.
أراقب الساعات تتوالى كصفحات تُقلَب دون أن تُقرأ، والأيام تتقشّر مثل ورق رطب، هشّ، لا يترك أثراً سوى على أطراف الذاكرة.
أشخاصٌ يمضون في حياتهم بخفّة غريبة. يبنون أحلاماً جديدة فوق أنقاض البارحة، يخطئون، ينهضون، يعيدون المحاولة بوجهٍ أقلّ براءة، لكن بنفس الأمل.
وأنا؟
أعيد سقوطي في الحفرة ذاتها.
كأنّي وُلدت لأقع هناك فقط،
كأنّ كل الدروس التي علّمتني إيّاها الحياة تنزلق منّي حين أحتاجها.
أسير في الدرب نفسه، بخُطى لم تتغير، كأنّي لا أملك ذاكرةً لجسدي ولا قلباً يتعلّم من وجعه.
أُخطئ ذات الخطأ،
أثق في ذات الوجوه،
أؤجّل ذات الأحلام،
وأقنع نفسي أنّ الأمور ستختلف “هذه المرّة”.
لكن لا شيء يختلف.
الزمن يمشي بخفّة، وربما بعجلة، كأنه مستعجل على موعد لا يشملني.
يمرّ بجانبي، يتلفّت قليلاً، ثم يختار وجهةً أخرى.
لا يمدّ لي يده، لا يمنحني دفعةً صغيرة، لا يرشدني إلى المَخرج حين أتُوه.
وأنا، على حافّته، أُحاول أن أركض.
أُحاول أن أُقنع قدميّ أنّ الطريق ما زال مفتوحاً،
أنّ التأخّر ليس نهاية السباق،
أنّ التعب مجرّد سحابة عابرة.
لكنّي أتعثّر.
كلّ مرة أتعثّر.
لا لأنّ الطريق صعب، بل لأنّي أُكرّر نفس الخطوة، بنفس العمى، بنفس الإنكار.
كأنّني لا أُريد أن أُشفى.
كأنّني أجد في التعثّر عزاءً، وفي السقوط معنىً ما، أو عذراً يجعلني أتجنّب المواجهة مع الصعود.
الصعود صعب… ليس لأنّه مرتفع، بل لأنّه غريب.
غريب عليّ أن أنجح، أن أصل، أن أتجاوز.
كأنّي تعوّدت الخسارة لدرجة أنّ الربح بات يُخيفني.
الزمن يمشي، وأنا أكرّر تعثّري.
لا شيء جديد سوى رقم في التقويم، لا شيء يتغيّر سوى مقدار التعب في ظهري.
أنظر إلى انعكاسي في زجاج النافذة،
لا لأتفقّد ملامحي، بل لأتأكّد أنّني ما زلتُ هنا.
أنّني لم أذُب تماماً في الروتين، ولم أختفِ في صمتٍ لا أحد يسمعه.
أعيد المشهد ذاته كلّ يوم، كأنّني ممثل في مسرحية لا جمهور لها، ولا نهاية مكتوبة.
أنام بذاتِ الحيرة، وأستيقظ على نفس السؤال:
“هل سيتغيّر شيء؟”
ولا يتغيّر شيء…
فأنا أعيش في إعادةٍ لا نهائية لمشهدٍ لا أحد يراه غيري.
الزمن لا يلتفت.
ولا يُعيد نفسه،
ولا ينتظرني لأفهم.
لكنه يترك خلفه آثاراً خفية، تُشبه الخدوش على سطحٍ زجاجيّ: لا تراه إلا حين تضع الضوء في الزاوية الصحيحة.
وأنا أضع الضوء… وأرى الخدوش.
أراها بوضوح مؤلم، لكنّي لا أعرف كيف أُرمّمها.
ربما هذا هو أكثر ما يؤلمني:
أنّني أعرف تماماً ما أعيد فعله،
وأعرف أين سأسقط،
لكنّي لا أغيّر الطريق.
أستمر في التكرار، كأنّني أُراهن على أن يحدث الخطأ ذاته بنتيجة مختلفة هذه المرّة.
وأعلم أنّها أمنية فارغة،
لكنّي لا أملك سواها.
الزمن يمشي، وأنا أكرّر تعثّري،
كأنّي لستُ في سباق،
بل في طقسٍ أبديّ، أُعيده كلّ يوم بنفس الإيقاع، بنفس الأخطاء،
لأثبت لنفسي – أو ربما لأنكر على نفسي – أنني ما زلتُ أملك شيئاً أُعيده.


أضف تعليق