إسراء سلامة
أعدتُ الرحيل من المكان نفسه،
كأنّي لم أغادره قط،
كأنّ قدمي، رغم ابتعادها، ظلّت معلّقةً هناك، حيث الخطوة الأولى لم تُكتمل.
لم يكن الرحيل قراراً… كان عادة.
شيئاً ما في داخلي، لا أعرف متى بدأ ولا كيف،
تعلّم أن يطوي الأماكن دون أن يغلق أبوابها،
أن يغادر بهدوءٍ دون أن يُصدر صوت الوداع.
أرحل، لا لأنّني أريد،
بل لأنّ البقاء صار أثقل من قدرتي على الاحتمال.
صار البقاء كالحِمل الذي لا يُشرح، ولا يُزال، ولا يُفهم.
كلّ مرة أقول: هذه الأخيرة.
ثم يحدث شيء بسيط… كلمة، لمحة، ذاكرة، طيفٌ يمرّ على هيئة ضوء في زاوية عتمة،
فأجدني أعود، لا لأبقى،
بل لأعيد مشهد المغادرة…
بنَفَسٍ أهدأ،
وبقلبٍ أقلّ دهشة،
كأنّي تدرّبت على الفقد، وصرتُ أجيده أكثر من الإقامة.
أعدتُ الرحيل من المكان نفسه،
كأنّه لا ينفد،
لا يشيخ،
لا يُطفئ أنينه المتكرّر.
كأنّه يملك قدرة غريبة على امتصاص خطواتي، ثم دفعي إليها من جديد،
وكأنّ فيه ما يُبقي جذوري طافية… لا تنمو، ولا تنكسر.
أحياناً أسأل نفسي:
ما الذي يربطني بهذا المكان؟
أهو الخوف؟
الخوف من الجديد، من البداية البيضاء التي لا تحمل أثراً ولا اسماً؟
أم هو الحنين؟
ذلك الحنين المائع الذي لا يُعرف له شكل،
والذي يجرّني كطفل يحنّ لبيتٍ لم يكن سعيداً فيه،
لكنّه يعرف زواياه جيداً.
أم أنّه وهمٌ…
وهمٌ بأنّ المكان ما زال ينتظرني،
كما تركته، بنفس الرائحة، بنفس الضوء الخافت،
بنفس الوعد الذي لم يُقال،
وبنفس الشعور بأنّه يملك شيئاً لم أكتشفه بعد؟
الوجوه فيه تُحدّق بي وكأنّها تعرف.
تعرف أنّني لن أمكث،
أنني آتٍ فقط لأمرّ، لا لأبني،
كمن يزور كتاباً قديماً يعرفه عن ظهر قلب، لكنّه يعود إليه كلّما تاه.
الأشياء ترتّب نفسها كأنّها تحفظ طقوسي.
كأنّها تعرف ما أفعله حين أقرر الانسحاب،
كيف أطوي القميص،
وأطفيء المصباح،
وكيف أترك الباب موارباً كمن ينتظر اعتذاراً لن يصل.
أنا لا أنتمي…
لكنّي أُجرّب.
أدخل الأماكن كمن يختبر دفء الماء،
يمدّ يده،
ثم ينسحب قبل الغرق،
قبل التورّط في عمق لا يُحتمل.
أعدتُ الرحيل من المكان نفسه،
لأنّه لم يودّعني في المرّة الأولى،
ولأنني لم أتعلم أن أقول “إلى اللقاء”
بصوتٍ يسمعه قلبي.
أنا سيء في الوداع.
أهرب منه كما أهرب من المرآة حين لا أودّ رؤية ما تغيّر فيّ.
أُفضّل أن أترك الأشياء على حالها،
مفتوحةً، مربكةً، ناقصة،
تماماً كما أنا.
أُدرك الآن أنّ الرحيل لم يكن يوماً عن المكان.
المكان ظلّ كما هو،
لكنّ ما في داخلي ظلّ يتغيّر، يتراجع، يتردّد،
كأنّه لا يريد الرحيل حقاً…
ولا يريد البقاء.
أحياناً، أفكّر لو أنّ أحدهم وقف أمامي وقال لي:
“ابقَ.”
مجرد كلمة.
هل كنتُ سأبقى؟
هل كنتُ سأحارب رغبتي بالهرب، وأكسر عادتي القديمة؟
أم أنني سأبتسم، كمن سمع شيئاً جميلاً متأخراً جداً،
ثم أرحل، كعادتي…
دون وعد،
ودون صوت.
الرحيل لا يصير أسهل.
بل يصير أهدأ.
يصير أقلّ سؤالاً،
وأقلّ ألماً،
لكنّه لا يصير أقلّ حقيقة.
أعدتُ الرحيل من المكان نفسه،
ربما لأنّه المكان الوحيد الذي لم يُغلق بوجهي.
وربما لأنّي – في العمق – لم أكن أبحث عن وجهة،
بل عن تكرارٍ آمنٍ للحكاية،
عن مألوفٍ لا يُفهم،
لكنّه يُطمئن.
ربما كلّ ما أردته من الرحيل…
أن أُجرّب أن أُغادر دون أن أختفي.
أن أترك مكاناً لا ينساني،
كما فعلت أنا.


أضف تعليق