في غرفة باردة، تمدّد جسد الطفل الصغير على منضدة معدنية شاحبة، ثمة طنينٌ خافت في أذنيّ الطبيبة، طنينٌ يشبه صفير الريحِ في أروقة بيت مهجور، هذا الصفير كان صدى قلبها الممزق، حين رأت بين يديها ما لم تكن تتوقعه.

جسدٌ صغيرٌ على طاولة باردة

إسراء سلامة

في غرفة باردة، تمدّد جسد الطفل الصغير على منضدة معدنية شاحبة، ثمة طنينٌ خافت في أذنيّ الطبيبة، طنينٌ يشبه صفير الريحِ في أروقة بيت مهجور، هذا الصفير كان صدى قلبها الممزق، حين رأت بين يديها ما لم تكن تتوقعه.

تذكرت حين خرجت قبل ساعات، أو ربما كانت أياماً؟ الزمن في الحروب يفقد هيبته، يصير وهماً، أخبرت أبناءها أن يبقوا، أن ينتظروا عودتها، وكأنها كانت تحاول إقناع الموت نفسه بأن يغضّ الطرف عنهم، لكنها تعلم، بل كل الأمهات في وطني يعلمن: لا وعد يُعطى في زمنٍ كهذا.

كانت يدها ترتعش وهي تلامسُ جبين الطفلِ البارد، وكأنها تتأكد أنّ ما تراه ليس سراباً ولا كابوساً، في عينيه المغلقتين، لم يبقَ سوى أثرٌ باهت لطفلٍ كان يملأ البيت ضحكاً ومرحاً، فكّرت للحظة أنّ الحياة أحياناً لا تكون سوى حبرٍ أسود على صفحة ممزقة.

حولها، كان الآباء يأتون واحداً تلو الآخر، يحملون فلذات أكبادهم بوجوهٍ كالحجر، لا دموع، لا صراخ، فقط صمتٌ رهيب، صمتٌ كصمت المقابر، وكأنّ العالم كلّه توقف ليشهد هذه المأساة التي يزرعها الاحتلال في كل بيت، الأطفال هناك، في صمتهم، كانوا يعلنون شيئاً ما، شيئاً لا تقدر المدافع على كتمه.

وصرخة مكتومة: “يا رب، ليس طفلي!” لكن قلبها كان يعلم الحقيقة قبل أن تنطق بها شفتاها، ذاك الدم الصغير الذي تجمد في عروق الطفل، كان دمها، ذاك الوجه الملطخ بالتراب، كان وجهها الآخر، وجه كل أمٍ في هذا الوطن الذي لم يعرف من الحرب سوى رائحة الموت.

الأجساد الصغيرة التي تأتي إلى هذا المكان، كأنها تحمل رسائل من عالمٍ آخر، رسائل تقول: “لا تنسوا من رحلوا”، رسائل تُكتَب بحروفٍ من دم، حِبرها صرخاتِ الأطفال في الليل الطويل، هؤلاء الصغار هم الشهداء، والشهداء لا يموتون، بل يصبحون ناراً تحت رماد الاحتلال، تُوقد يوماً وتشتعل.

كانت الطبيبة تشعر، وهي تنظر إلى جسدِ ابنها الصغير، بأنّ الاحتلال يظن نفسه منتصراً، لكنه في حقيقة الأمر يزرع في كل قلب أمٍ شعلةً لا تنطفئ، يظنّ أنه بقتله الأطفال سيوقف الزمن، لكن الزمن في هذا المكان لا يتوقف، بل يعود ثانية، يعود في الأغنيات التي سيغنيها الأحياء غداً، يعود في الحكايات التي سترويها الأمهات رغم الألم.

يا لهذا الليل! يا لهذا الظلام الذي يخيّم على مدينتنا، ومع ذلك، كان ثمة ومضة أملٍ صغيرة، وميضٌ يشبه نجمةً في سماءٍ معتمة، ربما كان خيالاً، وربما كان حقيقة، لكنها تمسّكت به، كما يتمسك الغريق بخشبة طافية في بحر هائج.

في عيني الطفل المغمضتين، رأت الطبيبة صورةً لوطنٍ يعود، وطنٌ يخرج من تحت الركام، كالعنقاء التي تحترق لتعود أقوى من رمادها، وطنٌ يعرف أنّ دماء الأطفال هي بذور الحرية، وأنّ الموت ليس نهايةً، بل وعدٌ بالحياة من جديد.

حين غطّت الطفل بالكفن الأبيض، شعرت أنها تحتضنُ كل أطفال فلسطين، سمعت نبض قلبها المتعب يهمس: “سيعودون، سيعودون رغماً عن هذا الاحتلال الذي يخاف صرخاتهم الصغيرة أكثر مما يخاف المدافع”، وربما كانت تلك اللحظة هي بداية القصيدة الكبرى التي سيكتبها التاريخ عن شعبٍ لا يموت، شعبٍ يعرف أنّ الأمل لا يُدفن تحت الأنقاض، بل ينبت منها… دائماً.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق