دع القصة تقودك، لكن لا تنسَ أن ترسم لها شاطئاً تعود إليه

“رحلة الكاتب” لـ كريستوفر فوغلر: ما الذي تقوله القصة؟

محمد البلوشي

في عالم تعصف به فوضى الأفكار، يبرز كتاب “رحلة الكاتب” لكريستوفر فوغلر كقارب نجاة، ورفيق حكيم يرافق الكاتب عندما يعجز عن رسم بداية لكتابة النص، فوغلر، الذي غاص في عوالم الأساطير القديمة، حمل إلينا مفاتيح سحرية لصناعة الحكاية، بكلمات واضحة وأسلوب واثق، استلهمها من معلم الأساطير جوزيف كامبل وخرائط رحلته الأبدية، لكنه لم ينس أنّ الكاتب هو الصياد الذي يعرف أسرار النهر؛ يعرف متى يرمي الطُّعم ومتى يشدّ الخيط، فوغلر لم يكتب نصاً فقط، بل منحنا شبكة صيد القصص.

في قلب “رحلة الكاتب” يكمن شيء يقول لك: “دع القصة تقودك، لكن لا تنسَ أن ترسم لها شاطئاً تعود إليه“، تبدأ الرحلة من العالم العادي، من تلك اللحظة التي يجلس فيها البطل في كوخ الصيادين، يتفقد شباكه القديمة، العالم العادي هو أنت، وهو أنا، اللحظة التي نرى فيها الحياة كما هي، قبل أن تأخذنا دوامة الأحلام، يقول فوغلر: “لا تبدأ مغامرتك إلا بعد أن تفهم العالم الذي تنطلق منه، فكل مغامرة تحمل في طياتها معنى العودة، وكل بطل، مهما طالت رحلته، يشتاق إلى البيت”.

حين أقرأ هذا الجزء، أتذكر كلمات إرنست هيمنغواي في روايته “العجوز والبحر”: ” الانسان لم يُخلق للهزيمة.. قد يُدمّر لكنه لا يُهزم” هنا، الكاتب – مثل الصياد سانتياغو – يعرف أنّ العالم العادي، ذلك الشاطئ الهادئ قبل الإبحار، هو ما يمنحه القدرة على الصمود حين تضربه العواصف، لا يذهب البطل إلى البحر لأنه مغامر مجنون، بل لأنه يعرف أنّ اللؤلؤ لا يوجد إلا في الأعماق.

والكاتب، كما الصياد، يعرف أنّ المغامرة لا تبدأ إلا حين يسمع النداء، فوغلر يُحدثنا عن “دعوة المغامرة” – تلك اللحظة التي تتفتح فيها العين على شيء أبعد من حدود العالم العادي، قد تكون نظرة، قد تكون كلمة، أو ربما خفقة قلب، يكتب فوغلر: “دعوة المغامرة لا تُقاوَم، إنها نداء داخلي يعرفه الكاتب قبل أي أحد“، وكما الصياد الذي يرى حركة السمك تحت الماء، يعرف الكاتب حين يأتي النداء، يحدث ذلك أحياناً عند قراءة قصيدة، أو عند تذكّر حُلم قديم، أو عند رؤية غيمة في السماء تُشبه طفلاً تائهاً.

أتذكّر هنا ما كتبه تولستوي في بداية رواية “آنا كارينينا”: “العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة حكايتها الخاصة“، في تلك الجُملة، تولستوي سمع النداء، سمعه في صدى الحزن الإنساني، في نظرات نساء المدينة، الكاتب الذي يلتقط هذه الدعوة يعرف أنّ المغامرة قد تكون مؤلمة، لكنها لا تُقاوَم.

وقد تأتي دعوة المغامرة كامتحان، وهنا يدخل البطل في صراع مع ذاته، يرفض الدعوة، يشكّ في قدرته، يرتعد من أعماق المغامرة، فالرفض هو جزء من الرحلة، وكأنه صديق قديم، البطل يرفض، يتردد، الكاتب أيضاً، حين كتب دوستويفسكي “الجريمة والعقاب”، كان يعيش في فقر مدقع، يطارده الدين، وتطارده الشكوك، لكنه تجاوز الرفض، وكتب ملحمة تُخلد الإنسان الممزق.

ثم نأتي إلى العتبة، عبور العتبة يشبه قفزة الصياد في القارب عند شروق الشمس، العالم يتغير، يصبح أشبه بغابة لا تعرف ممراتها، هنا، يظهر الحارس، شخصية أخرى يرسمها فوغلر بوضوح: الحارس هو العقبة الأولى، هو الامتحان الحقيقي، الكاتب يواجه الحارس في كل نص: المخاوف، النقد، حتى صوته الداخلي الذي يسأل: “هل ما تكتبه يستحق؟” يقول فوغلر: “لا تستسلم، الحارس موجود ليختبرك، لا ليمنعك“.

هنا أتذكر تجربة فرجينيا وولف في كتابها “غرفة تخص المرء وحده”، كانت وولف تواجه حارساً صلباً: التقاليد الذكورية التي ترفض أن ترى امرأة كاتبة مستقلة، لكن وولف واجهت الحارس، كتبت، وأعطتنا نصوصاً رائعة عن الحرية، الحارس لا يُهزم إلا بالصوت الداخلي الصادق.

كتاب رحلة الكاتب - كريستوفر فوغلر

في فصول الكتاب التالية، يغوص فوغلر في دراما الرحلة، يشرح الاختبارات التي يواجهها البطل – أو الكاتب – وكيف تتكسر المرايا القديمة ليظهر وجه جديد، يلتقي البطل بالحلفاء: شخصيات تساعده، أو ربما مجرد فكرة مضيئة تلوح في ظلمة النص، ويواجه الأعداء: أولئك الذين يشككون في قدرته، أو تلك الشكوك التي تتسلل في الليل، فوغلر يكتب عن هذه الاختبارات كصياد يعرف أنّ البحر لا يمنح سمكه بسهولة، كل اختبار يعلّم البطل درساً، وكل خطوة هي مفتاح للوصول.

حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز “مئة عام من العزلة”، كان يعيش عزلة فعلية في مكسيكو، مع زوجته وطفليه، كتب الرواية في غرفة صغيرة، متحمساً وخائفاً في آن، كانت كل صفحة اختباراً، وكل فصل حليفاً وعدواً، لكن ماركيز عرف أنّ القصة الحقيقية هي ما يقاوم العزلة، ما يصنع عالماً سحرياً يستطيع القارئ العيش فيه، يقول فوغلر: “الاختبارات تُعلّمك أنّ النص لا يُولد كاملاً، بل يُصقل مثل السكين على الحجر“.

لكن الرحلة لا تكتمل إلا بالاقتراب من “الكهف العميق” – اللحظة التي ينزل فيها البطل إلى أعمق نقطة في ذاته، إنها ذروة التوتر، حيث تختلط الحقيقة بالخوف، في هذا الكهف، يواجه البطل ظلّه، وفوغلر يرسم هذه اللحظة بقلم رصين: “الظلال هي مرآة الكاتب، فيها يرى ضعفه وقوته معاً” الظلّ هو الألم الذي لا يرويه أحد، أتذكر هنا قصة إدغار آلن بو، الذي عاش حياة قصيرة لكنها مليئة بالرعب الداخلي، حين كتب “قلب الحكاية”، لم يكن يكتب عن بطل خارجي، بل عن كهفه الخاص – عن الجنون الذي يختبئ في الزوايا المظلمة.

يواصل فوغلر، وكأنه يصطاد لؤلؤة من قاع البحر، ليحدثنا عن “المكافأة”، البطل يظفر بشيء ثمين: حكمة، حب، أو فكرة تبرق كنجمة في العتمة، والكاتب أيضاً، عندما يكتب نصاً حقيقياً، يظفر بالمكافأة: لحظة الصدق، لا شيء يعدل هذه اللحظة، الكتابة ليست عن المال أو الشهرة، بل عن ذلك الانتصار الهادئ حين تضع النقطة الأخيرة.

وهنا يُخبرنا فوغلر عن “طريق العودة”، عن العودة إلى العالم القديم محملاً بالإكسير، البطل يعود، لكنه ليس البطل الذي غادر، وكذلك الكاتب، كل نص يكتبه يغيّره، ينحت قلبه مثل الرياح التي تنحت الصخر، فوغلر يكتب عن العودة وكأنه يعود بنفسه إلى شاطئ صباه: “الإكسير هو ما تمنحه للقارئ، وما تبقيه لنفسك“.

أتذكر هنا نصاً رائعاً لجاك لندن في “نداء البرية”، يروي قصة كلب عاد من رحلته القاسية بروح جديدة، الكاتب الذي يكتب بصدق يعرف أنّ النص هو رحلته الخاصة، وأنّ العودة لا تعني الهروب من الألم، بل حَملهُ في القلب كجوهرة ثمينة.

ثم يذكّرنا بآخر فصول الرحلة: “القيامة” و”العودة بالإكسير”، القيامة هي الاختبار الأخير، يواجه البطل كل ما تعلّمه، الكاتب يواجه هنا لحظة الصدق التام: هل سيكتب ما في قلبه حقاً، أم سيعود إلى الزيف؟ يقول فوغلر: “في النهاية، لا يهم إن كانت القصة عظيمة، المهم أنها صادقة” عندها فقط، يعود البطل إلى بيته، والكاتب أيضاً، يعود إلى طاولة الكتابة ومعه ما يغذّي قلبه.

في ثنايا هذه الفصول، ينسج فوغلر شخصيات نمطية هي كالنجوم في سماء السرد: البطل، الحارس، الحكيم، الظل، المخادع، الحليف، المرسال، والمتحوّل، هذه ليست مجرد شخصيات، بل قوى خفية تشكّل النص، يكتب عنها فوغلر بلغة الصياد الحكيم: “الشخصيات هي طُعومك، لكن البحر مليء بالعواصف، اختر الطُّعم الذي يليق بالموجة“.

ما يميز كتاب “رحلة الكاتب” هو مرونته، يُلحّ فوغلر على أنّ الرحلة هي خارطة طريق، وليست قواعد صارمة، الطريق مليء بالتفرعات، والكاتب الجيد يعرف متى يتبع الخريطة، ومتى يرمي بها في البحر ليصنع طريقه الخاص، وهذا ما يجعل الكِتاب أداة حيّة، لا قيداً ثقيلاً، تماماً كما يفعل الشاعر حين يكتب قصيدة، أو حين يجلس الكاتب أمام النافذة ويرى الغيوم تذهب بعيداً.

في هذا السياق، أتذكر ما قاله ويليام فوكنر: “في لحظة الكتابة، أنا لستُ أكثر من مجرد أداة في يد القصة“، هذا هو جوهر ما يقوله فوغلر: الكاتب الصادق يعرف أنّ النصّ أعظم من ذاته، وأنه مجرد ناقل، مجرد قلب نابض في بحر الحكاية.

حين كتب همنغواي “وداعاً للسلاح”، فَهِم أنّ القصة لا تُكتب بالبطولة فقط، بل بالخسارة أيضاً، في رحلة البطل، هناك دائماً لحظة ألم، لحظة فقدان، لكن الكاتب الذي يواصل، يعرف أنّ الألم هو ما يجعل النص صادقاً، الألم هو ما يربط القارئ بك.

كتاب “رحلة الكاتب” مليء بالأمثلة التطبيقية، وفوغلر لا يكتفي بالتنظير، يستشهد بأفلام مثل “حرب النجوم”، يشرح كيف وظّفت شخصياته النمطية لتبني ملحمة تجاوزت حدود الزمان، ويقتبس من الأساطير، من الميثولوجيا، من قصص شعبية بقيت حية لأنها تحاكي الروح البشرية، كل مثال يذكّرنا أنّ الكاتب هو من ينصت للعالم الخارجي والداخلي معاً.

وهنا تكمن القيمة الكبرى لهذا الكتاب: فهو لا يُلقي بك في المحيط، بل يعلّمك كيف تسبح، كيف تصغي لموسيقى النص، كيف تلتقط تلك الشرارة الصغيرة التي تشعل الصفحة البيضاء، الكتابة، كما يُعرّفها فوغلر: “طريقة حياة، ومغامرة، مغامرة تبدأ بخطوة بسيطة: فكرة، حلم، جملة، ثم تكبر، تتعثر، وتكتمل“، الكاتب الذي يفهم هذا الطريق لن يخشَ العثرات، سيعرف أنّ العثرة الأولى هي بداية النهر، وأنه كلما كتب، كلما صارت مهارته أكثر قدرة على الصيد.

أوصي بقراءة هذا الكتاب: ببطء، بتأمل، وبشغف، خذ منه ما تحتاجه، ودع الباقي يتخمر في رأسك، فوغلر يُذكّرك أنّ القصة، في نهاية الأمر، ليست إلا مرآة، مرآة ترى فيها صورتك الحقيقية، صورة البطل الذي يسكنك، والكاتب الذي يعرف هذا، يعرف أنه مهما بدت الرحلة طويلة، فإنها دائماً جديرة بالبدء.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.