إسراء سلامة
لم أكن أعلم أنّ الظلال تخاف من الحرب.
كنت أظنّ أنني إذا أسرعت إلى الملجأ، فإنّ كل ما يخصّني سيتبعني: يداي، روحي، حقيبتي، وظلّي.
لكن في تلك الليلة، حين انطفأ الضوء وسُمع أول انفجار قريب، جرّني أبي من ذراعي، وانزلقت خطواتنا إلى الأسفل، كنا نعرف الطريق: درج واحد، ثم باب حديدي ثقيل، ثم مساحة ضيّقة تزدحم بالأنفاس.
كنتُ أرتجف، ليس من البرد، بل من شعورٍ غريب أنني لم أصل بكاملي، كنتُ ناقصاً، حتى قبل أن تُعدّ رؤوسنا.
أبي بدأ يُحصينا بصوتٍ خافت، مثل مُعلمٍ متعب:
“أمك… أخوك… الصغيرة… وأنا… وأنت.”
رفع بصره إليّ وسألني:
“كلّك جيت؟”
قلتُ: “تقريباً.”
لم يفهم، ولا شرحته له.
ظلّي… لم يدخل.
لا أعلم لماذا بقي في الأعلى، ربما كان ممدّداً على الأرض قُرب باب البيت، يراقب الباب الحديدي وهو يُغلق ببطء.
ربما أراد أن يتأكد أنّ القصف سينتهي قبل أن ينزل، أو أنه تعب من الركض مثلنا.
كنتُ أنظر إلى الأرض الإسمنتية في الملجأ ولا أرى شيئاً تحتي، لا خطاً، لا ظلاً، لا دليلاً على أنني هنا.
كلنا نبدو مسطّحين، بلا ملامح.
الضوء الوحيد كان مصباحاً صغيراً يعمل على بطارية، لا يكفي إلا ليكشف وجوه الخوف.
بجوار أمي امرأة تُمسك بعلبة دواء، وتقرأ النشرة المكتوبة بالعِبرية، تحاول أن تفهم متى تعطي طفلها الجرعة التالية.
الطفل نائمٌ في حضنها، لا يُصدر صوتاً، ربما يُجيد الصمت الغزيّ، أو ربما تعب من الهرب.
بعد نصف ساعة، عاد أحد الجيران من الطابق العلوي، فتح الباب الحديدي قليلاً، وتسللت معه رائحة البارود والهواء الرمادي.
سألتُه هامسةً إحدى النساء:
“وين ضربوا؟”
ردّ: “ورا المدرسة… بيت أبو قاسم.”
شَهَقت أخرى: “هذولا كانوا في البيت؟”
هزّ رأسه، ثم أشار بعينيه للأسفل، وكأنّ الإجابة هناك.
في تلك اللحظة، شعرتُ أنّ ظلّي رأى المشهد، وبقي هناك مع الركام.
أدركتُ أنني، منذ نزلت، لم أعد كما كنت.
أشبهني، لكنني من دون خط يمتد خلفي.
صوتي معي، لكن صداه مفقود.
في الحروب، لا يخسر الناس أرواحهم فقط.
يخسرون تماثلهم.
أشياء صغيرة تتآكل: نظرة في المرآة لا تُشبهك، خطواتك تصبح أبطأ، وخيالك الذي كان واسعاً، يصبح ضيّقاً مثل الملجأ.
جلستُ قرب الجدار، وضعتُ يدي على الأرض.
أردتُ أن أترك أثراً، أن أشعر أنني موجود.
“يا رب ما ينزل الصاروخ هون”، قالت أختي.
نظرتُ إليها، لم تكن تبكي، لكنها كانت تنظر للأعلى، كما لو أنّ السماء يمكن أن تسمعها، قلتُ لها: “لا تخافي… كل شيء بأمر الله.”
ابتسمت، قالت: “الحمدلله”.
عند الفجر، خفت صوتُ القذائف.
بعض العائلات خرجت لتتفقد بيوتها، أبي قال: “نِستَنى شِوَي”.
أنا خرجتُ أولاً.
صعدتُ الدرج بخفة، كما لو كنتُ أصعد إلى نفسي.
حين وصلت، رأيته هناك، عند العتبة:
ظلّي.
كان ملتصقاً بالجدار، ممدوداً، ساكناً، كمن ظلّ يحرس البيت إلى أن عُدت.
لم يَعتب، ولم يسأل.
دخلنا معاً.
في غزة، لا ينجو الناس فقط… بل تظلّ أجزاء منهم عالقة في أماكن القصف، في الصور، في الحيطان، في الباحات الخالية.
وفي كل مرّة ينزل أحدنا إلى الملجأ، يترك خلفه شيئاً:
ظلاً، أمنية، صوتاً، صورة، أو حتى اسمه.
وغالباً… لا يعود بها كاملة.


أضف تعليق