امرأة فلسطينية تودع طفلها الصغير وتغمره بحزن عميق، في مشهد مؤثر يجسد الألم والفقد.

غزة بين الألم والأمل

محمود عاطف الخرشه

وحدها ركبت عجلة المسير، بين أشواك مغروسة في كل مكان، بين أشجار شوكية ملتفة ومتشابكة، لسعة إحداها أشد من لدغة ثعبان، أشجار ضخمة تفقد بين اكتظاظها وازدحام انتشارها معالم الطريق التي تسلكها، وملامح ما تبحث عنه، فالظلام الدامس الذي أرخت قاماتها الضخمة سدوله على المكان، زاده وحشة وضبابية وضياعاً، سوى ممرات ضيقة خانقة تضيق وتتسع بين الحين والآخر.

كانت تعبرها بحذر وحرص شديد وذكاء، لا حادي لها في هذه الرحلة الممتدة المحفوفة بكل مخاطر الطريق سوى الإيمان بالوصول إلى المنتهى والغاية القصوى التي ارتضتها، ووجدتها المخرج الأوحد، لم يكن أمامها من بديل آخر يمكن أن تتكئ عليه، وتجد فيه خياراً آخر يمكن أن تتموضع فيه لتعيد تجذّرها وبناء ما عبثت به أيدي العابثين، وصولة المجرمين، وأدوات الحاقدين.

فكان أمامها: الوجود أو اللّاوجود، عندئذ، لم يعد إلا اختيار الوجود، بما يكلفه وما يحتمل فيه ثناياه من استنزاف وخسارات وويلات، على خيار الاستسلام بسهولة ورعونة إلى مُدية خيار اللاوجود، عندها استجمعت كل ما لديها، واستثارت كل مكامن القوة في جسدها مستعينة بطاقة الإيمان، تلك التي تمدّها بكل صنوف الثبات والصبر والأمل.

استمرت تخطو على ساقيها النحيلتين بين الأشواك ولسعات دبابير الأشجار الكامنة في أغصانها، بقيت تخطو بخطوات تتقدم فيها حيناً وتتراجع حيناً، وفق ما تقتضيه لعبة الدومينو، بثبات وإصرار.

كانت تسير حافية القدمين، مما أدمى ذلك المسير قدميها، وترك فيهما تشققات وندوباً وجراحاً غائرة، ولكن عُري قدميها، بما يحمله من أذى وصعوبة في السير، كان حافزاً على مواصلة السعي، فقد انسلخت من قدميها، وتشكّلت طبقة قست وزادت تيبّساً، فغدت تمشي بحذاء جلدي أصيل ذاتيّ المنشأ، لا ما نبحث عنه نحن من ماركات مصنوعة من جلد الغزلان، حذاء مقاوم للرطوبة والماء، والبرد والحر، غير قابل للانتزاع في كل الأوقات، على غير حذائنا الذي نستغل كل لحظة لخلعه مهما غلا ثمنه وارتفعت قيمته.

كان حرصها على البقاء، والوفاء للوصول إلى غدٍ أفضل ويومٍ أجمل لها ولعيالها الذين ربّت وأنشأت واحتضنت وأرضعت، هو الهاجس الذي دفعها لأن تمضي في تلك الدرب، وتقاوم كل وحوش الطريق، تقطّع من جسدها المكلوم الدامي بين الفينة والأخرى لتسقي زهرة الأمل، والحلم الذي هو ديدنها.

لم يُثنها في رحلتها الظلام، ولا صوت الريح، ولا لهيب الحادثات، مضت تشق الغبار، مرفوعة الرأس، قابضة على جمر الغضا، مُتشحة بثوب الكبرياء والأنفة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق